26/05/2008
 

لاءات ليبية
 
بقلم: جودة الفاخري

 
في الآونة الأخيرة سادت حالة من الاستنكار، خاصة بين أوساط الطالبات الدارسات في الجامعات الليبية، وذلك رداً على القرار الأخير والذي طُبق على وجه الخصوص في جامعة قاريونس والكليات القزمية ــ مدارس تحولت بقدرة قادر إلى جامعات ــ المنتشرة في الضواحي القريبة منها، والمناطق البعيدة عنها(الكفرة)، والقاضي بمنع إعفاء اللحية، أو ارتداء النقاب على الطلبة والطالبات الدارسين بالجامعة ـ واللي مش عاجبه ايروّح ـ وحجتهم في ذلك أنها أصبحت من الأقنعة التي تخفي وراءها مآرب أخرى، وحجتهم داحضة، وعليهم غضب من الشعب وربما من الله جل شأنه، لأن الواقع خير شاهد على انعدام العلاقة بين المظهر الخارجي، والثوابت الداخلية الجوهرية، ولست بحاجة للتذكير بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، ألم يكن منفذيها حليقي اللحى، بل وحتى الرؤوس، بيد أن الثوابت التي كانت تعتمل بداخلهم أو الأفكار التي زرعت في عقولهم من أن دخول الجنة مرهون بتنفيذ هجمات كتلك، لم تسقط بسقوط شعرهم إبان حلقه.
 
ولا يوجد عاقل على وجه الأرض يقف حاجزاً أمام تعلم المرأة، إذ نحن بحاجة لها كمتعلمة، وليس كأعدادٍ زائدة لرفع الكثافة السكانية، أو ضابطة في الجيش، ولكن تعلمها ليس مبرراً يخولنا إزالة ثوابت معينة ومقدسة ،سواء من ناحية الشرع، أم من الناحية الاجتماعية، خاصة وأن المجتمع الليبي يعتبر إلى حد ما من المجتمعات العربية المحافظة.
 
وفي إحدى قاعات المحاضرات بالفروع التابعة لجامعة العرب للعلوم الطبية قام عضو هيئة تدريس سامحه الله وطالب بإلحاح إحدى الطالبات المحجبات أن تنزع عنها حجابها، فأطلقت صرخة غاضبة غيورة "ما سدكش اللي اتشوف فيهن"، وأخرى تقول "كنا نخجل كلما مر أمامنا أحد الطلبة، ولكن هذا القرار جعل الخجل يذهب عن وجوهنا رويداً".
 
وبين مؤيد للقرار، ومعارض له، تختلف وجهات النظر في الأوساط المعنية من الطلبة الدارسين، فثلة ترى رؤية الجهات الحكومية، والأمنية، من أن الحجاب واللحية من علامات الزندقة الكبرى، ومدعاة لإثارة عديد التساؤلات حول من يؤمن بهما كفكرة، أو يطبقهما كمذهب، أو يتخذها نقاباً لغاية في نفسه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا أطلقنا العنان للالتزام الديني فمن سيجالسهم وراء الكواليس ؟ ومن سيداعبون ؟ ومن سينادمهم في احتفالهم بعيد الحب وغيره ؟ وقصارى القول فإنهم ومن يتبعونهم على خلاف الصواب، إذ لا علاقة لكل ما يدعونه من مزاعم بالمظاهر الخارجية، ثم إنه من غير الإنصاف أن نعمم وصفاً على جماعة معينة، قياساً على تصرف صادر من شخص أو مجموعة أشخاص بعينها.
 
وثُلة أخرى معارضة للقرار، وترى أنه يخول الجهات التي أصدرته التدخل في الحريات الشخصية ويتنافي مع ما تنص عليه قوانين حماية الحرية وتعزيزها.
 
