01/04/2007

      


(2) في سبل رأب الصدع

 

بقلم: زهير الخويلدي


 
"التفكير الفلسفي ليس له حد يقف عنده فكلما تقدمت المعرفة فتحت مسالك للفكر جديدة، أمكن الوصول إلى آراء أخرى غير التي أثبتها في هذه المحاضرات وقد تكون أصح منها وعلى هذا فواجبنا يقتضي أن نرقب في يقظة وعناية تقدم الفكر الإنساني وأن نقف منه موقف النقد والتمحيص"[1]. ليتفق جمهور حضارة اقرأ على ما يلي:
 
1- نبوة من غير تأليه:
 
"إن النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمدا إلى الأبد على مقود يقاد منه وأن الإنسان لكي يحصل كمال معرفته لنفسه ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو. إن إبطال الإسلام للرهبنة ووراثة الملك ومناشدة القرآن للعقل وللتجربة على الدوام وإصراره على النظر في الكون والوقوف على أخبار الأولين من مصادر المعرفة الإنسانية كل ذلك صور مختلفة لفكرة انتهاء النبوة"[2]
 
أمة الإسلام جامعة لكل من أقر شهادة أن لا اله إلا الله وقال بنبوة محمد صلعم ورسالته إلى العالم كافة وأن كل ما جاء به القرآن حق وتقع على كل من يؤمن بكافة الرسل وأن الآخرة حق كائنا قوله بعد ذلك ما كان. وهي التي أحاطت بطرق الأخبار والسنن المأثورة عن النبي وميزوا بين الصحيح والسقيم منها عن طريق علم الجرح والتعديل وأسباب النزول والمغازي والمصالح المرسلة والمقاصد والمناسبات والتي نقدت من السيرة السند والمتن على السواء وأزالت الأساطير والأضاليل وآمنت بأن معجزة الرسول هي القرآن ونفت كل معجزة غيرها مثل شق الصدر أو مداواة المرضى. كما ينبغي أن تفهم النبوة على أنها تقاطع بين الإلهي والبشري وبين اللاهوتي والناسوتي بلغة المتصوفة ولابد أن ينظر إلى القرآن على أنه محكم محفوظ في معناه ومتشابه وقابل لتأويل لامتناهي ومتغير في لفظه وأنه يشع بالمنبع الرباني المتجلي منه ويتضمن المقاصد البشرية المتوجه إليها. زد على ذلك أن الناقد الدارس لأبواب النبوة وآيات القرآن لابد أن يقطع مع التقليد ويشرع في الاجتهاد لأنه فرض عين وليس فرض كفاية إذ لابد من مجتهد في كل عقل ومع كل نص ولابد أن يكون المجتهد عارفا بقدر صالحا من اللغة ومطلعا على ما يتعلق بالأحكام ومتون الأخبار وأسانيدها ومحيطا بأحوال الرواة ومواطن إجماع التابعين ومسترشدا بمواضع الاجتهادات وكيفيات النظر فيها ويجب أن يكون متعين في الإصابة وليس مبالغ متعصب لمذهب ولا متساهل مفرط في دلالة أو معنى ولابد أن يجمع بين الاجتهاد في الأصول من أجل إعادة تأصيلها والاجتهاد في الفروع من أجل استئناف ما كان القدماء قد توقفوا عنده. كما يجب أن يدرس العالم سيرة الرسول على ضوء القرآن وإذا تناقضت كتب السيرة لابد من الانتصار إلى ما يقوله القرآن في معناه المؤول وليس فقط في معناه الحرفي. فكيف يؤدي نفي النبوة إلى القول بتطور الشريعة؟ وهل يمكن أن ينسخ الإجماع القرآن ؟
 
2- تاريخية الأصول والأحكام:
 
" والرأي عندي هو أن ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام من تفسير أصول مبادئ الشريعة تفسيرا جديدا على ضوء تجاربهم وعلى هدي ما تقلب على حياة العصر من أحوال متغايرة هو رأي له ما يسوغه كل التسويغ. كما أن حكم القرآن على الوجود بأنه خلق يزداد ويترقى بالتدريج يقتضي أن يكون لكل جيل الحق في أن يهتدي بما ورثه من آثار أسلافه من غير أن يعوق ذلك التراث في تفكيره وحكمه وحل مشكلاته الخاصة."[3]
 
