الإرهابيون الجدد...
بقلم: فضيل
الأمين *
|

|
|
يحاول المحللون والمثقفون
والسياسيون فهم ظاهرة العنف والارهاب في عالمنا العربي، فمنهم من يجنح إلى
تحليل سطحي وساذج فيلقي باللائمة على الفقر والعوز وقله الحيلة والجوع
والحرمان وأكواخ الصفيح. ومنهم من يعقّد الأمر فيدخل في متاهات نظريات مؤمرات
الحكومات المحلية والاجنبية وسراديب المخابرات العالمية وخاصة السي آي آيه
ورفيقاتها الغربيات، منذ اتفاقية سيكيس-بيكو إلى (غزوة مانهاتن) كما يقولون
!!
وبعيدا من التسطيح الساذج والتعقيد
المتعمد يمكننا أن نقول أن العنف، أياً كان مصدره، بكافة أشكاله السياسي منه
والمنزلي أمر مرفوض ومبغوض ولا مكان له في أي مجتمع يدّعي التحضر أو الانتماء
إلى أية ديانة سماوية أو أرضية وإي أيدولوجية أو نظرية.
واستخدام العنف هو دليل فشل وإعلان
افلاس لا دليل قوة وعظمة وقوة إيمان. واللجوء إليه هو إعلان على فشل العقل
والمنطق والقدرة الانسانية الخلاّقة والمبدعة على استحداث الحلول وصنع
البدائل.
مثال بسيط على ذلك، عندما يصل
المرء إلى باب موصد يقول له العقل والمنطق ابحث عن المفتاح وادره في القفل
لتفتح الباب وتلج إلى البيت، وإذا لم يكن لديك مفتاح فلتكن مبدعاً مفكّراً،
فجرّب الدخول من النافذة أو حتى القفز عبر حديقة الجيران. والسوي من يفكّر في
الحلول، أما الفاشل فسرعان من يضيق ذرعا بذلك الباب الموصد فيقرر كسر الباب
أو هدم البيت. فلكم ان تتصوروا النتيجة. دار بلا باب أو بيت مدمّر مسوى
بالارض وانسان غاضب فقد ما يملك وتملّكه اليأس واستولى عليه القنوط وتلاشت
رغبته في الحياة. ويصبح حينئذ أكثر خطرا واشد فتكا.
مشكلة الباب الموصد هذه هي مشكلة
تصويرية بسيطة للواقع الملئ بالتحديات الذي يعيشه الانسان يوميا والذي يتطلّب
منه أن يُعمل فيه عقله ويطوّر عبر تحدياته طاقاته. فتكريم الإنسان بالعقل
وأمره من قبل خالقه بالتدبّر أمر له دلالاته ومسؤولياته.
ومن هنا نعلم الحرب أو العنف أو
المشاحنة هي دليل فشل الإنسان وليس دليل قوته ولا تحضّره ولا عظمته. فشله في
حل المشاكل بالحوار والدفع بالتي هي أحسن (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه
ولي حميم) وهو الأمر المطلوب. وإلا فما معنى الحكمة والصبر إذا لم يتم
استخدامهما في مثل هذه الحالات. وان الهاربين من تحديات الدينا (تخالط الناس
وتصبر على أذاهم) إلى الآخرة (من قال هلك الناس فهو أهلكُم أو أهلكَم) عبر
بوابة العنف هم افشل الخلق جميعاً بلا شك.
القمع وليس الفقر
إذن العنف والارهاب هو ظاهرة سببها
الفشل وليس الفقر والجوع. والفشل هنا يتقاسمه الحاكم والمحكوم في بلادنا
العربية. فالعنف كان عنفا من طرف واحد وفي اتجاه واحد، يمارس من قبل السلطة
ضد المحكومين. عنف الدولة العربية ضد مواطنيها سببه فشلها في النهوض بأبسط
واجباتها ومسؤولياتها تجاههم.