وبنظرة عابرة لقانون تعزيز الحرية ، وكان من الأقرب للصواب لو قيل تقييد الحرية، والذي عرفته قبل أن التحق بكلية القانون، حيث دفعني للاطلاع عليه تصدره لكل قرارات الإدارة الليبية، وليس بأقل شأناً من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان الغائبة، حيث نصت المادة الأولى منه على أن (المواطنون في الجماهيرية العظمى ـ ذكوراً وإناثاً ـ أحرار متساوون في الحقوق والواجبات).
 
ولكن لابد من التعقيب على هذا النص، إذ هو ينبئ بشيئين اثنين، أولهما إما أن البلاد تصدر قانوناً معيناً ثم تنساه أو تتناساه، أو تغضض الطرف عنه لسبب أو لآخر، وإما أن مشرعيها لا يعلمون القانون إلا أماني وإن هم إلا يظنون.
 
ثم إن الليبيين ليسوا أحراراً في بديهيات حياتهم الشخصية ليعانقوا الحرية في مجالات أخرى، فإن كان هذا القرار يمنع أن يعتق الشاب لحيته، أو أن ترتدي الفتاة حجابها، فلا تعجب إن صدر قراراً آخر في الغد يمنع ارتداء ملابس معينة أو تطبيق سنة حميدة، أو لربما صدر قراراً يمنع حلق العانة أو نتف الإبطين، ويقولون أن الليبيين أحرار، بئست الحرية تلك، حرية لا طعم لها ولا حرمة.
 
ومن منظور آخر، كيف نصدر قانون الحرية ونحن لم نحرر الحرية، ولم نضع لها إطاراً بعد،فيجب أن نتفق على تعريفها، وأبعادها، وخطوطها الحمراء، ثم نصدر قانوناً يحميها ويضفي عليها صفة القداسة، أما أن يكون الأمر مجرد كتابة فهذا كقلته بل يعد ضرباً من الهراء.
 
ولننتقل لاستقراء إحدى الضواحي القريبة من اجدابيا وهي منطقة البيضان، وبما أنها لا توجد بها جامعة وطالباتها المؤهلات للدراسة الجامعية سينتقلن إلى الدراسة في اجدابيا ويمضين سنوات الدراسة جيئة وذهابا بين البيضان واجدابيا طلباً للعلم، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه وبإلحاح هل سنكرههن على البغاء إن أردن تحصناً ؟ أم على قلة الحجاب إن أردن تحجبا؟ أم أننا سنزرع بتطبيق هذا القرار الممقوت انشقاقاً بين أفراد الأسرة الواحدة، ونخرج الفتاة عن طوع أبيها، فهل الحرية تعني الهمجية؟ أم لديكم تفسير آخر ؟، خاصة وأن فتيات الأرياف بالذات لا يرين الحضارة إلا من منظور واحد، وهي طلب العلم، والالتزام بالدين، أم أن هذه القرارات ومثيلاتها تستهدف القضاء على الحياء الذي هو شعبة من شعب الإيمان، الم يبقى في ليبيا ما يُشوّه لنخدش جمال هذه الأرياف الطاهرة؟، الم تكن هذه صفة الأرياف يوم أُذيع البيان الأول للثورة، أم أن الثورة قررت التراجع عن شعاراتها المدوية والدخول للعصر الأمريكي بدونها ؟.
 
وعلى ذكر الشعارات، الم تتخذ ليبيا من القرآن الكريم شريعة لها؟!، أليس ما ورد في ذاك القرار يتنافى مع ما نص عليه القرآن الكريم، إذ لم ينص في أي آية من آياته على نزع الحجاب، أم أنهم أصبحوا من الراسخين في العلم ونحن لا نعلم؟.
 
أم أن هذا القرار يأتي تمهيداً لإجبار الطلبة على الإيمان بفكرة إلغاء الجامعات العامة وخصخصتها حتى لا تذهب الثروة التي لن تأتي بعيداً ؟، وربما كان الدكتور الطاهر الجهيمي الذي تقلد منصب عميد الجامعة مؤخراً ورقة تستخدم لإنجاح هذه السياسة الفاشلة في مهدها.
 
