29/01/2008


 
الاسرار الخفية فى الازمة القضائية: قضية على الديب

 

 
مقدمة
 
نشأت أزمة دستورية فى بداية عهد النظام الملكى وهى ازمة قرار المحكمة العليا فى قضية على الديب بخصوص حل المجلس التشريعى بطرابلس عام 1954. جسدت هذا القرار قضية الخلافات حول سلطات الملك وفصلها عن السلطات القضائية والتشريعية. حيث أصدرت المحكمة قرار بعدم دستورية القرارالملكى شكليا بحل المجلس التشريعى الطرابلسى. هذا الخلاف ادى الى سقوط حكومة الساقزلى. لقد تم ادارة هذه الازمة بركاكة من قبل الديوان الملكى منذ البداية حيث تم اصدار مرسوم بهيئة امر ملكى ولم يتبع الاجراءت الدستورية القانونية الصحيحة فى أصدار القرار، الشئ الذى مكن السيد على الديب (رحمه الله) من رفع القضية -وهذا كان من حقه- وظفر بقرار لصالحه، وبعد صدورقرار المحكة بعدم القبول به وتحدى سلطة المحكمة. هذه الازمة كانت اول اختبار لفاعلية المؤسسات الدستورية فى الدولة الحديثة.
 
لقد كتب الكثيرعن هذه القضية ولكن من خلال وثائق الخارجية الامريكية سنتعرف على بعض ما قد جرى خلف الكواليس، واراء، وتقييم لانعكسات القضية من شخصيتين من شخصيات العهد الملكى، وهما السيدان محمود المنتصر وعلى الجربى. هذه الوثيقة وهى مذكرة الى الخارجية الامريكية من المفوض الامريكى بليبيا Henry S. Villard)) وفيها يلخص المفوض الامريكى فحوى محادثته مع السيدان محمود المنتصر وعلى الجربى.
 
يسرد السيد محمود المنتصر بعض الاحداث، حسب معلوماته الخاصة، عن كيفية تعامل الديوان الملكى ووالى طرابلس مع قرار المحكمة بعد صدوره. كما يقوم هو وعلى الجربى بابدا اراهما وتقييم انعكسات هذه القضية على ليبيا داخليا وخارجيا.
 
يلاحظ هنا اهتمام السيدان محمود المنتصر وعلى الجربى بالتاكيد على ضرورة سيادة القانون وقلقهما من ان غياب سلطة قضائية مستقلة قد يسئ الى سمعة ليبيا دوليا وقد يخوف الشركات الاجنبية من الاستثمار فى ليبيا عندما يشعروا ان القضايا فى المحاكم لا يفصل فيها بناء على القانون وحيثيات القضية ولكن بناء على قرار من السلطة.
 
ويأكد السيد محمود المنتصر ان هذه الازمة لم تكن متوقعة عندما تم تأسيس الدولة تحت رعاية ألأمم المتحدة بنظام ملكى دستورى وما كان يعتبر مسار متنور، ديموقراطى، متطور. ويرفض المنتصر فكرة تكوين حزب معارض بعد خروجه من الحكومة لأن هذا يكون، فى رأيه، ليس فى مصلحة وحدة ليبيا.
 
الموثق التاريخى
libyanarchives@yahoo.com

 

ترجمة الوثيقة
 
برقية رقم 425 13 ابريل 1954
من: المفوضية الامريكية بطرابلس
الى: وزارة الخارجية ، واشنطن
الموضوع: محادثة مع محمود المنتصر وعلى الجربى بخصوص الازمة السياسية
 
اثناء زيارتى لطرابلس فى انتظار العودة لمفاوضات قاعدتنا، تناقشت على انفصال مع عضوين سابقين فى الحكومة، هما محمود المنتصر وعلى الجربى، التطورات الاخيرة الناتجة من قرار المحكمة الاتحادية العليا فى قضية على الديب. تناول معى محمود المنتصر العشاء يوم 10 ابريل وعلى الجربى شرب معى الشاى فى منزلى فى نفس اليوم. هما الاثنان، المنتصر والجربى، اللذان كانا من ضمن المهندسيين الرئيسيين للدولة الليبية الاتحادية، اتخذا موقفا جديا من الاحداث وتوقعا ان ضرر كبير قد ينتج لسمعة ليبيا الدولية اذا قررات مستقبلية للمحكمة تلغى بقرارت من الملك.
 