لابد أن تحيط أمة الإسلام بأبواب التوحيد والعدل وأحكام الوعد والوعيد والثواب والعقاب وتتبرأ من التنزيه المعطل والحشوية المشبهة وأن ترى الله ذات لها صفات أزلية وصفات محدثة إما أن تكون صفات أفعال أو صفات أحوال وأنه خلق الكون وفق سنن ولا تجد لسنته تبديلا وأن الإنسان حر في أفعاله مسؤولا عنها يوم القيامة مكلفا بعقله مع إثبات الرؤية والحشر والسؤال وغفران الذنوب بأي طريقة كانت هذه الأمور. وأن ترى بالتوحيد الذي هو القول بأن الله تعالى واحد في ذاته وفي أفعاله وفي صفاته لا نظير له،وتقر كذلك بالعدل الذي هو القول بأن الله تعالى عدل في أفعاله ومتصرف في ملكه يفعل ماهو أصلح ويحكم بما يلطف العباد فكل من نجا واستوجب الثواب فبوعده وكل من هلك واستوجب العقاب فبوعيده. وتؤمن أمة الإسلام بأن القرآن وحده هو منبع أحكام الشريعة ويجب استنباط جميع الأحكام منه ومن شرع من قبلنا عن طريق الإجماع والاستحسان والاستصحاب وأن العقل قبل ورود السمع وأنه إذا تناقض العقل مع النص ينبغي الالتجاء إلى العقل من أجل التأويل لأن النص حمال أوجه أما العقل فهو إعلان ميلاد الإنسان وترجمة لختم النبوة وهذا هو معنى الشريعة تنسخ في آخر الزمان التي قالت بها بعض الفرق والتي ترى أيضا وجوب الجمعة وراء الأئمة الذين تبرأوا من أهل الأهواء الضالة وتفرض طاعة السلطان فيما ليس بمعصية وخلعه إذا ما عصى الخالق. أما أحكام الإيمان والكفر فهي ليست من مشمولات الإنسان بل تدخل ضمن نطاق الله وحكمته وقدرته وعلمه. والإيمان ثلاث أركان: إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح. فما هي أصول سياسة الدنيا حسب هذه النظرة التجديدية؟ وكيف نستطيع تجنب إمكان الوقوع في الخطأ في التأويل أو أن نحد منه على الأقل ؟
 
3- سياسة استخلافية:
 
"وروح التوحيد بوصفه فكرة قابلة للتنفيذ هو المساواة والاتحاد والحرية.والدولة في نظر الإسلام هي محاولة تبذل بقصد تحويل هذه المبادئ المثالية إلى قوى مكانية زمانية،هي الهام لتحقيق هذه المبادئ في نظام إنساني معين.والدولة في الإسلام ليست ثيوقراطية أي دينية إلا بهذا المعنى وحده لا بمعنى أن على رأسها خليفة لله على الأرض يستطيع دائما أن يستر إرادته المستبدة وراء عصمته المزعومة."[4]
 
المستفيد من غيره مسلم والمستبد برأيه مطلقا هو كافر تصديقا لحديث الرسول محمد صلعم:"ما شقي امرؤ عن مشورة ولا سعد باستبداد رأي" وقد قال أبو حنيفة النعمان:" علمنا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى ولنا ما رأينا" وينبغي أن تكون علاقة المسلم بغيره من بني ملته على نحو ما نصح به علي ابن أبي طالب متحدثا عن الخوارج:"علينا ثلاث لا نبدؤكم بقتال ولا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا".
 
