25/05/2008 |
|
||||||||
|
|||||||||
كانت العائلة وكباقي العائلات مجتمعة فى احد أيام الله الكريمة.. فكان يوم الجمعة ونحن على مائدة الغذاء مجتمعين الأب وألام والأبناء والأحفاد.. بعد أن أدى ذكورنا صلاة الجمعة فى اقرب المساجد لبيت العائلة.. بالفويهات الغربية.. وكانت البهجة والفرحة وعلامات السرور واضحة وضوح الشمس على تلك الوجوه النيرة الطيبة الصافية النقية.. وجه والدنا رحمة الله عليه واسكنه فسيح جناته.. ووجه الوالدة أمد الله في عمرها ومتعها بالصحة والعافية.. والسعادة والسرور بعودتنا إلى أحضانها من غربتنا القاتلة.. وبعد صلاة العصر من تلك الجمعة .. وكعادته ((الشهيد/عابد)) مع ابنتيه "بلقيس وفردوس" كان معنا وغادرنا بصحبتهما الى شقته, وهو مبتسم مبتهج وكأنه يريد أن يوحى إلينا بأنه سوف يكون بخير دائما.. وافترقنا على آمل اللقاء المتجدد بيننا وفى الأحضان الدافئة.. فى بيت العائلة الكريمة.. وذهب كلا منا إلى بيته الصغير كلا منا يحمل بين طياته البهجة والسرور والفرحة بلقاء أولادنا معا مرة أخرى .. ودخلنا إلى حجرات نومنا منتظرين فجر يوم الغد الجديد فى عمرنا إن كان لنا فى العمر بقية.. ولكن تلك الليلة كانت مختلفة بالنسبة لشقيقنا ((الشهيد/عابد)) الذي كان على موعد مع قضاء الله وقدره.. فبعد منتصف الليل والله اعلم.. طرق باب شقته طارق الليل بموعد أو بدونه.. فكان له لقاء مع من رافقوه فيما بعد إلى الرفيق الأعلى صبيحة فجر ذاك اليوم الجديد الذي كنا فى انتظاره.. فكانت تلك صبيحة يوم السبت 25 مايو1996.. فإذا بطارق الليل ذاك كلا من الشهيد الكرامى والشهيد المسلاتى.لاذا بالفرار إلى حيث الأمن والأمان.. إلى شقة صاحبهما الذي احتضنهما بالترحاب,وذلك بعد تنفيذهما لعملية اغتيال السفاح (مقدم/مفتاح ابعيو) - احد رجال الأمن الداخلي الذى كان من اشد المعذبين للمعتقلين فى تلك الفترة -, ولكن تبدد أحلامهما بالأمن.. حيث كانت قوات الأمن المركزي والأمن الداخلي والصاعقة لهم جميعا بالمرصاد والمتابعة.. وتم تطويق المكان الملاذ الأمن الأخير لهم.. وفى نفس الصبيحة من ذاك اليوم.. كان رجال الأمن المدججين بالسلاح يقتحمون بيت العائلة الآمنة المطمئنة.. ودب الرعب فى نفوس الوالدين وشقيقنا الأصغر ((عزالدين)) الذي كان مقيما معهما.. وتم اقتياده معهم لكي يكون دليلا أو بالأحرى درعا بشريا لرجال الأمن الذين لا يملكون الشجاعة على مهاجمة أولئك الأسود الأشاوس فى عرينهم بشقة شهيدنا ((عابد)) فى الدور الخامس فى عمارة ((الصفاء))خلف شركة الخليج للنفط.. وفى محاولة يأسه قام رجال الأمن بإقحام شقيقنا الأصغر فى موقف لا يحسد عليه.. فى مواجهة الموت المحقق عند نشوب أية معركة مسلحة بين شهداؤنا البررة ورجال الأمن.. فكان ذلك فعلا قد وقع.. لان المحاولة اليأسة كانت تهدف إلى إن يسلم شقيقنا ((الشهيد/عابد)) ومن معه أنفسهم بعد أن خاطبه شقيقنا ((عزالدين)) المرغم على اتخاذ هذا الموقف الصعب الذي لاخيار غيره أمامه.. إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهيه السفن.. انطلقت من داخل الشقة حناجر الشهداء الثلاثة