وكما كان متوقعا لام المنتصرعدوه الشخصى، ابراهيم الشلحى، على الازمة الحالية. حسب معلومات المنتصر، الملك كان مستعدا مسبقا بالقبول بقرار المحكمة سواء كان القرار متفقا او مختلفا مع المرسوم الملكى بحل المجلس التشريعى الطرابسى. ولكن فى يوم 17 ابريل، سافر الوالى (الصديق المنتصر) الى بنغازى فى طائرة وفرت له من مطار ويلس من اجل اقناع الملك للتأكيد على سلطة العرش فوق قرار قاضيين مصريين و قاضى ليبي فى القسم الادارى فى المحكمة الذى نظر فى القضية. ولكن يبدوا ان الصديق لم يقابل الملك ولكن قابل الشلحى واكررحسب رواية المنتصر، قيل له بان القصر يايده بتجاهل قرار المحكمة العليا ويجب ان يرجع لطرابلس ويتعامل مع الوضع باى طريقة يرى هو انها مناسبة.
 
قال المنتصر ان الشلحى هو الذى تصرف عن الملك وهكذا اعطى الصلاحية للوالى لمعارضة المحكمة والاستمرار فى انتخابات لمجلس تشربعى جديد.
 
عبر المنتصر عن شكوكه بان الملك كانت له جميع المعلومات بخصوص هذه المسئلة أو انه يرغب ان يشغل نفسه بحلها. هذا يؤيد الانطباع الذى تولد عندى عندما رفض الملك التعليق على زيارة الوالى لبنغازى او استقالة حكومة الساقزلى (برقية المفوضية 351 بتاريخ 10 ابريل).
 
من خلال ارتباط طويل مع الملك ادريس، شعر المنتصر ان الملك عنده فرص قليلة او ميول لدراسة طرفى اى قضية ما ولكن يستمع باهتمام لنصيحة رفيق العمر ومحل ثقته والذى دائما بجانبه وله الكلمة الاخيرة قى اى قرار كان كبيرا اوصغيرا. لا يعتقد المنتصر بان الملك شخصيا كان سيقف ضد قرار المحكمة، لانها كانت سياسته من البداية الحكم بطريقة دستورية. الشلحى فى الحقيقة هو القوة وراء العرش والصديق المنتصر عميله فى طرابلس.
 
لاحظ المنتصر بان الوالى صرح على الاقل فى مرتين بمعلومات خاطئة بخصوص هذه القضية. ادعى الصديق بان الملك هو الذى دعاه لمناقشة الازمة نتيجة قرار المحكمة ( بناء على هذا الادعاء هو الذى جعل قائد مطار ويلس يوفر طائرة للرحلة)، ولكن اتصالاته كانت مع الشلحى وليس مع الملك. واضافة لذلك، عندما رجع ادعى انه قابل الملك وحصل على تايده الشخصى بتجاهل قرار المحكمة. وكنتيجة طبيعية لذلك، هو تشبت الصديق المنتصر اكثر.
 
تنباء محمود المنتصر بان القصة لم تنتهى بعد. واثارها فى المدى طويل ستكون خطيرة على الصديق حيث انه سيكون معروف بعدم تأييده لمؤسسة تمثل اعلى سلطة قضائية فى البلاد. لعل محمود كان يفكر فى الصورة التى نشرت على صفحات جريدة طرابس الغرب الحكوميه والتى تظهر الوالى واقفا متحمسا بجانب راية محمولة من قبل المتظاهرين تقول:"تسقط المحكمة الاتحادية العليا".
 
