20/08/2006


      


 
 
لا أحد يستطيع الجزم يقينا بمعالم ماسيحصل للمنطقة العربية والاسلامية وللعالم بعد ماأطلق عليه بالحرب السادسة بين العرب واسرائيل,ولكن بالتأكيد أن صمود المقاومة في جنوب لبنان وماأبداه المقاومون من مفاجات عسكرية أربكت البيت الاسرائيلي الداخلي وفاجأت حسابات الادارة الأمريكية المحافظة ,كل ذلك من شأنه أن يدفع صانعي القرار في تل أبيب وواشنطن وبعض العواصم الغربية الحليفة الى اعادة درس المعركة عسكريا واستخلاص بعض الدروس الميدانية من أجل استكمال ماعجزت الالة العسكرية عن تحقيقه.
 
الواضح في المرحلة الحالية أن بعض الخسائر العسكرية الاسرائيلية المؤلمة لبلد قوام سكانه أربعة ملايين يعيشون فوق مساحة جغرافية ضيقة واستراتيجية تشكل مركز العالم,الواضح أن حروبا قصيرة المدى تزيد عن شهر واحد من شأنها أن تقوض ماروجت له الدولة العبرية من مقولات عن الجيش الذي لايقهر والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط الكبير والبلد الامن الذي يتدفق اليه المهاجرون اليهود من كل أصقاع العالم.
 
غير أن كل ذلك لايمكن أن يشغلنا عن حقيقة العقل الاسرائيلي الذكي في ادارة اللعبة الديبلوماسية والدولية بتوظيف نفوذه في أكثر من عاصمة عالمية مؤثرة,ولعل ماحصل من تدخل عاجل لمجلس الأمن الدولي وبضغط أمريكي مباشر على مؤسسات الأمم المتحدة من أجل استصدار القرار 1701 كان بلاشك شاهدا اخر على قدرة العقل الاسرائيلي على استكمال ماعجزت عنه الالة الحربية في الدولة العبرية.
 
وحينئذ أمكن القول بأن حزب الله مدعوما من ايران وسوريا استطاع فعليا تحقيق انتصارات عسكرية جزئية في مقابل ماحققته اسرائيل من خراب ودمار غير مسبوق على أرض الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت ,وحين أدركت القيادة الاسرائيلية أن طول مدى الحرب لن يحقق لها أغراضها العسكرية بل من شأنه أن يقوض ماأسست له الحقبة الشارونية من هجرة يهودية متدفقة على الدولة العبرية وصورة دولة اقليمية كبرى تخضع لها كل منطقة الشرق الأوسط الصغير والكبير,حينها تحرك الدهاء السياسي ليقلب الطاولة على اللبنانيين عبر تحريك الألغام السياسية لما بعد الحرب وهي ألغام سياسية مدفونة وسط الاختلاف الطائفي والسياسي اللبناني.
 
لقد برزت تصريحات وليد جنبلاط وسعد الحريري كمؤشرات أولى على أهمية ادارة الصراع الاسرائيلي مع الدولة اللبنانية في شكل تحريك الانقسامات الداخلية بدل مواصلة حرب قد بان بالكاشف أنها يمكن ان تكون تكرارا لتجربة حرب الاستنزاف المصرية الاسرائيلية على أواخر الستينات وقبيل انطلاق معركة العبور الكبرى.
 
تركت الحرب الأخيرة بلا شك بصماتها المدمرة على لبنان وجنوبه وكثير من مدنه الكبرى,كما أنها صدمت عقل التفوق الاسرائيلي البري والبحري والجوي,ليتبقى من هذا التفوق عنصر التفوق الجوي فقط بعد أن تحطمت أسطوة الميركافا وفوجئت البوارج والزوارق الحربية بقدرات نارية لم تعرفها الالة العسكرية البحرية من قبل الا في استثناءات قليلة ايام حربها مع مصر.
 
الشرق الأوسط بات اليوم أمام معركة هوية جديدة,من الصعب التكهن حاليا بمعالمها التفصيلية المستقبلية,غير أنه من الثابت أن مشروع الشرق الأوسط الجديد كما أراده الرئيس بوش والوزيرة كوندوليزا وادارة المحافظين الجدد اصطدم برغبة لبنانية فلسطينية مدعومة سوريا ولبنانيا وشعبيا ومدنيا على نطاق عربي واسلامي واسع كما نطاق أمريكي لاتيني قادته فينيزولا ,اصطدم برغبة جامحة في ارادة الحياة وفق هويات متعددة تناهض سياسات العولمة العسكرية وفرض تقسيمات جديدة لخارطة العالم على أساس من التفوق العسكري ونظرة احتقارية لشعوب العالم الثالث ولاسيما العربي والمسلم منها.
 
هوية الشرق الأوسط الجديد ستكون بلا شك للأقوى ارادة والأعدل في طرح قضايا الشعوب وحقها في تقرير المصير والعيش الكريم بعيدا عن طموحات الهيمنة والنسف من الوجود,غير أن المسافة عن تحقيق ذلك مازالت محفوفة باكراهات وحروب جديدة قد تكون محاورها المقبلة ليس فقط الساحة اللبنانية والفلسطينية ,وانما الساحة السورية والايرانية بحكم أنهما طرفان جددا-بتشديد الدال الأولى- لمشروعية نظاميهما من خلال خوض حرب المقاومة عن طريق دعم حزب الله والقوى الفلسطينية المناهضة للمشاريع التوسعية وهو مادعم من نفوذهما الداخلي بعد أن بدأت المعارضة السورية في اكتساح مساحات لم تصل اليها من ذي قبل وبعدما كانت الادارة الأمريكية تفكر فعليا في خوض مواجهة عسكرية ضد الطرف الايراني تحت غطاء خرق الاتفاقيات الدولية في مجال حظر انتشار التسلح النووي...
 
هوية هذا الشرق الجديد ستأخذ يقينا لونا من ألوان ماتركته هذه الحرب السادسة من انعكاسات نفسية وفكرية وسياسية في الساحة النخبوية العربية الاسلامية وفي احضان الجماهير,حيث ان اعادة التشكل ستكون مرسومة بحسابات الارادة والايمان في مواجهة الجبروت والعسكريتاريا,ولعل أبرز معالم هذا التشكل هو عودة الروح السياسية الى أكثر من عاصمة عربية على مستوى المعارضات والمجتمعات المدنية وهو ماينبئ بأن طورا نضاليا جديدا ستأخذه الحركات الوطنية العربية وذلك على خلفية فشل الأنظمة في مواجهة تحديات العدوان على أرض فلسطين ولبنان...
 
ستشهد المنطقة بداية انقسام حاد في المعسكر العلماني بما يعزز نسف مواقفه الراديكالية السابقة من التيار الاسلامي الوسطي,وربما يكون الشعور بوحدة التحدي والمصير مقدمة فعلية لتجسير الهوة بين العلمانيين والليبيراليين والاسلاميين من أجل مواجهة التحديات الخارجية الحقيقية بمزيد من اللحمة والمصالحات الداخلية بين الصف المعارض.
 
ستعرف المنطقة تغيرات سياسية استراتيجية تعزز من التفاف الشعوب حول القوى الوطنية الحقيقية وربما نفاجأ بسقوط انظمة وحلول أخرى من أجل احتواء هذه التداعيات على المنطقة ومصيرها...
 
ومحصلة القول أن من خطط لفكرة الشرق الأوسط الجديد سيفاجأ قطعا بشرق أوسط جديد وكبير ولكن ليس على الطريقة التي رسمها.
 

أرشيف الكاتب


إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com