18/08/2007
 

الجيش الليبي بين عهدين
 
بقلم: عبد المنصف البوري

 
(الورقة التي قدمها الأستاذ عبد المنصف البوري في الندوة التي نظّمتها"لجنة العمل الوطني على السّاحة الأوروبيّة" إحياء للذكرى السابعة والستّين لتأسيس جيش التحرير الليبي، والتي انعقدت بمدينة كولون في ألمانيا يوم 9 أغسطس 2007.
 
ليس من مهمة هذه الورقة البسيطة رصد او بحث أوضاع الجيش الليبي بشكل متكامل وعلمي, ولكن يمكن إبداء بعض الملاحظات والمقارنات من خلالها حول الجيش الليبي في العهد الملكي ثم الجيش الجيش الليبي تحت ظل حكم القذافي والقاء الضوء على بعض النقاط ذات الأهمية.
 
وبدون المرور على كيفية تأسيس الجيش او كيف نشأت النواة الأولى للجيش السنوسي, كما عرف اسمه قبل الإستقلال وخوضه للمعارك الى جانب قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية حتى تحقق الإستقلال.
 
هذا الجيش جرى اعداده وتأهيله في بداية الحكم الملكي بشكل تدريجي وبسيط ولكن بإهتمام كبير من قبل الحكومات المتداولة, وقد برز هذا الإهتمام من خلال الإستعانة بالخبرات من بعض الأقطار العربية أنذاك وبريطانيا على وجه الخصوص. وأيضا في تلقي بعض المساعدات والمعدات العسكرية المتواضعة, وقد شرعت الدولة في نفس الوقت بإرسال البعتاث العسكرية لتأهيلها عسكريا وعلميا, حيث توجهت هذه البعتاث الى كلا من مصر والعراق وتركيا واليونان, ثم فيما بعد الى بعض الدول الأوروبية وعلى وجه الخصوص الى كل من بريطانيا وألمانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية.
 
وقد سار تأهيل وتدريب عناصر الجيش الليبي بوتيرة أسرع مع مرور السنوات, حيث تم افتتاح الكلية العسكرية الملكية في ضواحي مدينة بنغازي لتخريج الضباط وصف الضباط, هذا وقد شمل تطوير الجيش الليبي وتأهيله القطاعات العسكرية الثلاثة: المشاة والبحرية والجوية, رغم ان الكثير من المعدات والتجهيزات العسكرية والأسلحة لم تكن على درجة عالية من التطور والتقنية, الا انها كانت في الإطار التقليدي مقبولة وبما يتناسب مع ظروف ومعطيات ليبيا أنذاك.
 
مع وقوع الإعتداء الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن عام 1967, استلزم الأمر في ليبيا الى اعادة النظر في استراتيجية التسليح للجيش الليبي, ورأى النظام الملكي أنذاك حاجة ملحة وضرورة للحصول على الأسلحة المتطورة, خاصة بعد رؤية التفوق الإسرائيلي التقني والتكنولوجي والقدرة السريعة على الحركة والمناورة.
 
وعلى الفور سارعت الحكومة الليبية (حكومة عبد الحميد البكوش) القائمة أنذاك للإتفاق على صفقة منظومة الدفاع الجوي ودبابات الشفتن من بريطانيا, غير ان هذه الصفقة تم الغؤها بالكامل بمجرد وقوع الإنقلاب العسكري وإستلائه على السلطة في سبتمبر 69, فخسرت ليبيا أكثر من خمسين مليون دولار تم دفعها كمقدمة لشراء هذه الصفقة, وبعد هذا العرض القصير يمكن إدراج بعض الملاحظات على النحو التالي:
 
أولا: ان الجيش الليبي رغم ضعف الإمكانيات والخبرات العلمية العسكرية الا انه كان على درجة عالية من الربط والضبط والإستعداد للتأهل العسكري والعلمي.
 
ثانيا: كان تأهيل الكوادر العسكرية يجري بصورة سريعة وبطريقة مدروسة, رغم انه شاهد بعض البطء في البداية, من أجل بناء الجيش الليبي على أسس صحيحة.
 