شعر المنتصر، وهوالذى ليس عنده تأييد للمصريين فى ليبيا، بانه بجانب الاهانة الشخصية للقضاة الذين تم رفض قرارهم، فان المحكمة تم تشويه سمعتها بالكامل واذا احداث مستقبلية لم تعالج هذا الخلل فأنه سيمر وقت طويل قبل ان يتم اعادة الثقة فى قراراتها. الاشاعات التى تقول بان القاهرة هى الى كانت وراء القرارهى غير عادلة على الاطلاق حيث ان القضاة كانوا امناء وحتما ليس عندهم دوافع خارجية. اكبر الاضرارهى قد تكون تردد مستثمرون ورجال اعمال اجانب، او تجار ممن يتعاملون مع ليبيا فى تعريض رؤوس اموالهم للخطر فى دولة يكون فيها القضاء هو قرار ملكى من جانب واحد. وتسال المنتصر عن شركات النفط الامريكية بالتحديد اذا ما كانت ستدخل فى فى مشاربع كبيرة فى ليبيا عندما لا يوجد ضمان ان قضية استئناف للمحكمة العليا لا يفصل فيها بناء على حيثيات القضية. وياكد السيد محمود المنتصر ان هذه الازمة لم تكن متوقعة عندما تم تأسيس الدولة تحت رعاية الامم المتحدة بنظام ملكى دستورى وما كان يعتبر مسار متنور، ديموقراطى، ومتطور.
 
اخذ على الجربى تقريبا نفس وجهة نظرالمنتصر وشارك شعورالاخير بالنسبة لما قد يكون تأثير الازمة على رأى الامم المتحدة او الراى العام العالمى. وقال انه لم يكن متوقعا ان ليبيا كانت ستتجه على النهج الحالى وانه لو نظاما ملكيا دكتاتوريا سيحكم، هذه ستكون خطوة للخلف بالنسبة لليبيا. الجربى ليس بصحة جيدة كافبة لتسمح له بالقيام بدور فعال فى الشؤون السياسة ولكن يتابع التطورات الحالية عن قرب. كان هو قلقا كثيرا على مستقبل بلده، ولكنه لا يرى الا صعوبات فى المستقبل حيث ان الحكومة الاتحادية ضعيفة للعمل بفاعلية فى ظروف مثل الظروف الحالية. وضح لى بان ليس لديه اى رغبة فى منصب وزارى و حتى تتحسن صحته بالكامل وعندها فهو لن يقبل الا بمنصب وزارى فى الخارج.
 
أعلمنى محمود المنتصر بانه رفض بكل تأكيد منصب وزير مفوض او سفير الى لندن. يرغب هو فى الابتعاد عن السياسة والاهتمام بالاعمال الخاصة للمستقبل القريب. راى هو انه قد يكون ارتكب خطا فى عدم قبوله منصب لندن لان هذا سيبعده عن الوضع الراهن وتسمح له بالعودة مستقبلا ويداه حرتان لتكوين وزارة اخرى اذا طلب منه ذلك. سالت المنتصر فى اذا ما كان يرغب فى تكوين او رعاية حزب معارض. نفى المنتصران يكون عنده اى رغبة فى القيام بذلك، حيث ان هذا ليس فى مصلحة وحدة ليبيا. ولكن عندى شعور بانه لا يستطيب ان يكون دوره خامد وانه غير سعيد بوضعه خارج مجرى الاحداث المتحركة بسرعة. انه بكل تاكيد من المؤسف لليبيا ان يكون هو غيرمنتفع به لخدمة بلده فى وقت هام كهذا.
 
من فضلكم ارسلوا نسخ الى لندن، باريس، روما، والقاهرة.
 
هنرى س. فيلارد
 
صورة الوثيقة الاصلية
 
 

 

 


راجع:

   ليبيا من ملكية الى جمهورية 1966

   الموثق التاريخى: احداث يناير 1964(مقابلة علي الساحلي مع السفير الأمريكي)

   الموثق التاريخى: السفير الامريكى يرصد الاوضاع فى الشارع الليبي بعد احداث يناير 64

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com