11/08/2006


      


صنع الاوهام البائسه
 
بقلم: عبد الله الجبالى

 
لقد كان على الدوام هوس اختلاق الوهم واختراع الاسطوره سمة تعكس عجز العقل البشرى على فهم الواقع وحقائق حركته ... وتدل على وعى زائف ومزور لن تكون نتيجته فى نهاية المطاف الا دورا تخريبيا ورجعيا معاد للتقدم ولروح التطور.
 
لا شك ان هناك الكثير من الاسباب السيكولوجية والسسيولوجيه التى تكمن وراء هكذا ظاهره وتفسرها فى نفس الوقت .. بيد ان المقام هنا لا يمنح المجال لتحليل ذلك وتفسيره ... ولذلك.. وبروح لا تنوى التهجم الشخصى على احد ولا تدعوا لمصادرة اى راى بقدر ما تحترم كل الاراء .. فاننا سنشير بعجالة الى ذلك الخطاب الذى يقدم لنا ما اصطلح عليه بالمسالة الامازيغيه فى ليبيا .. مع اعترافى بانى ومن خلال متابعتى للكثير مما يكتب فى هذا الشان لم اجد فيه الا جملا انشائية وعموميات والكثير من الصياغات الغامضه والمشوشه بحيث لم يعد بوسع المرء ان يفهم هل المقصود هو الحديث عن هوية شعب تمت مصادرتها من قبل قوى غزو خارجى اتت على الاخظر واليابس والغت ذاكرة وهوية منطقة باسرها ؟؟؟ ام هى عملية احتجاج على تهميش مكون من خصوصيات الشعب ليس متناقضا مع هويته العامه التى شكلتها قرون من التاريخ المفعم بالحركة والفاعليه ..؟؟
 
لقد تعالت اصوات الكثير من المنافحين على هذه الهوية المغدورة والمذبوحه .. وارتفعت راياتهم وهم يلفتون النظر لها كشان ليبى اصيل ...؟؟؟ وفى هذه العجالة لن نتطرق للاشتباك مع هذه الاطروحات .. ولن نناقش تاصيلاتها الفكرية والاجتماعيه .. ولن نضع امامها الاسئلة الكبرى والمركبة حول حقيقة ما يروج حول الاحواض الثقافيه التى تقسم هذه المنطقة من المحيط الى الخليج بحيث تصير الى حوض عربى محصور فى جزيرة العرب واخر فينيقى فى الشام وثالت فرعونى فى وادى النيل ورابع امازيغى فى شمال افريقيا مضافا اليه اقليم الصحراء الكبرى ..؟؟ لن نتساءل حول قرون من التاريخ المشترك لهذه المنطقه شكلته دعوة الاسلام التى بشر بها من امن بها من العرب ليتبناها ابناء كل هذه المنطقه ويساهموا فى بناء تاريخها فاعلين ومبدعين وما كانوا فى ذلك متخلين عن هويتهم ولا شخصيتهم بل كانوا يطورون هذه الهويه والشخصيه عبر قيم ومفاهيم هذه الرسالة التى وان كانت عربية اللغة واللسان فهى انسانية المحتوى والمضمون ؟؟؟...
 
كما اننا فى هذا المقام نؤكد اننا لسنا من هواة البحث فى اسفار مخطوطات التافيناغ لعلنا نجد فيها كتابا الهيا غفلت عنه البشريه ولا لتعاويذ اسلاف يوغرطه التى ربما يكون فيها ما يشفى من اورام التخلف والقهر التى تعانى منها مجتمعاتنا ولا الى وشم الكاهنه علنا نجد فيه ما يؤسس لفن لم يصله حس البشريه حتى الان ... لن نتحدث عن كسيله لنقدمه كبطل قومى تصدى لموجة غزو عربى متوحش او لنقدمه كنموذج للخيانة والغدراصطدم بتيار تغيير يقوده عرب دعاة ومعهم من اقتنع بالدعوه من اهله وابناء وطنه وقبيلته ... ولن نتحدث عن نفوسه كقبيلة تسعى بعض الأقلام لجعلها تختصر تاريخ منطقة باهلها وترابها ... وتنفى قبائل غيرها عربية وامازيغيه عاشت فى ذات المكان ... (وهى قبيلة يتسم تاريخها بقدر وافر من الانتهازية ولدينا الكثير من الادلة التاريخية على ذلك الا ان المجال ليس مجالها الان) ... ليس هذا مقصدنا الان .. فذلك كله متروك لوقته المناسب.
 