ثالثا: لم تشهد المؤسسة العسكرية الليبية (الجيش الليبي) اى شكل من أشكال التحيز القبلي او الجهوي, بل ضمت عناصر وأفراد من مختلف القبائل والجهات والمناطق والمدن الليبية دون أى حساسية او تحيز لأى جهة او طرف من الأطراف.
 
رابعا: لم يتدخل الجيش الليبي طوال العهد الملكي فيما يتعلق بالأوضاع السياسية الداخلية, كما لم يتم إستخدامه طوال ثمانية عشر سنة من الحكم الملكي في أى نزاع او صراع خارجي,وظل دوره مقتصرا على حماية الوطن والدفاع عنه.
 
خامسا: لم تقم الحكومات الليبية المتتابعة تحت الحكم الملكي بالتضييق على الإنتماءات العقائدية والسياسية بالنسبة لعدد لابأس به من العسكريين مما شجع بعضهم لتشكيل تيارات سياسية وتنظيمات داخل المؤسسة العسكرية الليبية, حيث نجح أحد هذه التنظيمات في القيام بالإنقلاب والإستلاء على السلطة الشرعية القائمة في البلاد أنذاك في الأول من سبتمبر من عام 1969.
 
اما بالنسبة للجيش الليبي بعد إنقلاب القذافي, فقد مر بعدة مراحل حتى وصل الى الحالة المتردية التي عليها الأن, ومنذ البداية لعب القذافي محوريا وأساسيا في تكييف الجيش بالشكل والصورة والوضعية التي يرغب بها إرضاءا لطموحاته وترتيبا لهذا الجيش بما يخدم تطلعاته.
 
ففي المرحلة الأولى التي بدأت مع وقوع الإنقلاب قام القذافي بالتخلص من كل الرتب العسكرية العالية وازاحتها من الجيش الليبي حتى لا تشكل عائقا امامه, وقام على الفور بترقية نفسه الى رتبة عقيد, هذه المرحلة شهدت الإستغناء على كافة القيادات العسكرية الكفؤة والمؤهلة التي درست وتعلمت في الخارج لسنوات عديدة, فضلا عن خبرتها التي اكتسبتها من عملها في الجيش الليبي, أحيل جزء كبير من هذه القيادات العسكرية على التقاعد, بينما أحيل جزء آخر بسيط للعمل في مؤسسات الدولة وعلى وجه الخصوص في وزارة الخارجية الليبية أنذاك, وبالطبع فقد خسر الجيش الليبي بهذه العملية عناصر وكفاءات كانت بمثابة العامود الفقري بالنسبة للجيش الليبي الفتي في تلك الفترة.
 
ولم تمضي شهور قليلة على التخلص من القيادات العسكرية العليا حتى سارع القذافي الى ترقية الضباط وصف الضباط الصغار الى رتب أعلى كى يتم شغل الوظائف السابقة, غير ان الهدف الحقيقي من وراء ذلك كان هو كسب ولاء هولاء الضباط وصف الضباط الى جانبه, بل انه قام بفتح حوانيت عسكرية استوردت كل البضائع المنزلية والكماليات لهولاء الضباط وصف الضباط, ثم قام بتوزيع البيوت والأراضي عليهم وقيل انه رفع مرتباتهم قأصبحوا شبه طبقة عسكرية مميزة في المجتمع الليبي بعد الإنقلاب مباشرة.
 
في أعقاب هذه المرحلة, قام القذافي بإرسال البعثات العسكرية للخارج, وعلى وجه الخصوص الى كل من مصر, والإتحاد السوفياتي, لتكوين كوادر عسكرية جديدة للجيش الليبي, ولكن بمجرد عودة هولاء العسكريين من الخارج جرت عمليات تصفية واسعة لهم تارة بحجة إشتراكهم في مؤامرات ضده, وتارة أخرى بأنهم شاركوا في محاولات إنقلابية, وقد راح ضحية هذه التصفيات المئات من الضباط وصف الضباط وبعض الجنود إعداما, وسجنا, وتشريدا.
 