بالتكبير والتهليل معلنين الدفاع عن أنفسهم.. وعلى الفور انطلقت قنابل يدوية من داخل الشقة فى الوقت نفسه كان رجال الأمن قد لاذوا بالفرار عند سماعهم لتلك التكبيرات تاركين الضحية الدرع البشرى ((عزالدين)) فى مواجهة الموت وحيدا.. حيث تمت إصابته بعدد ثمانية وأربعين شظية,,ناجيا من الموت المحقق.. وبعد لحظات خرج الشهداء الأشاوس بكل ثقة وشجاعة للمواجهة الفعلية خارج العمارة.. فكان الشهيدين الكرامـي والمسلاتـي فى الطليعة ثم تبعهم شهيـدنا ((عابد)) الذي بدوره ودع شقيقه الغارق في دمائــه.. وكان الـوداع والفراق الأبـدي.. تاركا زوجته وابنتيه ((بلقيس وفردوس)) داخل الشقة فى انتظار المجهول القادم بعد لحظات.. واسمحوا لي ألان أن أنقلكم الى مشاهد تالية وأحداث مؤلمة.. تؤكد همجية وهنجعية النظام العسكر الرعديد من خلال التصرفات اللاانسانية التي ارتكبت على ايدى قوى البغي والشر من قوات الدعم المركزي والأمن الداخلي وقوات الصاعقة.. لكي تعيشوا معي المأساة التي عشتها شخصيا آنذاك ولكي تتصوروا مدى الفاجعة التحى ألمت بنا..أولا: بعد خروج الشهداء الأشاوس من العمارة وتبادلوا إطلاق النار مع القوات المدججة بالسلاح المرتعشة الايادى.. المرتعبة خوفا وهلعا من هول الموقف.. وفعلا كان الموقف غير عادى آنذاك.... فالشهداء الثلاثة لم يتم القبض عليهم أمام العمارة بالرغم من كونها والمنطقة بالكامل قد تمت محاصرتها.... وإنما ((الكرامى)) استشهد بمنطقة الرويســات وشقيقنا استشهد بمنطقة اللثــامة اى بعد مسافة تقدر بأكثر من عشرة كيلو متر.... أما ((المسلاتى)) فقد استشهد هو الأخر فى مكان بعيد عن العمارة..ثانيا: خرجت الأم والزوجة الصابرة من الشقة لتجد شقيقنا ((عزالدين)) غارقا فى دمائه وناولته شربة ماء.. ثم قام احد الجيران بنقلها وبناتها الى بيت العائلة.. وبعد حين تم القبض عليها وإيداعها فى مركز مكافحة الزندقة بحي العروبة تحت آمرة المقبور ((مقدم عبدالعزيز الخشمى)) * ومكثت هناك لمدة أسبوعين تقريبا..ثالثا: بعد فرار الشهداء الثلاثة..تمكنت القوات الهمجية من الدخول إلى العمارة مكبرين ومهللين بعد أن اطمأنت نفوسهم بان الخطر قد زال.. وصبوا جام غضبهم على محتويات الشقة بان قاموا يرمى أثاثها بالكامل من الطابق الخامس الى الساحة المجاورة للعمارة وتم إشعال النيران فى الأثاث.. وقام الأبطال من ورق من رجال الصاعقة والدعم المركزي بإفراغ مخازن أسلحتهم داخل الشقة الخالية من كل شئ..رابعا: لى تمام الساعة السابعة والنصف وما بعدها من يوم 25 مايو1996م تم إخطارنا من احد الأقارب بان الشهيد (عابد) ألقيت جثته أمام العمارة التي كان يسكنها.. وانتقلت رفقة بعض الأقارب الى حيث مكان الجثة.. فوجدت جسده الطاهر وقد تم لفه فى قطعة ((مشمع قذرة)) وتفقدت الجثة فوجدت أثار عدة أطلاقات نارية فى صدره.. وعندما نزعت القماش الذي لف به.. هالني المنظر حيث شاهدت أحشائه ونصف جسده الأسفل قد تمزق والأحشاء خارجه.. وذلك نتيجة علمية تفجير واضحة.. قمت بلملمة الجثة المتبعثرة.. ونقلها الى بيت العائلة بالفويهات الغربية.. حيث تمت عملية تنظيفه من الأوساخ العالقة به وتمت قراءة بعض آيات الكتاب المبين على روحه الطاهرة..