08/05/2008

 الذكرى الرابعة والعشرين لمعركة معسكر باب العزيزية *

سياق ... ودلالات .. وعبر

 

بقلم: بقلم: د. محمد يوسف المقريف


 
منذ اكثر من اربعة عشرقرنا نزل الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مجلجلا وقارعاً "ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا اخرجنا من هذه القرية الظالم اهلها، وأجعل لنا من لدنك وليّاً وأجعل لنا من لدنك نصيراً" (النساء 75)
ومعطيا الاذن للمظلومين أن يقاتلوا ظالميهم: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وأن الله على نصرهم لقدير"
(الحج 39)
 
ومنذ اكثر من خمسين عاماً صدر الاعلان العالمي لحقوق الانسان منبها ومحذراً في ديباجته حكومات العالم من ممارسة الطغيان والاضطهاد لشعوبهم وأن ذلك مدعاة لأن تلوذ الشعوب المضطهدة الى التمرد .. حيث يقول الاعلان: "ولما كان تجاهل حقوق الانسان وإزدراؤها قد افضيا الى أعمال اثارت وحشيتها الضمير الإنساني، وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة، وبالتحرر من الخوف والفاقة كأسمى ما ترنوا اليه نفوسهم ، ولما كان من الأساس أن تتمتع حقوق الانسان بحماية النظام القانوني، إذا أريد للبشر ألا يضطروا آخر الامر الى اللياذ بالتمرد على الطغيان والاضطهاد".
* * *
 
مع نهاية شهر ابريل من عام 1984 كان القذافي ونظام الحكم الهمجي الذي اقامه ، قد مارس ابشع صور الطغيان والاضطهاد بحق الشعب الليبي، رجالا ونساءً ، وشيوخاً وشباباً، وأفقد حياة الليبيين الامن والامان وكافة الضمانات وشتى صور الحماية الدستورية والقانونية.
 
وربما يكفي ان نشير في هذا السياق الى أن القذافي – فضلا عن كافة صور القمع والاستبداد والظلم الاخرى التى مارسها بحق ليبيا وشعبها منذ الاول من سبتمبر المشئوم – شرع منذ أبريل 1977 وفي ظل نظامه الجماهيري المزعوم، في إزهاق ارواح العشرات من الليبيين على مرأي ومسمع العالم كله، لأوهى الاسباب وخارج نطاق كافة القوانين الوضعية والسماوية.
 
ففي ابريل من ذلك العام 1977 قام النظام بإعدام (25 ) عسكريا ومدنيا بعد محاكمات صورية جائرة.
 
وفي مارس 1980 قام النظام بإزهاق أرواح عدد من معارضيه داخل السجون كان من بينهم الدكتور محمود زكي بانون وعامر طاهر الدغيس ومحمد فرج حمّي ومحمد حسين الصغير.
 
وخلال الفترة ما بين أبريل ونوفمبر 1980 قام عملاء النظام بإغتيال عشرة من المواطنيين الليبيين في عدد من العواصم الاوروبية كان من بينهم الاذاعي الشهير محمد مصطفي رمضان والمحامي محمود عبدالسلام نافع وعدد من رجال الاعمال وأحد الدبلوماسيين السابقين وضابط سابق.
 
وخلال شهر ديسمبر 1980 قام عملاء النظام بقتل العالم الجليل الشيخ امحمد البشتى وعدد من طلابه بعد أن اعتدى عليهم داخل مسجد القصر بطرابلس.
 
وخلال الاعوام 1981 -1982 قام النظام بإزهاق ارواح عد من المواطنيين داخل المعتقلات وتحت التعذيب كان اغلبهم من الطلاب من بينهم منير دوزان، وصالح الكميتى وناجي بوحوية خليف وأحمد اسماعيل مخلوف كما كان من بينهم الشاعر الشعبي محمود شعيب السلطني.
 
وشهد عام 1983 قيام النظام بتنفيذ عدد من عمليات القتل السرية والعلنية في ابريل من ذلك العام فقام النظام بإعدام الطالب محمد مهذب حفاف شنقا أمام مبنى كلية الهندسة بجامعة طرابلس، كما قام بإعدام أربعة مدرسين فلسطنيين في ساحة احدى المدارس بمدينة إجدابيا وقتل ثلاثة أخرين سراً ورابع ليبي هو صالح على الزروق النوال.
 
واستهل النظام عام 1984 بإزهاق أرواح عدد من المواطنين الليبين داخل المعتقلات كان من بينهم رجل الاعمال مصطفى مفتاح بن عمران والمواطنين عبدالعزيز الغرابلي وعبدالرحمن الشرع ومحمد عمر النعاس ونوري الوداني وحسن احمد الكردي.
 
وخلال النصف الثاني من شهر ابرايل من العام ذاته قام النظام بإعدام الطلبة رشيد منصور كعبار في ساحة كلية الصيدلة وحافظ المدني الورفلي في ساحة كلية الزراعة بجامعة طرابلس ومصطفى النويري في ساحة جامعة بنغازي.
 