إذا كان الحكم هو طبيعي للاجتماع البشري وإذا كانت أحوال الدنيا ترجع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة وجب أن يكون الحكم سياسة استخلافية نافعة في الدنيا والآخرة على السواء وذلك بإقامة العدل والقسط والعدل هو وضع الشيء موضعه والتصرف في الحكم بمقتضى المشيئة والعلم ويقول المعتزلة:"العدل ما يقتضيه العقل من الحكمة وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة". وسبب الفرقة هو الاستبداد والتباغض والمغالاة فقد قال النبي صلعم:"يهلك فيه اثنان:محب مغال ومبغض قال" وإذا كان من الضروري إقامة الحكم في حضارة اقرأ لاستحالة حياة الناس ووجودهم منفردين لازدحام أغراضهم وما يفضي ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر وانقطاعهم فينبغي أن نحدد الخلافة على أنها استخلاف والاستخلاف على أنه تعمير والتعمير على أنه كدح إلى الله والعمل الصالح إذ يقول عز وجل عن الخلافة العامة التي للآدميين:"إني جاعل في الأرض خليفة" ويقول أيضا:" جعلكم خلائف الأرض".
 
علاوة على ذلك يرفض الدين القيم افتكاك الملك عنوة وطلب الحكم عن طريق القوة ومنطق الوصية والتعيين والتوريث والتنصيص وتنصيب أهل الحل والعقد أولياء أوصياء على الناس ألم يحدث الرسول الكريم:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
 
إن الإسلام الحنيف يقر أن نصب الحاكم عن طريق الاختيار والإجماع والبيعة العامة واجب بحكم العقل وهو فرض عين وليس فرض كفاية وأن الشرع وظيفته تسديدية لأنه لم يذم الملك لذاته ولا حظر القيام به بل ذم المفاسد الناشئة عنه من قهر وظلم واستئثار وأثنى على طاعة الحكم الذي يحفظ النوع ويؤدي إلى امتناع الناس عن التظالم وارتفاع التنازع لأن ذلك من مقاصد الشرع. علاوة على ذلك لا يحصر الحكم في إمام واحد بل يمكن أن يوجد عدة أئمة في نفس الوقت مراعاة لتباعد الأوطان وتخالف الألسن وتعاقب الأزمان ثم لا يشترط أن يكون قرشيا أو من عرق نقيا بل يشترط فقط الانتماء والمواطنة والرغبة في الإيثار والتعالي عن المصلحة الشخصية وخدمة المصلحة العامة ويرى أنه ينبغي أن يقيد حكم الحاكم بمجموعة من الشروط أهمها الزمن وسلامة الأوصاف والأحوال والجري على منهاج الحق لأن مشروعيته تستمد من مصلحة المسلمين وإذا فقدت المصلحة فقد أن يكون وليا وأمينا على مصالح الأمة في دنياهم ودينهم. وقد أجمع الفقهاء على لاشرعية بيعة الإكراه طالما أن البيعة هي العهد على الطاعة وطالما أن المبايع يعاهد حاكمه بأن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور غيره ولا ينازعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره وقد لا يحصر الحكم في الرجل أو المسلم ويتعدى ذلك إلى المرأة ومن غير المسلمين من أهل الكتاب أو أولي العلم فقد حكمت بلقيس ملكة سبأ وقد كانت تشاورهم في الأمر و يذكر لنا التاريخ أعلام من غير المسلمين رفعوا لواء العلم في حضارة اقرأ عاليا . فكيف تسمى هذه السياسة الاستخلافية الديمقراطية الروحية عند محمد إقبال؟ ألا ينبغي أن ننتقل من الديمقراطية الروحية إلى الديمقراطية المادية ومن الديمقراطية السياسية إلى الديمقراطية الاجتماعية ؟
 
خاتمة:
 
"على المسلم اليوم أن يقدر موقفه وأن يعيد بناء حياته الاجتماعية على ضوء المبادئ النهائية وأن يستنبط من أهداف الإسلام التي لم تتكشف بعد إلا تكشفا جزئيا تلك الديمقراطية الروحية التي هي منتهى غاية الإسلام ومقصده."[5]
 
