20/05/2008
 

الى اين نمضي ؟؟
 
بقلم: جودة الفاخري

 
كثيراً ما يتردد القول بأن ليس للبلاد قانوناً يحكمها، أو بمعنى آخر ما هي إلا مُنتجعاً ـ نجع ـ لا كبير له، وربما نكون ضمن القائلين بذلك، وما أن يُلم بأحدنا خطبٌ ما حتى تتسع مداركه ويطّلع ولو بمرورٍ سريع على نصٍ أو عدة نصوص قانونية مُحكمة، تنظم أمراً من الأمور، وسواء كان صاحب الضائقة القانونية جانيأً، أم مجنياً عليه، أو حتى صاحب حق مدني بخس. ولا يكاد يجد نصاً رثاً، أكل عليه الدهر وشرب، حتى يبدأ التهلل على وجنتيه بعد عبوس، وكأنه قد نجا من موت محقق.
 
ويأتي عقب ذلك دور رجال القانون المناط بهم تطبيق صريحه وتفسير نصوصه، ولكن ما يدعو للاستهجان، أو الاستغراب، وقوفهم مكتوفي الأيدي إذا كان الجاني في جريمة ما سواء كانت جنائية، أم مدنية، رجلاً من رجال الحكومة ـ أو الثورة كما يسميها البعض ـ الذين صاروا سيوفاً مسلطة على رقاب العباد، وأيدي لنهب وتبديد خيرات البلاد، وهتك حرمة القوانين ، والأعراف ، انطلاقا من شعارات مختلفة، أقلها حماية الثورة، والدفاع عنها، والدعاية له ، وممارسة أي تصرف غير أخلاقي تحت مسميات عدة، بين اللواء فلان، والعقيد فلان، والحاج فلان، وابن المسؤول فلان، وما إلى ذلك من سبيل.
 

معادلة تطبيق القانون في ليبيا

 
وربما يتساءل البعض عن سبب هذه المعادلة التي جسدها شعار القانون أو العدالة الغائبة في ليبيا، إلا أن ذلك لم يكن عبثاً أو تهجماً على سلطة البلاد ورجالها وأجهزتها الأمنية المماثلة لخيوط العنكبوت شكلاً ومضموناً، ففي الفترة الأخيرة احتدم الصراع بيني وبين شركة الأفق الجديد للإنتاج الفني والخدمات الإعلامية ببنغازي وهي مملوكة للمدعو محمد مختار بوسيف (1) وربما كان من الأجدر قول (بوزيف) الذي عرف فيما بعد بالحاج محمد والكل يطلب رضاه ليرضى.
 
وانبثق الصراع نتيجة اعتداء صارخ من قبل المدعو وشركته المتمثلة في المتفيهق عزالدين بلاعو وزمرة من الجهلة، على مصنف دراسة أدبية يخصني (2)، وتلاعبوا به كما يروق لهم، دون قيد قانوني، أو إذن رقابي، وبعد أخذ ورد، أزمعت رفع النزاع القائم للإدارة العامة للمطبوعات، حيث أن من صميم اختصاصها سحب أي مصنف لا يحوز إجراءات طبع أو تداول سليمة.
 
وما أن ولجتُ طرابلس في التاسع من فبراير 2008 حتى تلقيت اتصالا هاتفياً من رقم لا أعرفه ، سألني إن كنت أنا جودة الفاخري وما أن أجبته بنعم، وما هي حاجتك، حتى أخذ يتهكم بأسلوب ركيك، وكأنه يريد الإيحاء لي بأنه حكومة لا يستطيع أحدٌ مقاومتها خاصة عندما قال: "أني مجيد ذياب القذافي، وشن المشكلة اللي دايرها عالكتاب امتاع بوارميله"، وبعثت له بعد انتهاء المكالمة رسالة قصيرة على محموله "ممكن نعرف من اللي عطاك رقمي وبأي صفة كلمتني" فأتصل بي صبيحة اليوم التالي وقال : أنه مكلف من لدن اللواء خليفة احنيش لحل هذا النزاع، للوهلة الأولى كان يدور في ذهني تساؤل هل انتقل خليفة احنيش من الجهات الأمنية الدموية إلى الجهات الاجتماعية والقضائية؟!، ثم رددت عليه بقولي ـ ما علاقة خليفة احنيش بالموضوع ـ، وبعد جدل طويل أقر لي في سياق حديثه أن ليبيا ليس فيها رقابة مطبوعات ولا قانون حماية حق المؤلف، وكشف النقاب في ذات الإبان عن جريمة أخرى ارتكبها العقيد علي الكيلاني بحق الشعراء المشاركين في مهرجان الفاتح للشعر الشعبي وليست هي صلب حديثنا، ولأنه كان بحوزتي قوانين حماية الملكية الفكرية وحماية حق المؤلف محلياً ودولياً، رجعت له القول والثقة تملأني، وإيماني بحقي يسيرني، الرقابة موجودة والقانون موجود وإن لم يكونا موجودين فمعنى ذلك أننا لم نكن في دولة طيلة ثمان وثلاثين سنة خلت.
 
