في ليبيا هل يكون
السجن للفقراء فقط؟!
بقلم: محمد المزوغي
تابعت تصريحات المستشار على عمر
الحسناوى أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل بليبيا حول تعديل قانون العقوبات
الليبي ولفت نظري احتفاؤه بهذا التعديل ومطالبته لوسائل الإعلام بالعمل على تمكين
المواطن الليبي من فهم هذا القانون الذي يعد بنظر المستشار ثورة كبيرة في علم
العقاب والتشريع؛ كونه يعادل أعظم الإنجازات التي تحققت، كسلطة الشعب، والنهر
الصناعي وكونه أيضا يماثل نظرية المخلص المنتظر فهذا التعديل كما يقول المستشار
يخلص حياة الليبيين لخمسين سنة قادمة (لا نعلم ماذا يحدث في السنة الواحدة
والخمسين) ولا نعلم أيضا لماذا هذا الرقم تحديدا هل لأن المخلص المنتظر حسب
المقولات المثبتة لمجيئه يمكث أربعين عاما يملؤها ( الأرض) عدلا بعدما ملئت جورا
فكان لابد من إضافة عشر سنوات للتدليل على أن هذا التعديل أعظم وأكمل وأتم، الحق
أنني لا أجد تفسيرا آخرا لورود هذا الرقم تحديدا فهو لا يمثل صيغة من صيغ منتهى
الجموع حتى يقال أنه ورد للتدليل على فعاليته في خلاص الليبيين .
إذن المعطيات كلها تؤكد (بحسب تصريح
المستشار) أن هذا التعديل مهم جدا إلى درجة أن العالم الآخر متلهف إليه كما يقول،
ولا ندري هل اطلع العالم الآخر على هذا القانون أم لم يطلع ؟ فإن كان قد
اطلع عليه فلماذا التلهف ؟ إذ بإمكانه أن يشرع فورا في تطبيقه وينعم بتخليص شعوبه
لمدة نصف قرن. وإن كان لم يطلع عليه فكيف له أن يتلهف على ما لم يُحطْ به خُبرا؟
القانون الجديد أو التعديل المعجزة
يركز على التقليل من عقوبة الحبس والسجن واستبدالها بعقوبات مادية ومعنوية ولا
أدري هل كلمة معنوية مقصودة بذاتها أم أنها وردت للتدليل على الجانب الحضاري
للتعديل.
فماهي العقوبات المعنوية التي يمكن أن
تطال المنحرفين وتحد من جرائمهم وبالتالي ينعم الليبيون بحياة هانئة تستمر لنصف
قرن؟ هل هي الإيعاز لأفراد الشعب بعدم التحدث معهم ومجالستهم ومواكلتهم ؟ أم
إرغامهم على وضع شعار أو ارتداء لباس معين يعرف الشعب أنه خاص بمن ارتكب جرما ما؟
أو جرح شعورهم بكلمات قاسية من قبيل: من يفعل هذا الفعل فهو غير سوي أو لايستحق
التقدير، أو غير جدير بأن ينتمي إلى الإنسانية .. إلخ
ترى هل يأبه المنحرفون في بلادنا او في
كل بلاد العالم بهذا العقاب ؟
إن العقوبات المعنوية لا يمكن أن تطبق
إلا في بيئة تشبه إلى حد ما بيئة المدينة الفاضلة التي نظر لها السيد إفلاطون، أو
بيئة تشبه بيئة المجتمع الإسلامي في مراحله الأولى؛ كالعقاب الذي تلقاه الثلاثة
الإجلاء وقد نص على عدم السماح لأحد بالتحدث معهم، وعدم السماح لنسائهم بالنوم
إلى جوارهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت نتيجة لهذه المقاطعة الاجتماعية.
وربما نجد استثناءات في العصور الحديثة
بسبب غلبة العامل الديني والحضور المكثف للأخلاق في مدينة أو قرية معزولة لم
تتلوث بمظاهر الحضارة الزائفة غير أن الذي يضمن تطبيق هذه العقوبة في كل هذه
الحالات وفاعليتها هم المتهمون أنفسهم والآخرون إذ أن الجميع تواضع على تطبيق
منظومة من الأخلاق المتعارف عليها لا يمكن لهم تجاوزها حتى ولو خلا أحدهم بنفسه
إذ أن الرقيب هو الضمير والإيمان بها ،لا عصا الشرطي ولا حكم القاضي.
ومن المكابرة الواضحة الادعاء إن مثل
هذه البيئة توجد الآن على أية بقعة من بقاع العالم تعاني من الحضور الطاغي للفساد
بشتى أنواعه ومظاهره.
فإذن العقوبة المعنوية لا يمكن تطبيقها
بحال إذ لاضمان لهذا التطبيق بأي شكل من الأشكال إلا داخل البيت حيث يمكن للوالد
أن يعاقب طفله بالبقاء في غرفته أو بحرمانه من اللعب وحتى في هذه الحالة فإن الذي
يضمن نجاح التطبيق هو صدق الطفل نفسه مع أبويه.
أما العقوبة المالية فهي بيت القصيد في
هذا التعديل ولا أظن أن هذه العقوبة تستحق إسباغ مظاهر الإعجاز على هذا القانون
ولا كل هذا التهويل .. خلاص الليبيين لمدة نصف قرن ... تلهف العالم الآخر...