فشل السلطات الحاكمة في توفير ابسط
أسس العدل والمساواة والحرية والقيمة الانسانية المواطن، والاستعاضة عن ذلك
بالقمع والاهانة لمن يتجرأ على المطالبة بحقه في حياة شريفة كريمة سواء كانت
عيشة كفاف أم غنى سيان. بل ولم تتوقف السلطات الحاكمة عند القمع والاهانة فقط
فلجأت إلى العنف الجسدي بكل أشكاله من التعذيب إلى الاغتيال والتصفية.
القمع وليس الفقر هو السبب الرئيسي
الى اللجوء إلى العنف ومن ثم إلى الإرهاب.
عنف السلطات المستمر ضد مواطينيها
وفشلها في التعاطي مع قضايا رعاياها وغياب أبسط أليات رفع المظالم والمطالبة
بالحقوق وعدم تبلور أدوات مجتمعية لحل خلافاتهم معها واصرارها على مزيد من
القمع والتحقير والاهانة. أمام هذا الباب الموصد وعبر تراكمية مستمرة تبلورات
خيارات العنف المضاد لدي فئات من المجتمع لم تر نقطة ضوء في نهاية النفق
المظلم.
والعنف المضاد هو دليل فشل
المظلومين في ابتداع السبل واختراع الوسائل اللاعنفية في مواجهة عنف السلطة.
ويمكن تتبّع أسباب هذا الفشل إلى عوامل اجتماعية وثقافية ومشاكل في التنشئة
والتربية. وهذا مجال واسع للدراسة والتحليل.
العنف المضاد في مراحله الاولى في
مجتمعاتنا العربية تم التنظير له عبر الايدولوجيات
اليسارية كما الايدولوجيات الدينية على حد سواء.
وكان في مراحلة الاولى موجهاً ضد السلطة الحاكمة ومصالحها كما هو الحال في
فكر جماعة الجهاد المصرية في مراحلها الاولى. إلا أنه تطوّر مع الزمن عبر
بذور فكر تكفير المجتمعات واتجه العنف نحو المجتمعات التي تحكمها تلك السلطات
بحكم منطق (من ليس معي فهو ضدي) وضرورة تطهير المجتمعات. والعزلة التي بدأت
في الشعور انتهت في الواقع.
وكما تطورت السلطات الحاكمة في
تفسير وتبرير قمعها، أعطى أصحاب العنف المضاد في نفس الوقت مبررات اضافية
لتوسيع دائرة عنفهم. وتمدّدت فتواه ومبرراته واخذت ابعاداً عالمية عبر
تداخلات العلاقات الدولية بين الدول وتشابك أو تباين مصالحها. واحتفوا بتحوّل
العنف المضاد إلى سياسة الإرهاب عبر تفسيرهم المعوج (ترهبون به عدو الله
وعدوكم).
العنف المضاد تحول اليوم إلى عنف
إرهابي أصيل قائم بذاته واقف على اسس مبرراته، فهو لم يعد رد فعل لعنف
السلطات الحاكمة بل تيار يستخدم العنف كأسلوب لتحقيق أهدافه الخاصة به. لم
يعد عنف (رد فعل) ناتج عن فشل السلطات الحاكمة في القيام بمهامها الحقيقية
تجاه شعوبها ويسعى لتقويمها بل اصبح اسلوب عسكري لتيار يسعى للحكم بديلا عن
السلطات الحاكمة.
تيار لا تهمه هموم الشعب وحقوق
الانسان ورفاه المواطن، تيار كل همّه هو الاستيلاء على السلطة وفرض
ايدولوجيته وثقافته على الشعب باسم الحق الالهي. تيار يستخدم كراهية
المحكومين للحاكم واحساس المقموعين بالقمع والمهانين بالاهانة وفاقدي الامل
في المستقبل عبر وعود بحياة سرميدية يصلون إليها عبر قطار الإرهاب السريع
الذي يصل الارض بالسماء حسب وعودهم. بالطبع لا يمكن أن ننسى كيف استخدم هؤلاء
قضايا العرب والمسلمين مثل فلسطين والصومال وافغانستان وكشمير والشيشان.