كل ما ساثيره هنا هو تلك الاساليب التى اشرت اليها فى بداية هذا المقال والتى تنهج نهجا يعتمد اسلوب استثمار التاريخ وقائع وشخصيات واعادة انتاجها ليتم توضيفها لخدمة فكرة او خطاب سياسى ... ان اسلوبا كهذا جدير بالتصدى له لانه يخون التاريخ والواقع معا يخون التاريخ لانه يوضفه فى غير سياقه لانه يريد ان بطوع الواقع لصالحه عبر هذا التزوير التاريخى ...
 
ولعل من امثلة هذا الاسلوب هذه الضجه التى تثار الان حول الكاتب الراحل سعيد السيفاو المحروق ... هذا الكاتب الذى يسوق لنا من خلال عملية انتاج الوهم واختراع الاسطوره كنبى الحركه الامازيغيه الحديثه فى بلادنا ... وحتى يكون رمزا مؤثرا فلابد ان تكتمل فيه عناصر ماساة البطل التراجيدى فهو فلتة عبقريه لم تنجب مثلها نساء وهو من نذر نفسه لهذه القضيه .. وكاى قديس .. فقد امتدت له يد الغدر لتغتاله غدرا وبطريقة تجعله يواجه عذابا يتحمله بصبر ايوب ليتحول بعده شهيدا ورمزا ... اية اوهام مضحكة هذه ؟؟؟... انا من الذين عرفوا سعيد المحروق وعاشروه ... ولا اجد فى حياة سعيد المحروق وتجربته ما يتفق وهذا التزييف .. لقد عاش سعيد المحروق كواحد من مثقفى هذا الوطن وقلم من اقلامه المهمة دون شك ... لكنه ليس عبقريا وتظل كل جهوده متواضعة امام جهود اعلام اخرين من رجالات ثقافتنا الوطنيه ...
 
فحتى على مستوى هم الكيان الوطنى لا مجال على الاطلاق للمقارنه بين مقاربة الكاتب (عبد الله القويرى) لهذه المساله وتعاطى سعيد المحروق او غيره معها ... اذا ان القويرى كان اكثر كتاب ليبيا حملا لمعنى الكيان وتاصيله بدون شك ... كما ان سعيد المحروق خاض فى غمار ثقافتنا الوطنيه وتعاطى مع همومها وتعامل معها كجزء من الثقافة العربيه وناقش هذه القضايا كابن لهذه الثقافه وليس مغايرا لها. راجع مقالته ( ثقافتنا العربيه الى اين) ولاحظ انه جعل عنوان المقاله (ثقافتناالعربيه الى اين) ولم يقل (ثقافتهم - او الثقافه العربيه الى اين) كما انه تعاطى مع التغيير الذي شهدته ليبيا فى اول سبتمبر كمؤيد له وقد نشر قصيدته (نشيج الميازيب العطشى) خلال عام 77 وقدمها بانها كتبت يوم اول سبتمبرعام69 ابتهاجا بالثوره .. كما كتب مقالته الشهيره (هل يصبح! العقيد مواطنا مضطهدا) عام 78 ... وقد نشرت فى جريدة الاسبوع السياسي وللمطلع ان يعود اليها ليفهم كيف راى سعيد الاخ العقيد وموقفه منه باعتباره مثقفا ثائرا ...
 
اما فى ما يخص الحادث الاليم الذى تعرض له فيمكن ان نحيل القارى لما كتبه الكاتب الليبى احمد ابراهيم الفقيه فى صحيفة الاسبوع الثقافى اثر الحادث حيث كان معه فى السياره حين اوقف سعيد السياره عند بداية طريق قرجى ونزل منها ليقطع الطريق المزدوجه الى الضفة الاخرى ليحظر بعض ما يحتاجه من صيدلية هناك ولسوء الحظ تعرض لان تصدمه سيارة اثناء عبوره الطريق ... ومن يعرفون طرابلس يعرفون خطورة المنطقة التى عبر منها سعيد الطريق فهى تاتى بعد منحدر الكوبرى الواقع قبالة سوق الثلاثاء ... ولازالت محلا للكثير من الحوادث المميتة حتى الان ... ولا مجال للحديث عن ان الحادث كان مدبرا ... واغتيالا كما يروج فرسان الايديولوجيا الزائفه ... وقد تم نقل سعيد للعلاج فى الخارج على حساب الدولة فورا حيث انه كان على علاقة طيبة بالكثير من المسؤلين انذاك ومحل رعايتهم ... (بعكس غيره من مثقفى الوطن ممن لم ينل مثل هذه الحظوة والاهتمام بل منهم من كان يعانى السجن).
 