إنجاز تاريخي .. الخ
بل بالعكس هذه العقوبة ترسخ للطبقية
البغيضة وتحدث شرخا في البنية الاجتماعية ،إذ أن المبالغ (الغرامة) كبيرة وليست
في مكنة أغلب أفراد المجتمع وقد سبق وأن قلت هذا الكلام لمسؤول كبير فقال إن
القبيلة هي التي ستتكفل بجمع المبلغ والحق أن القبيلة في ليبيا لديها أعراف تحدد
مواضع الدفع وليس منها دفع غرامات هذا القانون الجديد ولا يملك احد إرغامها على
الدفع كونها لا تخضع للقانون الإداري للدولة، وإذن بالمحصلة سيتمكن أبناء
الأغنياء وأبناء الأمناء السابقين والحاليين واللاحقين وأبناء المسؤولين المصعدين
وغير المصعدين وأبناء أقاربهم وأصهارهم من النفاذ من حكم السجن ليقع فيه الفقراء
والفقراء وحدهم الذين لن يتمكنوا بحال من دفع الغرامة إلا إذا تحصل هؤلاء على
نصيبهم من ثروة المجتمع بصفة دورية (وهم على كل حال يحملون إيصالاتها في جيوبهم)
أو افتتح بيت مال المسلمين أبوابه أمام الجمهور بعد مرور كل هذه القرون على
إغلاقه او طبقت مقولة: المجتمع ولي من لا ولي له.
فهل يتضمن تعديل قانون العقوبات الليبي
شيئا من هذا؟
النقطة الأخرى اللافتة في تصريح
المستشار هي قوله إن القانون الجديد نص على إسقاط عقوبة الإعدام واستبدالها
بالسجن في حال أسقط أولياء الدم حقهم في القصاص . ولا أدري ما الجديد في هذا، إذ
أنه معمول به سابقا ومتعارف عليه قديما، ويعلمه الصغير والكبير إلا المستشار فيما
يبدو.
فيا سيادة المستشار إن الذي يمكن أن
يبهر العالم ويعد إنجازا تاريخيا ليس هو فرض عقوبات مالية يسعد بها الأغنياء
ويشقى بها الفقراء وما أكثرهم في بلادنا بلاد النفط والغاز.
ليس هذا التنظير الذي لا يزيد الطين
إلا بلة والذي يشبه كثيرا التعاويذ السحرية في كتب البوني تقرأها فتبتهج فإذا
ذهبت إلى تطبيقها أصبت بخيبة كبيرة.
وإنما هو تتبع أسباب الجريمة والانحراف
والقضاء عليها ببرامج مكثفة يعدها متخصصون ولا تبخل عليها خزانة المجتمع، برامج
تحاول معرفة السبب وراء اختفاء وندرة هؤلاء:ـ
ـ نموذج الليبي الذي كان يمر أمام
متاجر الذهب وهي مغلقة ( بعصاة مكنسة أوكرسي مقلوب ) فيرجع على أعقابه لا يجول
بفكره أن يمد يده فيتناول ما يشاء.
ـ نموذج الليبي الذي تفكر ألف مرة قبل
أن تلوح له برشوة وإذا فعلت فتأكد أن لكمة قاسية سوف تهبط على أحد فكيك فحاذر.
ـ نموذج الليبي الذي لا يقبل الخلو.
ـ نموذج الليبي الذي حتى وإن كان ثملا
لا يعتدي على جاره.
ـ نموذج الليبي الذي يذوق جيرانه من
طعامه ربما قبل أن يأكله هو.
ـ نموذج الليبية التي نزعت حلق أذنيها
لتقدمه في حرب الجزائر.
ـ نموذج الليبية التي لا يمكن أن تفكر
في ما يجلب العار لأهلها.
لقد ذهب هؤلاء ياسيادة المستشار وحل
محلهم اللص الذي يحفر الأنفاق للوصول إلى المتاجر المحكمة التحصين، والقاضي الذي
يأخذ الرشوة ، ورجل الأمن الذي انخرط في سلك الأمن لأنه لايحمل أي مؤهل ، والفتاة
التي تتعاطي كل أصناف المخدرات و.. و..
إن الليبيين يا سيادة المستشار يبدو
أنهم تعرضوا لبرنامج يدعى تكييف السلوك وعليك أن تدرس هذا العلم أو تقرأ ملخصا
بشأنه ـ هو من أخطر علوم العصر على الإطلاق ـ لوضع برامج بالمقابل تعالج الأزمة.
وتأكد عندما تعمل مؤسسات الدولة
ومؤسسات المجتمع على:ـ
ـ تذليل العوائق أمام الشاب .
ـ إطلاق الحريات .
ـ منح الأخلاق فرصة أكبر للحضور .
ـ تنمية الشعور بحب الله والوطن
والانتماء لهما.
ـ تفعيل مبدأ المساواة الذي كرّسه حديث
المرأة المخزومية.
ـ تنمية الشعور بالكرامة والثقة في
النفس.
ـ ضمان حقوق الفرد واحترام ملكيته.
عندها تأكد يا سيادة المستشار أننا لن
نحتاج إلى تعديل جديد لقانون العقوبات وأن الليبيين سيجدون خلاصهم لخمسين قرنا
قادما.
|
libyaalmostakbal@yahoo.com