11/08/2006


     


أزمة الجامعة الليبية

 

بقلم: ســـــدرة المنتهـــــــى/ بنغازي


 
عندمت صدر المرسوم الملكي بإنشاء اول جامعة في ليبيا، نص في مادته الثانية على أن الجامعة تختص بكل ما يتعلق بالتعليم العالي الذي تقوم به الكليات والمعاهد التابعة لها، كما تختص بتشجيع البحوث العلمية، والعمل على رقي الآداب والعلوم والفنون في البلاد. ومن المهام الملقاة أيضا على عاتق الجامعة تزويد البلاد بالكفاءات العلمية المتخصصة والرقي بالآداب والأخلاق وتطوير العلوم والفنون التي تسهم في رقي المجتمع وتقدمه.
 
ولقد شكـّلت الجامعة الليبية في العقدين التاليين لإنشائها منارة علمية بحق، وكانت الرائدة للمجتمع نحو الإرتقاء والتحضـّر. وخلال تلك الفترة، تمتـّعت الجامعة بالإستقلالية العلمية و الفكرية وحرية البحث، مدعومة بطاقم اداري واكاديمي على درجة عالية من الكفاءة والنزاهة.
 
ولكن، كما تعرضت كل مؤسسات المجتمع المستقلة للمصادرة والإحتواء من قبل النظام الثوري في ليبيا، تعرضت الجامعة أيضا للمصادرة، ووضعت تحت وصاية تنظيم اللجان الثورية بقيادة مكتب الإتصال باللجان الثورية. فقدت الجامعة بذلك استقلاليتها العلمية والفكرية، بل والأدهي من ذلك أصبح الولاء للنظام الثوري هو المعيار الذي يتم به تعيين الطاقم الإداري وقبول أعضاء هيئة التدريس بل وحتى قبول طلاب في برنامج الدراسات العليا ( كما حدث في قبول الدفعة الأولى والثانية من المتقدمين لبرنامج الماجستير في قسم العلوم السياسية في جامعة قاريونس). في هذا الخضم، صار مكتب الإتصال يشرف مباشرة على تعيين عميد الجامعة وعمداء الكليات من أعضاء هيئة التدريس الذين أظهروا الولاء للنظام، بل حدث ذات عام أن ثوريو جامعة قاريونس إقترحوا وضع العقداء في مكاتب العمداء بأن رشحوا العقيد سليمان محمود لعمادة جامعة قاريونس، ولكن الفكرة لم تجد تشجيعا ودعما من العقيد الأكبر. فوق ذلك أجبرت الجامعة على قبول أفراد ليعملوا في التدريس رغم أنهم لا يتمتعون بالامكانات الأساسية للعمل العلمي الأكاديمي وكان ذلك أول اسفين يدق في نعش الجامعة. لقد توصل النظام الثوري إلى الطريقة المثلى لإخضاع الفكر وحرية البحث فى الجامعة وذلك بإنهاءالحرية الأكاديمية، وارهاب أعضاء هيئة التدريس غير المتعاطفين مع الثورة، وإدارة الجامعة بواسطة اعضاء اللجان الثورية غير المؤهلين لإدارة حتى بيوتهم.
 
المصيبة اللاحقة كانت الفكرة الشاذة التي تفتق بابتداعها ذهن العقيد وهي ما أُطلق عليه الجامعة الطلابية، حيث اصبح منصب عميد الجامعة وعمداء الكليـّات يـُشغل من قـِبل أعضاء اللجان الثورية من الطلاب، بمعنى آخر، أن المعني بالتوقيع والتصديق على إفادات التخرج قد يكون طالب في السنة الأولى أو الثانية ولكنه يشغل منصب عميد كلية. في تلك الفترة خسرت الجامعة عدد من خيرة أعضاء هيئة التدريس الذين أبوا أن يعملوا تحت أدارة فوضوية. وقد تم خلال هذه الفترة تزييف عدد لايستهان به من شهادات الليسانس والبكالريوس منحت لطلاب فاشلين أو لأفراد لم يدخلوا الجامعة ولم يتحصلوا على الثانوية العامة. وتعرضت المكاتب الخاصة لإعضاء هيئة التدريس للإعتداء ليلا من خلال استعمال( الماستر كي) المفتاح الرئيسي الذي تم تسليمه لمن يديرون الكليات من الطلاب، وتم سرقة العديد من الإمتحانات النهائية ولم ينتبه الأساتذة إلا في السنة التالية عندما تكررت العملية.
 