قضايا استخدمت السلطات العربية الحاكمة بعضها يوما في تبرير قمعها وعنفها
ويستخدمها الارهابيون الجدد في تجنيد الشباب وتبرير وجودهم واعمالهم.
الخطير اليوم هو في انتقال المعركة
من اقتتال بين السلطات الحاكمة وممارسي العنف المضاد إلى استهداف واضح للشعوب.
فالارهابيين الجدد لا يعرفون حدود جغرافية ولا حدود انسانية ولا حدود مجتمعية.
فضحاياهم الرجال والنساء والاطفال على حد سواء، واسلحتهم تقليدية وكيماوية
وربما نووية في المستقبل القريب، ومجنديهم من الرجال والنساء والأطفال على حد
سواء.
الشعوب العربية والاسلامية تجد
نفسها تواجه الخيار بين الانحيار إلى الحكومات المستبدة التي تواجه
الارهابيين الجدد وبين الارهابيين الجدد انفسهم.
خيار بين الإرهاب الساحق والإستبداد القاتل الذي سيأتي مع هؤلاء الارهابيين
الجدد وبين الحكومات التي كانت ولا تزال التي تنتهك حرياتهم وتمارس القمع
حيالهم. خيار حقيقي وإن كان ليس صعباً. الارهابيون الجدد عدميّون بفكرهم
وايدولوجيتهم وممارساتهم. يريدون حرق الأرض لبناء مملكة في السماء يريدون سحل
الانسان ليتمتعوا بمعية الملائكة أو هكذا يحلمون.
لا شك أن من أهم الاسباب التي تدفع
السلطات الحاكمة إلى محاربة هؤلاء العدميون الجدد هو الرغبة في حماية النفس
وصيانة الوجود وليس لديهم خيار، وإن كان ضمن مؤسسات السلطات الحاكمة اناس
صادقون في حماية شعوبهم متفانون وساهرون لتحقيق ذلك فهم من الشعب وله.
على الشعوب العربية والاسلامية بعلماءها ومثقفيها أن تلعق جراحها، وتعزم
امرها وتعلن عملياً رفضها لظواهر العنف والإرهاب من أي جهة كانت وتحت أو اسم
برزت ومن تحت أية عباءة ظهرت. وتقول لا للعنف لا للعنف لا للعنف من حيث جاء
وضد أي شخص توجّه (ومن تغذى بأخيك سيتعشى بك).
فالعنف لا يولّد إلا عنفاً مضاداً.
ولا نريد أن نرى مليشيات جديدة تطارد هؤلاء الارهابيين الجدد، وتعيش
المجتمعات العربية حالة استقطاب عنفي. وما حال دولة كولومبيا اللاتينية ببعيد
حين جندت الحكومة مليشيات وعصابات لمحاربة العصابات المتمردة على السلطة. وما
يحدث من اقتتال يومي بين المليشيات العراقية مثال حي آخر.
ولا يمكن أن تستمر السلطات الحاكمة
في سياساتها القمعية القديمة، فهي السبب الاساسي في هذا الفشل المتراكم. لا
بد من اعادة تشكيل الانظمة الحاكمة في العالم العربي. ولا اقصد هنا تشكيل
هيكلي تجميلي محدود. بل لا بد من اعادة بناء الدولة القطرية العربية على اسس
ديموقراطية جديدة وإلا جرفنا جميعاً الطوفان، الحاكم والمحكوم.
مقالات سابقة للكاتب:
ليبيا: لا إصلاح جاد دون حوار وطني
ونفشل مرة أخرى
في أحدث دراسة عن الاعلام العربي .. ليبيا تنال
أقل الدرجات
|