شعر القذافي أن طموحاته لا يمكن أن تقف عند حد معين, بل يمكن لها أن تتجاوز الحدود الجغرافية الليبية, وأنه (مؤهل) على لعب دور مهم في البيئة العربية, الإفريقية, والدولية, ورأى أن طموحه هذا يمكن أن يتحقق من خلال بناء ترسانة كبيرة من السلاح, حيث عقد مع بعض الدول الأوروبية وعلى وجه الخصوص مع فرنسا والى حد ما الولايات المتحدة صفقات تتعلق بشراء طائرات عسكرية.
 
كانت العلاقات الليبية-الأوروبية-الأمريكية غير مستقرة, بل انها بدأت تشهد توتر متزايد مما دفع القذافي للإندفاع نحو الإتحاد السوفياتي وعقد الصفقات العسكرية معه والتي تجاوزت أكثر من 9 مليارات دولار أنذاك (أنظر الى بحث مطول نشرناه في مجلة الإنقاذ بتاريخ أبريل 1884 بإسم - الإرهابي وترسانة السلاح.
 
يبدو ان القذافي كان يعتقد بأن تكديس السلاح والصواريخ في هذه المرحلة سوف يظهره بمظهر القوة, بينما رأى فيه المراقبين والمحللين للشؤون الدولية, بأنه ظاهرة للتباهي والتظاهر بالقوة, والإستعراض في المناسبات والإحتفالات الوطنية وهو ما حدث بالفعل.
 
لقد شهد الجيش الليبي أيضا فرض ما يسمى بالتجنيد الإجباري على اعداد كبيرة من أبناء المجتمع الليبي كبارا وصغارا, رجالا ونساءا, وبدا الأمر برمته وكأن المقصود هو عسكرة المجتمع الليبي بالكامل إزاء أخطار وحروب وهمية ومع قوى مجهولة, وقد أدى هذا الأمر ليس فقط الى إرباك المجتمع الليبي بالكامل بل أيضا وحتى المؤسسة العسكرية, حيث انخرط في التجنيد مواطنين عاديين, وأساتذة جامعات, ومدرسين وطلاب, وتجار, وعمال, واطباء, ومهندسين, وغيرهم من كافة فئات المجتمع, وكادت هذه الوضعية أن تؤدي الى شلل الحياة الطبيعية في ليبيا.
 
ولم تمضي سوى سنوات قليلة بعد ذلك حتى دخل القذافي في مغامرات عسكرية خارج الحدود الليبية, سوى بإتجاه مصر الشقيقة, وتونس فيما بعد, وتدخل في نزاع الصحراء الغربية بين الجزائر والمغرب, وفي الحرب الأهلية في لبنان, وبعد ذلك بسنوات في تشاد.
 
فتح القذافي أبواب البلاد للكثير من القوى والجهات تحت اسم (قوى التحرر) وأستقطب أعداد كبيرة من الدول العربية والإفريقية, والأسيوية, ومن أمريكا الاتينية للتدريب والحصول على السلاح في ليبيا, وأصبحت العديد من الدول العربية والأجنبية, تنظر لهذا السلوك بأنه محاولة من قبل القذافي لإيجاد دور له في جميع هذه المناطق من خلال خلق حالة من عدم الإستقرار السياسي تحت اسم (التحرر) في بقاع مختلفة من العالم.
 
بالطبع لم يغب عن ذهن القذافي منذ قيامه بالإنقلاب العسكري امكانية ان تقوم عناصر من الجيش الليبي بمحاولات إنقلابية عليه, وهذا ما حصل بالفعل, حيث جرت عدة محاولات ولكنها لم تكلل بالنجاح بسبب تغلغل الكثير من الأجهزة الأمنية والإستخباراتية في الجيش الليبي والتي تدين بالولاء المطلق للقذافي, وقد أدرك القذافي خطورة الجيش كمؤسسة متماسكة تملك القوة للتغيير, فصمم على خلخلة وتفتيت الجيش الليبي فأنشأ ما يسمى بالقوى الثورية العسكرية داخل الجيش بحيث تكون لها اليد العليا, وتتمكن من السيطرة على كافة المرافق العسكرية, بغض النظر عن مسألة الرتب العسكرية أو القوانين التي تحكمها, أو مسألة الضبط والربط والإنضباط.
 