وقد عاد الكاتب الراحل بعد ذلك ! وللاسف يصبح مشلولا لان الاصابه تعرضت للعمود الفقرى والنخاع الشوكى ... وظل سعيد فى منزله يتقاضى مرتبه كاملا ... ويكابد عذاب الشلل بايوبية نادرة.
 
هكذا وببساطه القصة ... وما فيها ... اثرت روايتها ليتبين القارى كيف تفعل اساليب اختراع الوهم والاساطير ... وهى عملية تدل على افلاس بائس ... لان القضايا الحقيقية والتى لها اساسها الواقعى لن تحتاج منا الى اختراع الاساطير واختلاق الابطال التراجيديين.
 
مسكين الصديق سعيد المحروق كم يظلمه هؤلاء ... وكم يزورون تاريخه ... وكم يستثمرون عذاباته الان ... وهم بهذا يظلمونه مرتين, مرة حين يكذبون عليه ويحولونه الى مشروع يستثمرونه لغايات لم تكن له صلة بها, ومرة اخرى عندما يسرقونه من موقعه فى ثقافة وطنه التى تعتبر جزءا من ثقافة عربيه ما تنكر لها سعيد وساهم فى التعاطى معها من موقع تقدمى يسارى متاثر بالفكر الماركسى (اقول متاثر وليس متبنيا للفكر الماركسى) ليضعونه فى موقع اخر اقل ما يقال فيه انه موقع اختراع الوهم والدعوة لقضايا زائفة تقلب الاشياء الى الحد الذى يصير فيه الكواليرى خربيشه بطلا وطنيا تمجد تاريخه المذابح التى ارتكبها ضد ابناء وطنه الذين رفضوا الحضارة التى اتت ايطاليا لتعلمها لهذا الشعب وتزين مواقفه الموقف العظيم الذى قام فيه بإهداء سيف الاسلام لموسولينى الزعيم الفاشى الذى صار حامى حمى الاسلام فى هذه الارض (وهذا ليس تجنيا فقد ذكر الكواليرى يوسف خربيشه فى بيان رسمى كبطل وطنى امازيغى مع كل من ميلود الشقرونى رفيق غومه المحمودى ونائبه وكذلك المجاهد خليفه بن عسكر وسليمان البارونى الذى يؤكد فى كتابه عن الشجره البارونيه ان اصوله من عمان).
 
اخيرا ... ان تقديرى للكاتب الراحل سعيد المحروق ورفضى لان يتم استثماره هو او اى شخصية اخرى من شخصيات هذا الوطن او واقعة من تاريخه لصالح الدعاية لفكرة او خطاب سياسى هو ما دعانى للكتابة فى هذا الخصوص مؤكدا على اننى لا اقصد الاساءة الى اى شخص او التجريح او التعريض به, ومؤكدا ايضا على ايمانى بحق كل الاراء فى تقديم نفسها مهما كان نوعها ... وحق الاخرين فى التعاطى معها رفضا او قبولا ضمن اسس من الحوار الحضارى الذى لا مكان فيه للعنف او التطرف ...
 
وقد تبقى كلمة فى اخر القول بالسؤال ... اما آن لصانعى الاوهام ومزورى التاريخ ومزيفى الوعى ان يفتحوا اعينهم على الواقع وحقائقه وان يصرفوا جهودهم لما هو اجدى وان يدركوا ان التراجيديا التى ينسجونها لابطالهم الوهميين ليست فى الحقيقة الا كوميديا تدعوا كل جماهير شعبنا بمختلف تنوعاتها لكى تتعامل معها بسخرية ورثاء فى نفس الوقت ... وليفهم من يطرح المسالة الامازيغية فى ليبيا على هذا النحو بانهم وبهذا الاسلوب يبدون اقرب للحواة منهم الى اصحاب القضايا الجادين والحقيقيين ... ولعل اقرب الامثلة على ذلك من يكتب اسم (محمد) ... بشكل (موحمد) ... متبعا طريقة نطق بعض اهلنا للاسم ليبرهن بذلك على مظهر من مظاهر التميز الثقافى الذى يميز الهوية الامازيغيه على العربيه ..؟؟ وهى عملية لا نملك امامها الا نصح الكاتب بانه قد كان اجدى له لو ترك مكان الواو فارغا على السطر لعله يستفيد منه فى كتابة جملة مفيده اخرى ... فمحمد هو موحمد ولن تغير الواو من الامر شيئا ...
 
ويبقى كخاتمه ان اتقدم بالتحية للجميع من ابن للجبل الغربى الذى ما كان يوما حكرا لنفوسه .
 
عبد الله الجبالى
 

إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com