27/08/2007 |
|
||||||||
|
|
|||||||||
|
|||||||||
بداية الإشتباه:وقد توالت التحقيقات الصحفيّة والمؤلّفات عن (ثورة) القذّافي مع تصاعد عمليّات الخطف والإغتيال التي تبّوأ فيها القذّافي المكانة الأولى بامتياز! ويأتي كتاب "رسول الصحراء" للإيطاليّة/الفرنسيّة ميريلا بيانكي،وكتاب "رئيسي إبني" للمالطي فريدريك موسكات،أهمّ مراجع - خاصة بالنسبة للكتّاب الغربيين -لاحتوائهما على السيرة الذاتيّة لمعمّر القذّافي ووقائع إنقلابه كما رواها هو شخصيّا وبعض أعضاء مجلسه للمؤلّفين المرتزقين،مضخّمة طبعا بالمبالغات والتهويلات، بل وبالمتناقضات،وصدر الكتابان عام 1974. و"ميريلاّ بيانكي" التي قضت بعد إنتشار مؤلّفها،كانت زوجة لعادل عامر الذي أدار مكتب جامعة الدول العربيّة بباريس،وكانت له صلة بجهاز الإستخبارات المصريّة. وبعد تركه لمنصبه داوم على الإتصال بالسفارة الليبيّة في روما طمعا في الإنتفاع بأيّة صفقات يحصل عليها بواسطتها!ولا شكّ أن كتاب (الثورة المراوغة) الذي ألّفته المناضلة الجنوب أفريقيّة البيضاء "روث فيرست" عام 1974 كان أوّل دراسة تحليليّة للشروط الموضوعيّة التي أفرزت الحركة الإنقلابيّة وما انطوت عليه من مؤامرات ودسائس.(1) كما كانت أوّل من تعمّق في البحث لاستكناه دور القوى الأجنبيّة وراء الإنقلاب وهويّة القائمين به. ففي الفصل السابع من كتابها بداية من الصفحة 99 استهلّته بقيام عبد الناصر،على أثر سماعه بنبأ الإنقلاب، بإيفاد محمد حسنين هيكل إلى ليبيا لإجراء التحريّات اللازمة وفي عين المكان. وعندما قابل هيكل الضابط الشاب الذي استقبله في بنغازي،تطلّع هيكل حواليه وسأل: أُمّال فين عبد العزيز؟ وكان يقصد رئيس الأركان عبد العزيز الشلحي، والذي اعتقل في الواقع يوم الإنقلاب، والذي وبّخ الجنود الذين جاءوا لاعتقاله قائلا لهم: "إذهبوا أيها الأغبياء. إنه ليس اليوم ولكن يوم أربعة سبتمبر!" أي أن إنقلابا دبّره هو كان متوقّعا في ذلك التاريخ. وتعرّضت هنا إلى محاولات الإنقلاب السابقة والفاشلة من الجيش الليبي، واتّصالات عبد العزيز الشلحي خلال عام 1969 بجمال عبد النّاصر شخصيّا،وكذلك بقيادات الجيش المصري،إذ كان هو خرّيجا من الأكاديميّة العسكريّة المصريّة، ولذلك فكلاهما كانا يتوقّعان الإنقلاب الخطأ..وأوردت رواية بعض الإنقلابيين وخاصة القذّافي الذي قابلته شخصيّا في طرابلس وكذلك نقلت مقابلة إذاعيّة معه قصّ فيها روايته ومعه عمر المحيشي، غير أنها لم تقبل الرواية على علاّتها وذهبت تستقصي وتقارن بحثا عن الحقيقة. وبناء على تحليلاتها انطلق بقيّة المشكّكين في براءة الإنقلاب من أن يكون ملوّثا بأيدي أجنبيّة، أو أن طابعه وطني خالص،فهي مثلا في صفحة 114 من كتابها تقول: "لقد ثارت الشبهات ليس لسهولة سيطرة الإنقلابيين على السلطة فقط،ولكن للسماح لهم بحمل هذه السّلطة والبقاء فيها. ولم يكن خافيا أن مرور إنقلابهم هكذا،قد شابه الإبهام حين مهّدت له الإستعدادات للقيام بانقلاب الشلحي،ولو أن هذا لم يُعرف جيّدا،نظرا إلى أن الضبّاط الصغار القائمين به كانوا متخفّين. ومن المرجّح أيضا أن الولايات المتحدة لم تجهّز فقط عمليّة تغيير الملكيّة بل شجّعت عليها. ولكن إذا كان الشلحي هو المرشّح البديل،فلماذا قُبل القذّافي ليحتلّ مكانه ؟ وحتى ينكشف أكثر دور وكالة الإستخبارات الأمريكيّة في ليبيا، ويُعرف لماذا قرّر موسى أحمد وآدم حوّاز الإنضمام الى الضبّاط الأحرار، فسيكون من الصعب الإجابة على السؤال. وإحدى الإحتمالات التي تحتاج الى التحقّق - كما كان الأمر بالنسبة لثورة الضبّاط الأحرار في مصر عام 1952- أن نفوذا أميريكيّا إندسّ في آخر لحظة داخل شبكة المتآمرين. فقد عُرف عن الشلحي موالاته لبريطانيا أكثر من موالاته لأميريكا، ولربّما دعت الضرورة إلى وجود مرشّح بديل رؤي أن يكون من الجيل الناصري،للحيلولة دون أن تفلت المشاعر المعادية للغرب من السيطرة عليها. أو قد يكون ظهور القذّافي على المسرح قد فاجأ الولايات المتحدة كما فاجأ غيرها، ولكنّها قلّلت من تخوّفها متوقّعة قدرتها على ممارسة التأثير عليه". وقبل ذلك في الصفحة 111 ذكرت :"سرى الإرتباك واللّغط لفترة ما في ليبيا،ولمدّة أطول في الخارج، حول منشأ الإنقلاب ولمن يعود. وأوّل ما تبادر إلى السلك الدبلوماسي أنه موعز به من البعثيين وأنه على صلة بالعراق. فالعراق كان أوّل دولة اعترفت بالنظام الجديد، وتبعته مصر ببضعة ساعات. وفي لندن بعد أسبوع من حدوث التغيير، شاع عبر مقال واسع الإنتشار، أن الملك إدريس نفسه كان طرفا في (الثورة) حتى يسهّل الطريق ليخلفه سياسي شاب يطمح للنجاح، ومعتنق لاشتركيّة معتدلة،هو عبد الحميد البكّوش، ولكنه أودع السجن في اليوم الثاني للإنقلاب. وثمّة آخرون ظنّوا أن إعلان وليّ العهد من الإذاعة عن قبوله للإنقلاب كان علامة تشير الى ارتباط معه، وليس مجرّد استخدامه من قبل الإنقلابيين لإضفاء الشرعيّة علي الإنقلاب. لقد كانت الشائعات سريعة ومنفلتة؛فلا أحد بدا أنه يعرف في الحقيقة من هو صاحب الإنقلاب. وأُرسلت البرقيّة الأولى الى الحكومة المصريّة موقّعة باسم شخص يُدعى العقيد سعد الدين بوشويرب، والذي أذاع الراديو الليبي قبل ذلك وعقب الإستيلاء على السلطة أنه الرئيس الجديد لمجلس قيادة الثورة. ولكن في اليوم الخامس للإنقلاب ثبت أن هذا العقيد،بغض النظر عن شخصيّته،ليس هو رئيس المجلس على الإطلاق.وقامت وكالة أنباء الشرق الأوسط بنشر مقابلة أجرتها مع الرئيس الحقيقي للمجلس، التي ذكرت أنه أصرّ على أن يظلّ مجهولا في الوقت الحاضر،مثله مثل بقيّة أعضاء المجلس. وكانت هذه المرّة ألأولى التي أُعلن فيها، على لسان متحدّث مجهول أيضا، أن الإنقلاب قامت به منظّمة من الضبّاط الأحرار. فالعقيد بوشويرب لم يعد منخرطا في الجبش، بل ولم يكن حتى في ليبيا عندما أُعلن عن إسمه (2). فمن اختاره كرمز وهمي للإنقلاب ؟ البعض قال على خلفيّة سمعته كضابط ناصري متحمّس،فظنّ مجموعة من الضبّاط الذين كانوا يديرون الإذاعة في طرابلس أنه قائد الإنقلاب. وفعلا ولعدّة أيام قليلة لعب دور نجيب ليبيا إلى أن تقدّم (ناصرها) وأعلن عن نفسه. وفي طرابلس إشتكت السفارات الأجنبيّة من أن الإنقلاب أخذهم إلى جوّ ألف ليلة وليلة، فالسفارة البريطانيّة،ولمرّتين في ثلاثة أيّام،كان يبلّغها رجال مجهولون تماما على هيئة ضبّاط في الجيش الليبي، ولم يُفصح أحد منهم عن إسمه. ولهذا تعلّلت وايت هول {أي وزارة الخارجيّة} أن ليس في إمكانها الإعتراف بنظام لا يُعرف عنه حقيقة أي شيء، وأنها لم تستطع اتخاذ قرار حول تسليمه الأسلحة. ولكن من ناحية أخرى فالتأخير البريطاني في الإعتراف من شأنه المجازفة بإعطاء بلدان أخرى فرصة ثمينة للحصول على نفوذ داخل قادة ليبيا الجدد.وهناك الكتب التي ركّزت على نشأة وتطوّر علاقات القذّافي بامريكا ككتاب(عاصفة ليبيا الرمليّة) لجون كولي الصادر عام 1982 وكتاب (القذّافي والولايات المتحدة منذ عام 1969) لإدوارد هيلي عام 1984. والأوّل سرد روايته عن أحداث الإنقلاب ودور القذّافي اعتمادا على المراجع السابقة، ولكنّ مؤلّفه زار أيضا في النصف الثاني من سبتمبر طرابلس ليروي مشاهداته ومقابلاته.