وهكذا فقد الجيش الليبي قوته كوحدة متماسكة, وتخلل, واستمر على ما عليه بهذه الوضعية المهللة, الى هذه المرحلة التي نعيشها, ولعلنا نورد بعض الملاحظات على حالة الجيش في عهد القذافي:

1- عدم استقرار المؤسسة العسكرية للجيش والإستغناء عن القيادات العسكرية الكفؤة وتصفية القيادات التي يخشى خطرها بإستمرا.
 
2- الزج بالجيش الليبي في مغامرات عسكرية فاشلة خارج الحدود الليبية كان لها الأثر الكبير في خلخلة مؤسسة الجيش الليبي الى حد كبير.
 
3- انخفاض مستوى التأهيل والتدريب العسكري بسبب غلبة الطابع الأيدولوجي وتولي قيادات عسكرية تدين بالولاء للقذافي ولا يعتد بمسألة الأداء والقدرة والكفاءة.
 
4- إن أخطر ما شهده الجيش الليبي منذ البداية, هو غلبة الطابع القبلي والمحسوبية, فقد دعى القذافي وعبد السلام جلود أفراد قبيلتيهما وبعض القبائل الأخرى الموالية لهم للإنخراط في صفوف الجيش الليبي, وتم إعطائهم مراكز وامتيازات خاصة وأولوية في البعثات الخارجية.
 
5- وجهت معظم البعثات العسكرية الليبية الى دول أوروبا الشرقية, الأمر الذي حرم الجيش الليبي لأكثر من عقدين من الخبرات والإمكانيات العسكرية في الدول الغربية.
 
الجيش الليبي الآن يعيش مرحلة يغلب عليها سيطرة الولاء القبلي, والولاء للقذافي مما يجعله في حالة من التخلل والتهلل.
 
نظرة مستقبلية:
 
لاشك ان ليبيا تحتاج بعد إنتهاء وزوال حكم القذافي, الى إعادة النظر في اهمية ودور الجيش الليبي, والذي نرى من وجهة نظرنا, أن هذه المهمة يجب أن تنحصر وبالدرجة الأولى في الدفاع عن الوطن ضد أى عدوان خارجي, وأن يتم إعداد وتدريب وتأهيل هذا الجيش بما يتناسب مع التطور العسكري, والتقني, والعلمي الذي وصلت اليه الكثير من الدول, وأن يتم تطوير المعاهد والكليات العسكرية سواء بالإستعانة بالخبرات الوطنية أولا, ثم بالخبرات العربية والأجنية, وإدخال الكثير من المناهج لتدرس في هذه الكليات سواء تلك المتعلقة بالعلوم القانونية والدستورية, والسياسية, والإقتصادية, والنفسية, كما ينبغي فتح مراكز للبحوث العسكرية في مختلف المجالات من أجل إعداد جيل من العسكريين القادرين على تحسين وتطوير المعدات العسكرية والأسلحة بما يناسب البيئة الليبية, وأيضا بما يضيف الى هذه المعدات والأسلحة الكثير من الفعالية.
 
وبما أن ليبيا دولة صغيرة محدودة السكان, فإنه قد يتوجب وضع استراتيجية عسكرية تناسب أوضاع ليبيا الجغرافية الشاسعة تعتمد على سرعة الحركة والمرونة, وذات مهام متعددة, وقد يتطلب ذلك ان تكون القوة العسكرية الليبية في أغلبها محمولة.
 
من المهم جدا أن يكون الجيش الليبي بعيدا عن المعترك السياسي الداخلي, ولا يسمح لقياداته أو عناصره بالإنتماء الى التيارات السياسية الليبية المختلفة, محافظا في ذلك على حياده, وإبعادا له من أن يكون طرفا الى جانب أيا من الأطراف السياسية.
 
كما نأمل أن يشارك الجيش كمؤسسة في العديد من المشاريع التنموية والإقتصادية وأن يسهم في تطور وتقدم البلاد.
 

أرشيف الكــاتب


 

 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com