19/04/2007

      


 
 
أُمي في جزيرة الشيطان *
 
بقلم: ميلاد السوقي

 
كان قد مر عليّ وعلى شعري وجسمي سنوات على آخر لقاء لي بامي, ولقاء الأحبه يطوي المسافات وينحر الساعات وبما أن أمي لا تستطيع أن تتحمل برد الاسكندوناف كان علينا ان نلتقي في دوله محايده للاشواق وللبرد وشرطي الجمارك فقد تم الاختيار على مالطا الحنينة لقربها لأمي ودفئها من جانب ولاِن أخي الاصغر يعيش هناك هو وأُسرته من جانب آخر, وبما إني من التجار الفاشلين في مالطا سابقاً فلم يكن المكان بالغريب عليّ.
 
وصلت طائرتي في ساعات الصباح ألاولى وكان في استقبالي أخي الذي كبر من جميع النواحي .. الحجم. العقل..القلب, وبعد التحيات الليبية الصرفة والاحضان الماجورية المستوردة, ذهبنا لِشقتِه لِلقاء أمي وأعتقدت إنها نائمة لِتأخر الوقت ولكني وجدتها في إنتظاري ...قصيرة جميلة ..وشاحبة كم هي أجمل ..قبّلةُ قدماها التي تحمل الدوالي قبلتها مئة قبلةٌ وزدت قبلة وهي قبلتني ألف وانقصت واحده ..
 
سافرتُ في تجاعيدها حتى أصبت بالدوارِ وصحوت في تعاريج وشمها, وملئة الرئتان بعطرِها .. فعطرأمي لم يخطر حتى ببال باريس أستحضر من روح وردة لا تنبث إلا في كبد القمر ولاني لم أزر باريس زُرتها في مالطا حين ألتقيتُ أمي... قالت لي والدموع تملئ عينيها الصغيرتين وهي تنظر الى شعري الاجعد: (شبت يا وليدي !!) فأجبتها مازحاّ كي أرسم ابتسامة على شفتيها: (شبت يايمّا وجرجير ومعدونوس).
 
وبعد السؤال عن صحتها واخبار أخوتي وتفحص (شكارة القرشين) (1) التي بحوزتها والممتلئة أدوية وهي تشرح لي .. هذا الدواء لضعف القلب وذلك للروماتزم اما عن هذا فهو للعلاج الضغط وهذه لاِوجاع الظهر وهولاء وصفهن لي دكتور تونس لاِلام المعده وهذه (بوماطة) (2) كتبها لي الدكتور الاسكندراني حين ذهبت للعلاج إلى مصر لعلاج (الكالو) (3) وهذه عدة روشيتات احضرتها معي لعلي أجد أدويتها هنا قد وصفها لي الدكتور في مستشفى (بوردوشمي). (4)
 
بعد التعب الذي التهمنا من السهر ومن (شكارة أمي) وبعد الدموع والاشواق والاحاديث المختصرة كان يجب علينا النوم فعاصفير مالطا خرجت تتلمس رزقها من الرزاق.
 
سريري في السويد كان قد كلفني مرتب عشرة موظفين في الخدمة العامة في ليبيا ولكني لا أذكر إني نمت كالطفل عليه كما نمت في أحضان أمي.......
 
وفي الصباح أمتطينا الحافلة متجهين الى الفاليتا ورغم قدم هذه الحافلة إلا أنها انكرت قرابتها بحافلات ليبيا الربع, كانت شقة اخي في منطقة اسمها بوجبه وهذه البوجبه تبعد الساعه والنصف على الفاليتا ,جلست أمي وأنا احمل الكاميرة وأصورها تحدثني عن احوال بنغازي من منظور عين عجوز .. ودار بيننا هذا الحوار وباللهجة العامية البنغازية التي أشتقت إليها: (5)
 
