14/05/2008
 

هل العرب على شفا عصر التنوير؟
 
بقلم: عمر الكدي

 
إذا كان سيجموند فرويد قد ركز على اللاوعي الفردي، فإن تلميذه كارل يونغ ركز نظريته على اللاوعي الجمعي، ويميز يونغ في نظريته بين نوعين من اللاوعي. اللاوعي الفردي الفرويدي، والذي تكون من خلال الخبرة الشخصية، بما في ذلك الخبرة المنسية، مثل الأحداث المؤثرة التي حدثت لنا في طفولتنا المبكرة، والتي نسيناها، ولكنها في الحقيقة ظلت محفورة في مكان ما لا نعي وجوده، وهذا يفسر خوف البعض المرضي من شيء ما، نتيجة لخبرة مبكرة ومؤلمة من هذا الشيء، أما النوع الثاني من اللاوعي فهو اللاوعي الجمعي، والذي يشمل كل موروثنا ومعتقداتنا التي وصلت إلينا من أسلافنا البعيدين، والتي تنتقل وتتجذر في نفوسنا من خلال التربية، والثقافة، واللغة، وهي بهذا ليست موروثا جينيا، لابد أن يظهر تأثيره حتى عندما يولد المرء ويعيش في مجتمع آخر له لاوعيه الجمعي المختلف.
 
وإذا كان اللاوعي الفردي مبهما، يحتاج إلى سنوات طويلة ليكشف نفسه للعين الخبيرة، والعقل المتأمل، فإن اللاوعي الجمعي يملك كل وسائل التعبير، التي تعينه على إبراز نفسه بوضوح شديد، ولكن ليس كل شخص يستطيع اكتشاف لاوعيه الجمعي، إلا إذا كان قادرا على التحديق في هذا الوعي ونقده، وحتى يحدث ذلك فلابد له من أن يتشبع من هذا اللاوعي، وأن يفهمه من خلال سياقاته التاريخية، وأن يتمكن من تحليله بطريقة إبداعية، وليست طريقة نقلية، سواء كان هذا النقل عن طريق تجلي تاريخي ينتمي لهذا الوعي، مثل الرجوع إلى أبن خلدون وأبن رشد وغيرهما في الثقافة العربية، أو عن طريق استخدام النظريات الحديثة كما طبقت على مجتمعات أخرى يختلف وعيها الجمعي.
 
ثمة لاوعي جمعي إنساني تشترك فيه كل البشرية، مثل تحريم أكل البشر، حتى وإن حدث أن أكل بعض البشر لحوم بعض، وتحريم نكاح المحارم، حتى وإن لم يختف هذا السلوك في أرقى المجتمعات، وأيضا الخوف من الزواحف حتى وإن لم نشاهد في حياتنا أفعى واحدة، ولكن الذي يقصده يونغ دون غيره، هو اللاوعي الذي يستند على النظام الثقافي، والذي يجعل العربي يختلف على السويدي أو الياباني، وهو اللاوعي الذي لا يزال يفعل فعله في المجتمعات التي لم تصل إلى عصر التنوير بمفهومه الأوروبي.
 
لقد سمي ذلك العصر بعصر التنوير والأنوار لأنه تمكن من كشف منابع اللاوعي الجمعي الأوروبي. لم تكن التجربة سارة، كانت مؤلمة بشكل لا يطاق على الصعيدين الفردي والجمعي. في الحقيقة تمثل أهم مكتشفات هذا العصر جروحا نرجسية لا تزال واضحة في الوجدان الأوروبي. من علم الفلك إلى التاريخ الطبيعي. في البداية اكتشف العقل الأوروبي أن الأرض ليست مركز الكون، كما يقول كل أسلاف البشر على وجه البسيطة، وإنما هي كوكب صغير، يقع في أطراف مجرة تحتوي على 100 مليار نجم، وان الإنسان يشبه القرد في الكثير من التفاصيل الدقيقة، حتى رجح دارون أن يكونا أقرب الأقارب بين كل حيوانات الكوكب، لكن المجال الأكثر صخبا، هو تحليل أصول اعتقاداتنا الدينية، وأوهامنا العرقية، ومحاولة تفسير السلوك العجيب لتاريخ الأمم والثقافات، ولماذا تنهض وتنهار الأمم.
 