وأنا إذ أدعو الدولة لدراسة قراراتها، وقوانينها قبل إصدارها، وتكييفها بما يوافق الأعراف والعادات الليبية، فإنني لست منادياً بحياة التقشف، أو داعياً للانفتاح الذي لا تحمد عواقبه، بل إنني داعٍ إلى الوسطية التي بها نادى القرآن الكريم ونظمها، وليست اللامبالاة التي عززتها القوانين الوضعية نزولاً عند الرغبات، وتمشياً مع الأهواء.
 
وبنظرة عامة لبعض الشعارات والقوانين الليبية وبالأخص الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان التي ترى أن الإنسان الليبي حر ولا يؤاخذ بجريرة أقرب الأقارب له، وهذا ما ليس صحيحاً، إذ هو اليوم يؤاخذ بأفعال اقترفها غيره، وأتت عواقبها عليه، فلا يستطيع الشاب أن يعفي لحيته لأن اللحية إضافة لكونها كما أسلفت من أمارات الزندقة الكبرى فإنها أيضا علامة من علامات الإرهاب، فهل اتفقنا على تعريف الإرهاب حتى نتفق على علاماته ؟ أم أننا عرّفناه بأنه مرض فجائي عارض يبدأ بإعفاء اللحية وينتهي بتفجير انتحاري، أم يبدأ بارتداء فتاة لحجابها بغرض العفاف لنراها وقد حملت سفاحاً.
 
نحن بحاجة لإعادة حساباتنا في كل شأن من الشؤون الليبية، وإذا كنا في الماضي قد أطلقت على ألسنتنا لاءات عدة، بعضها صائب وجلها مخطئ، فهل لا تزال إحداهن على قيد الحياة لنطلقها أصالة، لا للتدخل في حياتنا الشخصية، ونجعلها خطاً أحمر يمتاز بالقداسة.
 
لقاؤنا يتجدد وللحديث بقية.
 
جودة الفاخري/ اجدابيا ليبيا
 

مقالات سابقة:

 

  الى اين نمضي؟

  ما خفي كان أعظم

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 
تعليقات القراء
محمد: السلام عليكم , لن اقول اخى حتى تعتذر من جميع المسلمين لما ارتكبت من خطاء فادح فى كلامك على السنة فأرجوك الا تكن غير سنى.

سالم الهونى: يااخ جودة انا معاك فى كل الكلام الذى قلتة لكن موضوع للتذكير بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، ألم يكن منفذيها حليقي اللحى، بل وحتى الرؤوس، فانا لااتفق معاك فى هذا الكلام وبعدين ماعلاقة حلق الرؤس انت قلت فى مقالتك بل حتى حالقين الرؤس وشكرا.

ابوعبدالله الليبي: اخي جودة الفاخري... الرجاء منك عدم التهجم علي سنة النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ ووصفها أوصاف مشينه وهذا يعاب عليك كاكاتب مستقل ومثقف لماذا تصف في اللحية بأوصاف هي من شعارات أجهزة الامن الداخلي واللجان الثورية في البلاد. وانا اقولها لك بكل صراحة لا استبعد سجن في القريب العاجل...

مناضل من أجل العدالة والدستور: صباح الخير ،، أحييك أخي جودة على هذا الطرح الهادف وهذا الصمود في وجه المد العاصف لرجال الحكومة الليبية الطغاة،وأعلم أن لكل ظالم نهاية وأن حقك طالما كنت مستند فيه لقانون صريح وإن كان معطلاً إلا أنه سيفصل في قضيتك كما تحب خاصة وأنها أصبحت على المكشوف ومن الذكاء أن تقوم الحكومة الليبية بتسوية النزاع القائم حتى لا يثير ضدها جبهات دولية حقوقية خاصة وأنها أصبحت من الدول الحقوقية كما تزعم فإن كانت لا تستطيع الحفاظ على أبسط حقوق مواطنيها فكيف يمكنها أن تحمي حقوق من هم في أقصى العالم. مجدداً وفقك الله ولك خالص التحيات.

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com