15/08/2006


      


 
 
بعد أن وضعت معركة لبنان أوزارها بفشل اسرائيلي ذريع في استئصال حزب الله اللبناني والقضاء على قوته العسكرية الضاربة في العمق الاسرائيلي,بدى المشهد السياسي العربي والاسلامي أمام حالة فشل رسمي ذريع في مواجهة متطلبات العدوان الخارجي وتحديات استحقاق الاصلاح الداخلي,فلا الأنظمة العربية جيشت الجيوش للتصدي للعدوان على لبنان ولا هي بادرت الى توفير امكانيات الدعم المباشر للمتصدين لبطش الجبروت العسكري ولا هي استطاعت الحفاظ على بقايا ماء الوجه بعقد القمة العربية ولو من باب ذر الرماد في عيون الشعوب المحتقنة أمام مشاهد الموت والدمار والعبث بالعمران وعموم الكائنات الحية.
 
لقد كانت الحرب السادسة والتي أفضل تسميتها بالمعركة السادسة دلالة على يقين بمعاودة اسرائيل الكرة مستقبلا في حق دول الجوار وعلى رأسها سوريا ومصر ولبنان و...,كانت هذه المعركة رافعة أسقطت اخر ورقات التوت التي تغطت بها عورة الأنظمة في مواجهة حر وقر غضبة الجماهير التي كثيرا مامنت نفسها برؤية فلسطين محررة وسائر مناطق الاحتلال.
 
لقد كانت أنظمة الكرباج العربي تشنف أسماع شعوبها على مدار عقود سابقة بضرورات الوحدة الوطنية وماتتطلبه من صرامة وحزم سياسيين تجاه المعارضين من أجل التصدي للعدوان الخارجي وتحرير فلسطين ,أما اليوم فقد دخلت هذه الأنظمة اسطبل الطاعة والخنوع في مواجهة العدو الخارجي متجردة من شرعية تحرير فلسطين وعارية من مقولات الاصلاح الداخلي بعد أن تنادت كلها أو جلها الى تزييف الانتخابات والانقلاب على صناديقها والزج بالمعارضين في السجون والمعتقلات وتشريد أبناء الوطن الواحد في المنافي وأقاصي القارات.
 
لقد خسرت الأنظمة العربية بعد معركة لبنان شرعية القضايا القومية والدينية على اعتبار ماتمثله فلسطين والقدس من ابعاد روحية ودينية في ضمير العرب والمسلمين وأضافت لمصيبتها هاته مصيبة فقدان التمثيل السياسي الحقيقي منذ أن أجهضت هذه الأنظمة أول تجربة ديمقراطية حقيقية في أكبر بلدان شمال افريقيا.
 
ان الواقع العربي والاسلامي اليوم سينقل الشرعية في التمثيل كما نقلها بعد نكبة سنة 1967 من الطروحات اليسارية والقومية الى الطروحات المنبثقة من أرضية الهوية مع فارق مميز اليوم وهو اضافة البعد الحزبي والحركي والتنظيمي في مواجهة تحديات الداخل والخارج.
 
واذا لم تواجه الأنظمة الرسمية تحدي الشرعيات السياسية الخارجية والداخلية بمصالحات وطنية حقيقية واصلاحات سياسية جادة تستوعب هذه القوى الطامحة للتغيير على أرضية الشراكة لا المغالبة فانها ستجد نفسها اجلا أوعاجلا أمام حالة اللاستقرار السياسي العام ,وذلك على خلفية ماحققه حزب الله اللبناني من نجاحات ميدانية في مواجهة واحد من أقوى خمسة جيوش في العالم وفشل أنظمة مزودة ببعض من أكبر جيوش العالم تعدادا كما هو حال الجيش المصري في الحد من مجازر يومية يتعرض لها شعبي لبنان وفلسطين..
 
ان معركة لبنان الأخيرة أعطت شرعية جديدة لنظامي دمشق وطهران على اعتبار تغطيتهما على نقائص الدمقرطة والحريات بدعم علني وواضح لقدرات حزب الله والشعب اللبناني في مواجهة الاعتداء الدموي غير المسبوق ,مما جدد لهما في مشروعية الحكم لفترة لاتقل عن عقد أو عقدين ,في حين أن أنظمة مصر والأردن ستجد نفسها لاحقا أمام أكبر تحدي جماهيري ومدني وذلك نظرا لما خلفته هذه المعركة من احراجات سياسية ومعنوية لانظمتها وجيوشها وخاصة أمام بعض المواقف المعلنة التي أدلى بها مبارك لوسائل الاعلام.
 
ولعل تحديا اخر سيواجه قريبا النظام السعودي وسيكون موجها الى مذهبية الدولة وتسننها كما شرعية الحكم وأدوات استمداده وذلك على خلفية مواقف هذا النظام وبعض علمائه الرسميين من طبيعة المواجهة على أرض لبنان.
 
أما أنظمة ليبيا وتونس والمغرب وموريتانيا فستشهد هي الأخرى احراجات سياسية على خلفية تبني بعضها لأطروحات التطبيع مع الدولة العبرية ولو أن بعضها بات يناور عبر اخفائه لعمق هذه العلاقات ومدى تطورها ,غير أنه ليس بالخافي على شعوب المنطقة مانسجه بعضها من أواصر القربى والمودة على حساب قمع وهرسلة القوى السياسية الممثلة لشرائح واسعة من الرأي العام.
 
أما عن أنظمة الخليج الأصغر حجما من السعودية فانها ستحاول بلا شك المساهمة في اعادة اعمار لبنان من باب الرغبة الشديدة في احتواء بعض الشكوك المراودة لشعوبها فيما يخص التواجد العسكري المباشر لقوى وصفت بالحليفة فوق أرضها وسمائها وربما أيضا للالتفاف على شبهات تحوم حول مدى تقدم بعضها في ملف التطبيع.
 
وخلاصة القول ان معركة لبنان الكبرى ستضع المنطقة أمام حراك سياسي جديد قد تكون فيه ايران وسوريا الرابح الأكبر ,كما ستكون فيه أنظمة مصر والسعودية والأردن الخاسر الأوفر حظا في مواجهة معارك الاحتجاج السياسي الداخلي ,غير أن المجتمعات المدنية العربية وقواها المستندة لشرعية الأخلاق والضمير الانساني العالمي ستكون الرابح الأوفر في تجاذبات الاصلاح السياسي الداخلي على أن هذا سيضاعف من حجم مسؤوليتها الداخلية والخارجية في مواجهة امال متعاظمة من الشعوب وضغوطات واكراهات ستكون أكبر من القوى النافذة في السياسة العالمية.
 

أرشيف الكاتب


إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com