من كان يتوقع مثلا بعد كل تلك الانطلاقة المبكرة لمصر أن تكبو على هذا النحو العجيب؟ بينما بدأت نهضتها قبل اليابان، لدرجة أن اليابان أرسلت بعثة لمصر، لدراسة تجربة محمد علي في إيفاد أول بعثة دراسية لطلاب مصريين إلى فرنسا. ربما يعود سبب الفشل إلى أن البعثة المصرية لم تهتم إلا بالجانب الفني والتكنولوجي من التدريب، ولم تكن لها القدرة على معرفة الأسباب التي جعلت الفرنسيين أكثر تقدما من المصريين، حتى رفاعة الطهطاوي، الذي رافق البعثة الأولى كمرشد ديني للطلبة، لكونه شيخا أزهريا في مقتبل العمر، لم يتمكن للآسف بالرغم من أنه تحمل الصدمة الثقافية والحضارية الأولى، التي عصفت فيما بعد بكل هذا الشرق، ولكنه اكتفى بالسطح دون أن يكون مؤهلا للغوص في الأعماق، وتحدث باستفاضة عن النظام السياسي، وغطى كل الجوانب المهمة من فرنسا مطلع القرن التاسع عشر. كان الطهطاوي متشبعا بهذا الشرق، ويكاد يكون ممثله بامتياز، ليس فقط لكونه مصريا، وإنما رجل دين كانت مهمته الأساسية حراسة اللاوعي الجمعي الذي يحمله هؤلاء الطلبة، وبالتأكيد الأغلبية المسلمة الحاكمة في مصر لم تكن تحبذ أن يعود من أوفد من المسلمين مسيحيا، ولكن الطهطاوي كان أكبر من هذه المهمة الصغيرة، وكان ذكاؤه الحاد، ورهافة حسه، وطبعه الجسور المقتحم جعله يعكس في كتابه "تلخيص الابريز في محاسن باريز"، واحدة من أكثر التجارب انبهارا ورعبا في التاريخ العربي الحديث، والذي كان يعني أن العرب والمسلمين اكتشفوا من خلاله أنهم متخلفون، أما رحلة البحث عن الأسباب فهذا ما لم ينته بعد، فمن سؤ حظنا أن اللاوعي الجمعي محمي بأنظمة لا تخلو من تعقيد، وعندما يشعر أنه يتعرض للخلخلة، أو حتى للتفحص، يدافع عن نفسه بشراسة عجيبة، ليس فقط في الثقافة العربية، وإنما في كل الثقافات. أنه لا يدافع فقط على نفسه من خلال رموزه التاريخية، التي تركت تجربتها ليس فقط في بطون الكتب، وإنما في سلوك يومي محدد، بالطقوس والعادات والتقاليد، وفي أسوأ مراحل استحضار هذا اللاوعي الجمعي، تعود لحظات تكون هذا اللاوعي المبكرة، والتي تنتمي إلى قرون وحقب تاريخية بعيدة، إلى الانبعاث من جديد، لتمشي في شوارع هذا القرن، والشيء الوحيد الذي يميزها عن لحظة ميلادها البعيدة، هي تماهيها التكنولوجي والسياسي مع العصر الحديث. لم يعد رفاعة الطهطاوي ضروريا للسفر مع طلبة هذا العصر، ففي مدينة مثل لندن في هذا اليوم، يمكنك رؤية كل أسلافنا في ميدان البيكاديلي. إن الأمر أبعد من فشل أنظمة بائسة مفلسة، فشلت حتى في إطعام شعوبها بالخبز الحاف، لذلك يبدو الأمر مؤلما وبشعا بشكل لا يطاق. حتى في أوروبا الآن لا يزال النظام القديم يحتل هامشا ما على ناصية الشارع، ويجلس على مقاعد معزولة في البرلمانات. بعض هؤلاء لا يذكرني فقط بأسلافي البعيدين، وإنما أيضا بأسلافي الذين يعيشون معنا هذه الأيام.
 
عمر الكدي

 


* سبق نشر المقال في صحيفة العرب القطرية
 

تعليقات القراء
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 
تعليقات القراء

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com