بذلت مجهودات كبيرة من طرف تيار الإصلاح الديني من أجل الخروج من دائرة التقليد المذهبي وظهرت شعارات تجديد الخطاب الديني والانبعاث والصحوة الاسلامية والنهضة وكتب محمد إقبال كتاب تجديد الفكر الديني وترك لنا الأفغاني وعبده أعداد قيمة من مجلة العروة الوثقى وألف الكواكبي طبائع الاستبداد وأم القرى وميز علي عبد الرازق بين الإسلام وأصول الحكم وظهرت أول الصفحات التي ترسخ علمنة جذرية للدين وذاع صيت كتب صادق جلال العظم في نقد الفكر الديني وعابد الجابري في نقد العقل العربي ومحمد أركون في تاريخية الفكر الإسلامي وحسن حنفي في التراث والتجديد وطيب تبزيني في من التراث إلى الثورة وانفرد نصر حامد أبو زيد بقراءة النص الديني قراءة تأويلية ولكن رغم كل ما حدث انحسر هذا التيار وظل نخبويا ووظفته الأنظمة الحاكمة التسلطية لفائدتها من أجل مناهضة كل أشكال التدين الاحتجاجي الشعبي المقاومة للاستبداد وانتصر في النهاية وكالعادة التيار التقليدي النصي وكثر من جديد الحديث عن الشيعة والسنة والخوارج والزيدية والوهابية وسطع نجم ابن تيمية وجعفر الصادق والغزالي وباقر الصدر وملأت الكتب التراثية التي تتحدث عن الموت والجن وعذاب القبور وهول الآخرة أرصفة الطرقات وتكاثرت القنوات الفضائية الدينية المتخصصة في الفتاوى الشرعية وفي التبشير بجوهر الإسلام من وجهة نظر مذهبية طبعا ولا أحد تفطن إلى خطورة الموقف وحساسية المرحلة وحاجتها إلى المراجعة والنقد والتفهم ولا أحد أدرك ما ينبغي القيام به الآن لهذه الأمة حتى يحسن حالها ويصلح مآلها. ورغم أن البعض من أصحاب النية السليمة والقلوب الطيبة مثل سليم العوا والقرضاوي وحسين فضل الله وخاتمي قد شرعوا في الحديث عن حوار الأديان والثقافات وعن التقريب بين المذاهب والتعالي عن منطق الملل والنحل وحاولوا توحيد النظرة إلى الإسلام خارج ثنائية الشيعة والسنة إلا أنها محاولات بقية حبر على ورق وحديث مقابلات تلفزية لا غير ولم تنفذ إلى قلوب المعتقدين المتمسكة بأصالة المذهب والى عقول الناس المرتهنة بثقل الميراث وبالتالي بقيت مجرد نوايا لم تترجم على صعيد الواقع وصار شعار الإصلاح والتجديد هو مطية من أجل التفرقة والتناحر. فهل يعني هذا التأزم أن المطلوب هو تجاوز عتبة الإصلاح الديني نحو تحقيق التنوير الأصيل؟ فكيف يفهم التنوير التجربة النبوية فهما متكاملا؟ هل يمكن الوصول إلى أصول وأحكام إسلامية تنويرية؟ ألا ينبغي أن ندرج أمور السياسة والحكم ضمن دائرة أنتم أدرى بشؤون دنياكم التي تحدث عنها الرسول محمد صلعم؟ كيف تساهم هرمينوطيقا الدين في تجاوز هذه الصعوبات والعراقيل من أجل بناء تأويل أصيل للإسلام يواكب العصر ؟
 
* كاتب فلسفي
 

مقالات أخرى للكاتب

  في بيان كيفية افتراق الأمة (1)

  نحن في عصر يسير نحو التنوير!

  مفارقات العولمة

  الإسـلام بين التاريخ والحقيقة أو الدين من وجهة نظر الهرمينوطيقا

 


المرجع: محمد إقبال تجديد التفكير الديني في الإسلام دار الجنوب للنشر تونس2006
[1] محمد إقبال تجديد التفكير الديني في الإسلام دار الجنوب للنشر تونس2006 ص14
محمد إقبال تجديد التفكير الديني في الإسلام دار الجنوب للنشر تونس2006 ص 133 [2]
[3] محمد إقبال تجديد التفكير الديني في الإسلام دار الجنوب للنشر تونس2006 ص173
محمد إقبال تجديد التفكير الديني في الإسلام دار الجنوب للنشر تونس2006 ص160 [4]
[5] محمد إقبال تجديد التفكير الديني في الإسلام دار الجنوب للنشر تونس2006 ص183
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com