وانطلقت في الصباح للإدارة العامة للمطبوعات، ولا أخفيك أن مديرها الأستاذ محمد الورفلي قد لاقاني بترحاب كبير ووعدني برد الأمور إلى نصابها وأحالني إلى مدير فرع الإدارة ببنغازي لسحب الكمية المطبوعة من الكتاب محل النزاع، وساقتني الأقدار وأنا في طريقي إليه للتعريج على دار الكتب الوطنية لأجد في انتظاري إفادة لدى قسم التزويد والتبادل والإهداء مفادها أن الكتاب الذي قام محمد مختار بنشره مزوراً ابتداء من تغير اسمه مروراً بتحريف رقمه وانتهاءً بالتلاعب بمتنه.
 
فانتقلت على وجه السرعة يغمرني الإحساس بأن ساعة الحسم في هذا الموضوع قد اقتربت، وستقرع أجراسها فور لقائي بمدير إدارة المطبوعات بنغازي الذي علّقت الآمال عليه في سحب الكمية المطبوعة عقب استبانته للأمر من المستندات والأدلة القاطعة، إلا أنه زاد الأمر تعقيداً بإصراره على عدم اتخاذ أي إجراء إلا بناءً على حكم محكمة، وكأن رجال القانون قد أفلوا ليحل هو محلهم.
 
وما هي إلا ساعة أو أقل منها بقليل حتى اتصلت به هاتفياً وأخبرته بأن الكتاب يوزع مجاناً في المكتبات فقال لي: إنهم قد وجدوا تصريح الطبع صادر باسم كتاب أقنوم الشِّعر وليس للكتاب الذي يوزع في السوق، وراودني الأمل مجدداً بأنه سيسحب الكمية المطبوعة من الكتاب لوقوفه على الأخطاء الفادحة التي وقع فيها بوسيف وزبانيته.
 
وما أن استدعى مدير الشركة المدعو عزالدين بلاعو، حتى قال لي: إن الشركة تريد القيام بإصلاح الأخطاء التي صدرت منها، وكأن شيئاً لم يحدث، وهنا أخذ إصراري على تمسكي بحقوقي يزداد، لأنه ليس من المعقول أن أتركها وهي جليةً.
 
وإلى هذا الحين لم تلقى هذه القضية تبنياً من رجال القانون، وكأن على رؤوسهم الطير، ربما خوفاً من البطش بهم أو بالأحرى تصفيتهم جسدياً، إن حاولوا التعرض لمحمد مختار ومن على شاكلته، أو ربما كانوا هم أيضا أيدي خفية للحكومة الليبية ولا يروق لهم أن يكشفوا أوراق بعضهم.
 
والإشكال ليس متعلقاً بنصوص قانونية، إذ هي موجودة واضحة، سواء كانت وليدة اليوم، من تلك التي باتت تصدر عن موسوعة التشريعات الليبية، أم من التي تلت استقلال الدولة الليبية وصاحبت بناء المؤسسات القانونية فيها، وإنما هو كامن ٌ في فقد رجال القانون الصالحين ، وليسوا من أولئك المرضى الذين اقترحوا علي ألا أرفع النزاع ضد هذه الشركة، وحجتهم في ذلك أن من الصعب قيام الجهات القضائية بملاحقة محمد مختار جنائياً، لأن علاقته بالمحامي العام (إبراهيم بوشناف) وطيدة، فاقض هذا الكلام مضجعي ودفعني للقول لذلك المحامي "إن كنت عارفاً بعلاقته بالمحامي العام ، فأنا على علمٍ بعلاقته بمعمر القذافي ، ولكن هذا ليس مبرراً لأسكت عن حقي ولو صار القاضي بيني وبينه هو معمر نفسه"(*).
 