وتعالت الزغاريد داخل البيت وكانت الوالدة حفظها الله ورعاها أول من زغردت على روحه الطاهرة.. وكان أملنا الكبير فى إتمام إجراءات دفنه بالمقبرة.. إلا أن تعليمات صدرت إلينا من قبل العميد/السنوسى الوزرى.. مسئول الأمن الداخلي.. بان نقوم مرغمين على إعادة الجثة إلى مكانها السابق.. وإلا سيتعرض بيت العائلة الى الهدم من قبل اللجان الثورية والدعم المركزي حيث كان البيت فعلا تحت المراقبة والمحاصرة.. وقام الأصدقاء بإعادة الجثمان الى العمارة ومن هناك قام رجال الأمن بنقلها الى حيث يعلم الله وحتى يومنا هذا لا نعلم أين مكان دفن الجسد الطاهر.. وليس هذا فقط.. بل صدرت الأوامر بعدم إقامة المآتم وتلقى العزاء.. ولم يتم منحنا شهادة الوفاة.. الأمر الذي جعلني الجأ للقضاء للحصول على شهادة الوفاة بحكم من المحكمة (*)خامسا: فى هذه الأثناء تم القبض أيضا على شقينا الثالث ((الصديق)) للتحفظ عليه واستجوابه.. وأفرج عنه بعد منتصف الليل.. أما شقيقنا المصاب.. فقد تم نقله إلى مستشفى الجلاء فى العناية المركزة.. وفوجئنا بعد يومين بأنه قد تم نقله إلى مركز مكافحة الزندقة للتحقيق معه وهو فى حالة يرثى لها نتيجة الإصابات البليغة التى تعرض لها.. وتم حجزه فى احد أماكن الحجز التابعة للمقبور ((عقيد ابراهيم الشريدى)) ** وبعد ثلاثة أيام أفرج عنه ولم نتمكن من إعادته لمستشفى الجلاء لاستكمال علاجه,,حيث امتنعت إدارة المستشفى من قبوله باعتبار إن العملية أمنية وبان دخوله فى أول مرة لم يكن باسمه الحقيقي.. الأمر الذي جعلنا نقوم برعايته الطبية داخل البيت..ولكن.. فداك يا وطني.. فداك يا شعبي.. شهدائنا.. أبنائنا وأشقائنا وأصدقائنا.. أمهاتهم الثكالى وزوجاتهم الأرامل وأبنائهم اليتامى.. نترحم عليكم شهدائنا فى كل مطلع شمس وغروبها. في كل لحظة يرتفع فيها صوت الحق منايا للصلاة لكي ندعو لكم عقب كل صلاة.. نشد على أيديكن أيتها الثكالى والأرامل.. نمسح دموعكم أيها اليتامى.. ونعاهدكم بأننا على نفس الدرب سائرون حتى الخلاص النهائي من هؤلاء الطغاة الذين عاثوا في البلاد رعبا وفساد, شقيقي يا أبن أبى وامى.. أنت دائما معنا في الذاكرة.. دموعنا تنهار دوما لذكراك.. ارجوا أن تعذرنا على ذلك فالمصاب جلل.. وفقدانك الم.. وغيبتك حسرة وحزن.. آهاتنا وأحزاننا وآلامنا لن تنتهي حتى نصل إلى ذلك اليوم الذي من اجله وهبت روحك ودمك.
كيف نضمد جراحاتنا والآهات
والأحزان تلفنا
|
|||||||||
حسن احمديهعضو |
سليمان عوض زوبىرئيس الدائرة |
موسى الجبالىعضو |
مقالات أخرى للكاتب:
تعليقات القراء |
|
|
صابر العتباوي: بسم الله الرحمن
الرحيم... ((ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وما بدلوا
تبديلا..)) صدق الله العظيم.. كل تراب ليبيا يأخي أرض زكية وطاهرة
بدماء شهداءنا الأبرار.. وبلادنا موعودة (بإذن الله) ورغم كل هذه المحن
أن تعود وتنطلق كما أراد لها أجدادنا من جنود الجهاد والاستقلال..
ولتنمحي عنها وتغتسل كل براثن الدخلاء والعملاء والطامعين..
|
|
|