ولقد أظهر الطلاب الثوريون واصدقاؤهم ممن ليسوا أعضاء في التنظيم، مظاهر متفردة في سؤ الخلق والعنصرية مع أعضاء هيئة التدريس غير الليبيين، وأعني العرب. لقد عانى الأساتذة العرب الأمرّين على أيدي تلك الشرذمة ولكنهم ما كانوا ليجرأوا على الرد من أجل لقمة العيش التي رمتهم على ليبيا الثورة، أرض كل العرب. لقد تسببت هذه المعاملة في موت الدكتور العراقي عبد الأمير العكيلي من كلية الإقتصاد والتجارة. كما تعرض دكتور سوداني في كلية العلوم للإهانة عندما شهر أحدهم مسدسه في وجهه قائلا له: كيف تجرؤ على ترسيبي يا عبد العبيد، ألا تعرف من أنا؟
 
أما الطالبات فقد عانين المساومة على أعراضهن مقابل تسجيلهن أو نجاحهن، ليس على يد الأساتذة فاسدي الذمم فحسب، بل من قبل مسجلي الكليـّات الذين حرص مكتب الإتصال أن يكونوا ثوريون حتى النخاع، بعد أن تم الإستغناء عن العناصر الجيدة النظيفة التي ساهمت في وضع البنية الأساسية للجامعة وأخلاقياتها.
 
كان الشغل الشاغل للذين توالوا على منصب عمادة الجامعة وعمادة الكليات هو تولي مناصب أعلى في جهاز الدولة، ولذلك اجتهدوا في إرضاء أعضاء اللجان الثورية من الطلاب (يوم أن كان الطلاب من أعضاء اللجان الثورية هم الطفل المدلل للعقيد. حيث كان يلتقي بهم بشكل مستمر ويستمع الى ما يقولون بخصوص الوضع في الجامعة والمجتمع). بذا أصبح عميد الجامعة مارد فص الخاتم في اصابع بعض من أعضاء اللجان الثورية النشطين والذين لهم اتصال مباشر مع العقيد من خلال كونهم أعضاء في حرسه الثوري، يفعل ما يأمرون لإعتقاده أن هذه تعليمات المكتب أو لربما أوحى اليه هؤلاء أن القائد يريد ذلك.[1]
 
المصيبة الأخرى جاءت مع تولـّي أحمد إبراهيم لإدارة التعليم، وليست نتائج القرارات الكارثية التي اتخذها هذا الشاب بخافية على أي مراقب. ففي حقبة إدارة أحمد ابراهيم للتعليم تم إلغاء تدريس اللغتين الإنجليزية والفرنسية، لغتا العلم والعصر. بالإضافة الى ذلك شهدت تلك الفترة ظاهرة ملفتة للنظر، دالـّة دلالة واضحة على العقلية القبلية السلطوية ليس لهذا الشخص فحسب بل للنظام ككل. هذه الظاهرة كانت إيفاد أفراد من قبيلتي القذاذفة وورفلة بشكل رئيسي وابناء بعض فبائل الوسط الأخرى للدراسة بالخارج،وعدد آخر من أعضاء اللجان الثورية من القبائل الأخرى، واقتصر الإيفاد على الذكور فقط. ولكن للأسف كان أغلب هؤلاء الموفدين إما غير مؤهلين للدراسات العليا وبالكاد تخرجوا من جامعاتهم أو من الطلاب الفاشلين الذين لم يستطيعوا الحصول على الدرجة الجامعية، وهم الآن من يديرون أهم الأجهزة في الدولة. وصدقوا أو لا تصدقوا، في ظل إدارة أحمد إبراهيم أجبرت كلية الطب على قبول طالبة متحصلة على الثانوية العامة من القسم الأدبي. فأي كارثة يمكن أن تؤدي إلى خراب ليبيا كهذه الكارثة؟
 
أمّا الكارثة الأخري فنتائجها لن تقتصر على الجامعة والتعليم فحسب، بل ستنتشر كالنار في الهشيم في المجتمع. إنها في تدخـّل مكتب الإتصال باللجان الثورية في عملية الإيفاد للدراسات العليا بالخارج. يبدو أنه في إطار الصراع الدائر بين تنظيم اللجان الثورية والقبيلة الوارثة للحكم رأى هذا التنظيم ضرورة تأهيل أعضاءه من خلال إيفادهم للدراسة بالخارج (ما نافع في البايد ترقيع). أو ربما كمكافأة نهاية خدمة بعد أن تم سحب البساط من تحت أقدام هذا التنظيم.
 