يقول (لو): "على الرغم من أن علاقاتنا بالملك إدريس كانت جيّدة،إلاّ أنني اعتقدت في كونه عجوزا أبله جالسا في طبرق يرتشف حليب الناقة ويأكل التمر. فهو لا يدري عما يدور حوله وكان خائفا من جيشه. ولقد وفّرنا له ست مدرّعات من نوع (سينتوريون)،غير أنه لشدّة تخوّفه قام بتجميدها في المخازن: "لم يكن دور المستشارين العسكريين البريطانيين مستقيما كما أريد له أن يظهر رسميّا،قضابط الصفّ (لم يُفصح عن إسمه) كان دوره واضحا كما يقول: "لقد كنّا هناك ليس في الحقيقة لتدريب الجيش بل لمراقبته عن كثب، ولممعرفة ماذا يجري فيه. وكنّا نكتب تقارير منتظمة عن ذلك إلى أعضاء السفارة البريطانيّة. وانتابني شعور لفترة طويلة بأن شيئا عنيفا سيحدث" وأضاف: إن من بين مهامه ألاّ يرى الجيش الليبي وقد تسلّح تسليحا فعّالا. وبدا أن هذا كان قي صالح كل من وزارة الخارجيّة في لندن والملك إدريس في ليبيا. وقال (لو) "كنّا نقدّم لهم أطباق الحلوى وليس الأسلحة. وبضغط منّي أرسلت لندن اليهم بعض بنادق (بيرن)، ولكن سياستنا هي عدم تسليحهم تسليحا جيّدا.. وكان معظم الضبّاط مهتمّين بالشئون السياسيّة أكثر من شئون الجيش. وثمّة تغيير كان يأخذ مجراه،فالمتعلّمون من الليبيين،بعد أن يؤدّوا مهامهم بالجيش، يجلسون في المقاهي ويتحدّثون في السياسة. وحتما لم يكونوا راغبين في الذهاب إلى الصحراء. كانوا مسلّحين بفرقتين من مدرّعات (صلاح الدين)،غير أنه إذا ما ااستغرق مناّ أداء مهمّة أسبوعا من الزمان، استغرقت منهم نفس المهمّة حوالي الشهر". وتيقّن (لو) من أن الظروف لو كانت ناضجة للثورة عام 1965 لكان القذّافي هو من يشتبه في قيامه بها،فقد كُتبت عنه سلسلة من التقارير إلى الإستخبارات البريطانيّة في ليبيا،وكان ممثّلها هو الملحق التجاري بالسفارة البريطانيّة في طرابلس. وما زال (لو) يتميّز غيضا لأن وزارة الخارجيّة البريطانيّة أعارت ما وصفه بالإهتمام الضئيل لتقاريره الإستخبارتيّة. لقد اشتبه في أن القذّافي كان ضالعا في اغتيال قائد الكليّة العسكريّة ببنغازي عام 1963 بل كان هو من أطلق الرصاصات القاتلة حين استطرد في روايته:n"أُطلق عليه الرصاص بالقرب من مقرّ الكليّة وجرى الإسراع بنقله الى المستشفى العسكري. ولقد اشتبهت في تورّط القذّافي كونه قائد المجموعة من الضبّاط الصغار المشبوهين. وحدث أنني أمسكت بيد المصاب بالمستشفى،nوكانت جروحه خطيرة، وسألته عمن أطلق عليه الرصاص فهمهم بالإسم الأول،معمّر،ثم توفّي".الرّاصد السياسيراجع: كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (1) (1) بعد جولتها في ليبيا غداة الإنقلاب،وتجميعها للمعلومات وتسجيلها للمقابلات،اتّصلت بي بتوصية من بعض الأصدقاء،وقد قابلتها وأنا بالخارج وأمددتها ببعض االأحداث التاريخيّة وخلفيّاتها. حيث كنت أعلم أنها زوجة المناضل الجنوب الأفريقي الأبيض سلوفو،الذي كان زعيما للحزب الشيوعي هناك المناويء للحكم العنصري والذي تربّى فيه نيلسون مانديلاّ وأقرانه.
(2) إذا قصد الكاتب إدريس
العيساوي فقد قُتل يوم 9 ديسمبر 1962 – واتهم بقتله عبد العزيز الشلحي وساعده
الأيمن عون رحومه كما هو شائع -أي قبل التحاق القذّافي بالكليّة العسكريّة
التي كانت في صيف 1963 ما لم يكن القذّافي مكلّفا منهما أو من جهاز الأمن
الذي كان يعمل لصالحه،حسبما أوضح الدكتور المقريف في الحلق الثالثة(1) من
دراسته المشار إليها (إنقلاب بقيادة مخبر) بتاريخ3/9/2001،وهو ما لا
يُستغرب،بل يأتي دليلا على صدق التحليل الرّاصد!
|
|||||||||
|
|
|
تعليقات القراء: |
|
تامر الطرابلسي: أرجو من السيد الفاضل الراصد السياسي أن يرصد ويكشف للقراء في مقالات قادمة المزيد و الكثير من الحقائق التي يعلمها عن نظام إنقلاب سبتمبر 1969 لتعم المعرفة بمنظور غير مزيف وذلك للمعلومات القيمة لذى السيد الراصد السياسي. ونتمنى للراصد السياسي في ذلك كل التوفيق و طوال العمر. |
|
|