- يمّا كيف احوال عائلة فلان؟
- حالتهم بلهون يا وليدي من يوم ما شد البوليس ولدهم الكبير يبيع في المخذرات وحبسوه
- مش ولدهم هضا اللي كان يشتغل في شركة الخليج؟
- أيه لكن معاشه شويه ومرات يطول ما ينزل وعائلته كبرت تعرف انت!!!
- مسكين وكيف صار في فلانه؟
- مسكينة مش اطلقت!!وعندها كوم عيال
- عليش سبحان الله؟
- راجلها سكار نكار ومنكد عليها عيشتها
- لكن انا نعرفه كان راجل صلاي؟
- كاين, لكن من يوم سيب الشغل في البيئة وحالته تعبانة معاش يعطو فيهم معاشات ياوليدي!!
- يا ستير, وشنو اخبار بنات فلان؟
- مسكينات مازال ماجاهنش نصيبهن الصغيرة صار عمرهاخمسة وثلاثين والكبيرة خاشة في
  الثلاثة والاربعين ربي يقوي النصيب !!!!
- بعد خطرها ,كيف حال جاري فلان؟
- الله يرحمه ويسامحة مش مات ,ضربوه بموس وقعد في العناية ايام ومات....؟!!!
- يا لطيف الطف وعلان؟
- في الحبس مش هو اللي قتل فلان ....!!!!!؟
- وعيت فلان؟
- مازالو في مشاكل مع عيت علان وولدهم طلعوه من الحبس..
- بس هضا قاتل من قبل ومحكوم عليه اعدام ؟
- اهله دفعو الدية وطلع...!!!!!!!!!؟؟؟
- وشنو صاير في علتان؟
- قاعد في الحوش مسكين ومايقدرش يمشي!!
- وشن صارله هضا آلاخر؟
- يبني في حمام ودار فوق السطوح شوي طاح من الدور الثاني وظهره انكسر ..هضا بعدما
  باع شقته على شان يدفع ديون خوه اللي كان ينصب على الناس.
- لا حول ولا قوة إلا بالله ..سالتك بالله يمّا كيف اخبار علان كان عزيز عليّ واجد...؟
- بعيد وبره يا وليدي انهبل.. تعرف انت كان ما يجيبش اولاد وسافر للاردن وعالج وربي
  رزقة ببنية لكن جاها مرض ألايذز ......
 
وقبل أن تكمل أمي الحبيبة أخبار الحبيبة ظهر مؤشر في شاشة الكاميرة يعلمني إن الباترية قد نفذت...ولم تنفذ أخبار أمي ولا أخبار الحبيبة وأخبرتني أمي بعدها بدون تسجيل صوت وصورة أخبار تحرك مشاعر تكة الموته فأصدقائي ....
 
لم يتزوج منهم أحد إلى ألان...والمستشفيات في غرفة الانعاش .. والعشرة دينار يحملها أثنان ...!! وكيف إن ثلاجة مستشفى الجلاء صارت لاتتحمل مصارف زوارها ...وسجن الكويفية يكاد يتقيئ من رواده ..حتى إنها أخبرتني إنها اصبحت تشتاق إلى أصوات منبهات السيارات معلنة زفاف احد ما ...أخيراً قالت لي وبلهجة غرباوية:
 
- حالت بنغازي يا وليدي صارت تبكّي الحجر والشجر..
 
وبعد إسبوعان من الحب والدفء واخبار لا تسر إلا العدو وطبعاً وجبة كسكسي على أيدي أمي عدت ألى الغربة ..وعدت ألى البرد وفي مطار كوبنهافن استوقفني شرطي الجمارك ولاول مرة في الغربه ...لم يكن توقفه لي لاني أحمل ملامح ليبية فجواز سفري سويدي ولا بسبب الوزن الزائد...فقد حمّلتني أمي بطانيتان نوع نمر وقالت لي حازمة:. تغطى كويس قالوا عندكم ثلج واجد ... وأيضاّ حملتني روينه وخمسة كيلو قهوة مغشوشة بالكاكاوية وهدايا لبناتي ....ولكن توقفه لي كان بسبب السؤال ما الغرض من أن احمل معي شوال بصل فارغ داخل حقيبتي؟
 
كيف لي أن اقنعه إن مواطن سويدي يستعمل شوال بصل حويل فارغ لحك ظهره أثنا الاستحمام ...؟
 
فأجبته إن هذا الشئ ما هو إلا ذكرى من أمي أعطته لي لكي أتذكره عندما أراه...
 
ألم يقل الليبيون زمان: تغرب واكذب.
وماداما الليبيون أحياء..... فللحديث بقية
 
المغفور له بإذن الله/ ميلاد السوقي
بوجبه .. مالطا 2005
بريد خاص للتهديد.. او الشتائم.. او الحوار
 

* مقال يتبع سلسلة مقالات لهذا هجرت ليبيا ... ثانياً (الركن الاجتماعي)
(1) كيس من البلاستك يستعمل لحمل الاشياء سعته اكثر من خمسة لتر
(2) مرهم
(3) مرض مثل الطفيليات يصيب الاقدام عادتاً
(4) مستشفى في مدينة بنغازي
(5) أيها تشابة في الاحداث هو من وحي الصدفة ليس إلا

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com