ولم يقصر أعضاء هذا التنظيم، فصاروا يتوافدون وحدانا وزرافات على المكتب لتسول البعثة. حتى أولئك الذين تخرجوا منذ عهد بعيد ولم يخطر ببالهم قط الإستمرار في الدراسة ما بعد الجامعية، جاؤا المكتب يطلبون مكافأة نهاية خدمتهم، وكما يقول المثل الليبي (منها عيد ومنها قديد)، منها شهادة بدون تعب ومنها متاجرة في العملة الصعبة. ويكاد يكون كل من تم إيفادهم من قـِبل المكتب غير مؤهلين حتى للدراسة في المرحلة الجامعية الأولى وقد اختاروا أن يدرسوا في بريطانيا وفرنسا بل وحتى الولايات المتحدة وهم يفتقدون للغة البلد الموفدين إليها. هذا دفعهم للإستعانة بتجـّار الرسائل، ممن يقومون بكتابة رسائل الماجستير والدكتوراه لطلبة السعودية والخليج وليبيا مقابل مبلغ من المال. وما يقوم به هؤلاء التجار في الحقيقة هو سرقة رسائل مجازة ونسخها ودفعها لهؤلاء السذج ليقدموها لجامعاتهم ويتحصلوا على الدرجة ويعودون إلى ليبيا جهلاء كما جاؤا ولكن أكثر غرورا واكبر جيوبا.
 
وهكذا، تعمل الجامعة كمصدرلإعادة إنتاج التخلف والإنحطاط بعد أن كانت منارة المجتمع نحو النور والإبداع والرقي. وللأسف الشديد فإن فساد وخراب الجامعة أدى إلى انهيار المجتمع وضياع مستقبل أجيال من الشباب. لا نتوقع من الجامعة، والتي يشكـّل الثوريون الجهلاء، الذين دفعوا لمن يكتب لهم اطروحاتهم نسبة تفوق النصف، أن تنتج عقولا متفتحة أو تقدم تعليما متميزا أو تقود المجتمع الى الإرتقاء والتحضـّر.
 
هــاك صبر داوي داك....احسـن عزاك في صاحب الغلاء
 
ســـــدرة المنتهـــــــى/ بنغازي
 

[1] نذكر على سبيل المثال لا الحصرتحويل ثلاثة من ابرز موظفات جامعة قاريونس القديمات المجدّات إلى الخدمة العامة لا لشي إلا لإن صديقة أحد أعضاء اللجان الثورية وهي موظفة بنفس الجامعة تغار من الموظفات المعنيات. كان عميد الجامعة آنذاك د. صبحي قنـّوص الذي يدرك أعضاء اللجان الثورية القدماء في الجامعة أنه طامع في منصب أكبر او على الأقل البقاء في منصب عميد جامعة قاريونس مدي حياته ولذا كان فعلا خاتم في اصبع من يحركه. حين سألته واحدة من الموظفات المحالات على الخدمة العامة عن السبب وأي منزلق قد يكن انزلقن فيه قال لها حرفيا (والله العيال يبـّوا هكـّي) يقصد بالطبع عيال اللجان الثورية. وبعد سنوات، تولى صبحي قنوص عمادة الجامعة مرة أخرى واستغلت موظفتان من الموظفات الثوريات ذلك وقامتا بحبك مؤامرة ضد صديقتهن الثورية التي كانت ترأس قسم شؤون الطلبة الوافدين وأمرتا صبحي قنوص بتجريدها من هذا المنصب، وحجتهما التي أقنعا بها قنـّوص كانت أن هذه الموظفة على علاقة طيبة مع الأسر الرجعية وأن كل صديقاتها من العائلات البرجوازية الرجعية المعرقلة للتحول الثوري، الأغرب من هذه الحجـّة هو اقتناع الدكتور بها وتنفيذها على الفور. إذا كنا قد نغفر للدكتور قنـّوص تبعيته المطلقة لإي صعلوك من الثوريين وخوفه منهم لإنه بدونهم غير معروف لدي المكتب او القائد، وبدون توصياتهم لا يمكنه الأستمرار في المنصب أو تولي منصب أكبر، فما حجـّة الدكتور محمـد سعد امبارك في تبعيته لنفس الموظفتين. محمد سعد معروف لدي المكتب ولدي القائد لإنه عضو قديم في الحرس الثوري، فلماذا يسمح أن تطويه تحت إبطها موظفة فشلت في اتمام دراستها في كلية القانون وتضحك على الجميع بإدعائها بأنها خريجة،  اللهم إلا أن تكون قد أشركته في الفساد المالي والإداري، الذي يجلـّلها من راسها إلى أساسها؟ و بذلك أخرسته...أنتظر منك دفاعا يادكتور،  أو دع أحد البراعصة (أنسابتك)  يدافع عنك بأعتبارهم أكثر المستفيدين من منصبك. لو دامت لغيرك... ما وصلتكش... وحياة خيـّتك.
 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com