وهنا يجدر بنا طرح تساؤلات عدة صلبها هل أصبحت رقابة المطبوعات مقتصرة على مراقبة ما يكتب في الصحف الليبية الركيكة كما وصفها بذلك سيف الإسلام القذافي في حديث له، وتركت الحبل على الغارب للبوسيفي وأمثاله ؟ أم أن الساحة لم تعد تتسع لهم وللرقابة سوياً، وهل فعلاً قررت هذه الأخيرة التنحي من أمامهم والتخلي عن مهامها تجنباً لصدامٍ حادٍ معهم؟ أليس هذا خير دليل على غيبة القضاء في ليبيا، وانعدام نزاهته، وعدم استقلال سلطته؟
 
فهل سيجد القانون الليبي سبيله للتطبيق؟ وهل سيفيق رجاله من سباتهم الطائل ؟
وهل سينقذون ما تبقى منه ؟ أم أنهم سيكبرون عليه أربعاً لوفاته؟
وهل سيكون للبلاد دستوراً يحمي حقوق وحريات أفرادها وينظمها؟
وهل سنضع عبارة ـ رد بالك منهم هضول حكومة ـ جانب الطريق ؟
 
أسئلة كثيرة، وربما باتت الأكثر شيوعاً وترديداً في الشارع الليبي، وما هي إلا نتاجاً للأعمال التخريبية الصادرة عن رجال الحكومة الليبية، والمتعدية لكل القوانين، والمنتهكة لشتى الأعراف، فهل سنعيد حل المعادلة القانونية بالشكل الصحيح، أم سننقلها بأسقامها لأجيالنا القادمة.
 
للحديث بقية...
 
جودة الفاخري
 
اجدابيا ليبيا
 

(1) محمد مختار بوسيف: أحد من صنعتهم الحكومة الليبية إبان أزمة لوكربي وما قبلها، ونقلته من دياجير الفقر المطبق إلى عالم الثراء الفاحش وصيرته من أصحاب الرساميل الضخمة بل والمؤثرة في الاقتصاد الليبي، ويكاد يسيطر بشكل كبير على عملية النقل الجوي في ليبيا، واتجه في الآونة الأخير للشعر الذي لا يعي فيه حتى الأبجديات وصار بفعل نفاق المقربين منه سواء داخل ليبيا أم خارجها الشاعر محمد مختار وإن الشعر من أمثاله لبراء.
(2) المصنف عبارة عن دراسة لعدد من قصائد الشاعر الليبي المعروف أحمد ارميله، حيث كان من المفترض أن تصدر تحت مُسمى أُقنوم الشِّعر أحمد ارميله، إلا أن محمد مختار وأذنابه كانت لهم روى أخرى، وانحنوا بالمصنف منحنى آخر ولست أدري ما هي دوافعهم لذلك التصرف المشين، وبالمناسبة ستنشر النسخة المنقحة الموجودة بحوزتي عقب فض النزاع القائم حول النسخة المزورة التي نشرها منتدى بو زيف للشعر والفنون.

(*) دارت هذه الحوارية بيني وبين أحد المحامين المعروفين في مدينة بنغازي ولم أشأ ذكر اسمه لأسباب خاصة .

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 
تعليقات القراء
مراسل طبرق: الله ينصرك وما ضاع حق وراه مطالب انت صاحب حق والخوف من الله فقط ونحن نفتخر ان ليبيا فيها رجال من امثالك.

سليم الرقعي: صحيت يا أخ جودة الفاخري .. وإعلم أنه ما ضاع حق وراء مطالب مؤمن بحقه وبعدالة قضيته .. أحييك على شجاعتك في مقاومة التهديدات وفي كشف ما توفر لديك من حقيقة وربي يحفظك من كل سوء .... أخوك الليبي الأجدابي.

ليبيا: الله يوفقك ياجودة  ويرعاك ويحفظك .. ومزيد من التالق والشفافية !! وانشاءالله يثمر ما تتناوله في ما ينوى من خطوات اصلاحية كان صار منها .؟؟

ليبي في المهجر: فعلاً إن ليبيا بحاجة لإعادة بناء مرتكز على دستور يحمي حقوق أفرادها وقانون فاعل لا يعلوه شيء وإن كانت السلطة الحاكمة في البلاد، مشكور على هذا الطرح الجرئ النابع من تجربة واقعية، وما أعجبني هو طرحك للموضوع بدون أي رتوش أو مجاملة، وفقك الله لما فيه خير ليبيا.

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com