وليس ذلك فحسب فقد كان مؤتمر الشعب العام قد اصدر في السابع عشر من فبراير من العام ذاته (1984) قراراً بمواصلة التصفية الجسدية ضد المعارضيين للسلطة حيث أعلن ذلك المؤتمر أن "التصفية الجسدية هي مسؤلية كل مواطن ... وأن يد الثورة طويلة وستصل الى هؤلاء الكلاب الضالة اينما كانت .."
 
كان طبيعيا ان يردّ الشعب الليبي على ممارسات وجرائم واقترافات القذافي ولجانه الثورية واجهزته الامنية وجاء الرد في البداية من داخل ليبيا من قبل القوى الوطنية، عسكرية ومدنية ، تتمثل في عدد من المواقف الفردية والانتفاضات الطلابية والمحاولات الفدائية والعسكرية لإغتيال القذافي او الانقلاب عليه.
 
واذا كان عام 1979 قد شهد ميلاد المعارضة الليبية في الخارج كردة فعل طبيعية أخرى لهذه الممارسات، وكسند وامتداد للمعارضة في الداخل، فقد قدّر الله ان يكون العام 1984 هو موعد تلاحم المعارضة الليبية من داخل ليبيا ومن خارجها، وان يكون العام الذي تؤكد فيه الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا التى كانت قد تأسست في السابع من اكتوبر 1981 ان ميدان المعركة والمقارعة الحقيقي مع القذافي وزبانيته هو داخل ليبيا وفوق ثراها الغالي.
 
جاء ذلك الاعلان، وذلك التأكيد بأبلغ لغة عبر أحد مؤسسى الجبهة وقائد جناحها العسكري الشهيد البطل أحمد ابراهيم احواس الذي اصر ان يقود بنفسه كوكبة من فدائيي الجبهة وان يقارع بهم رأس النظام وزبانيته في عقر داره فيما عرف بمعركة معسكر باب العزيزية الخالدة يومي السادس والثامن من مايو من العام 1984.
* * *
 
لقد قيل الكثير وكتب الكثير ... ونٌظم الكثير حول هذه الملحمة الجهادية الفذة .. ولكننى على يقين بأنها سوف تبقى أعظم وأكبر وأخلد من كل ما كتب حولها .. وستظل عبرها ومعانيها ودروسها ودلالاتها قائمة أمام أبناء ليبيا وبناتها جيلا من بعد جيل.
 
وقد مضى اليوم على هذه المعركة العظيمة اربع وعشرون سنة كاملة.
 
واصل القذافي خلالها بغيه وطغيانه واستبداده وعسفه وسفهه وعبثه حتى جعل ليبيا تحتل مكانة "متقدمة ومتميزة" في سلّم التخلف والانحطاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الاداري والتعليمي والعلمي والصحي والمعيشي.
 
كما تعاظمت خلالها معاناة الشعب الليبي وصور حرمانه وتعرضه لشتى انواع الشرور والاخطار وانتهاك كافة حقوقه وحرياته الاساسية وتنفيذ المذابح التى ذهب ضحيتها الآف المواطنين الامر الذ جعل ليبيا تحتل موقعاً " متميزا وعالياً " في سلم انتهاكات حقوق الانسان على مستوى العالم.
 
كما تواصل استنزاف واهدار ثروات البلاد وخيراتها الطبيعية، المائية والنفطية، وسرقة ونهب ارصدتها وعائداتها المالية بشكل غير مسبوق في العالم.
 
كما واصل النظام من جهة أخرى خلال هذه السنوات الاربع والعشرين جهوده المحمومة التى تستهدف المعارضة الليبية في الخارج، فصائل وشخصيات بشتى الأساليب بهدف تشويهها وإرهابها وإفقادها الفاعلية والفتّ في عضدها بل وإنهاء وجودها كليّة فكانت:
 
حملات الافتراء والكذب والاشاعات المغرضة بحق رجالها ورموزها، اتهامات بالعمالة وبالجهوية وبنهب الاموال العامة.
 
المساعى من أجل الوقيعة وزرع الفتنة والخصومة بين فصائلها ورموزها عبر عملائه المباشرين وعبر اجهزة المخابرات الأخرى المتعاونة معه.
 
حملات التضييق على عائلات وأقارب هؤلاء المعارضيين داخل ليبيا وهدم بيوتهم واعتقال العديد منهم وممارسة شتى صور العقوبة الجماعية بحقهم (كما حدث في أعقاب عملية معسكر باب العزيزية نفسها وفي أعقاب حركة اوكتوبر / بنى وليد 1993 وفي أعقاب شتى المداهمات والمصادمات).
 
صور المبالغة في الانتقام من العناصر المعارضة في الداخل التى يشتبه في وجود صلة بينها وبين المعارضة بالخارج.
 
إستمرار استهداف عناصر المعارضة في الخارج بالاغتيال الشهداء (صالح بوزيد الشطيطي وعطية صالح الفرطاس وعبدالمنعم الزاوي وجبريل عبدالرازق الدينالي، الشيخ المبروك غيث الترهوني ومحمد عاشور فحيمة ويوسف صالح خربيش وعلى ابوزيد، والشيخ محمد بن غالي) وبالخطف (منصور رشيد الكيخيا) هذا فضلا عن محاولات الاغتيال العديدة الفاشلة.
 
خلق كيانات معارضة مزيّفة (من امثلتها طلائع تحرير ليبيا وكتائب الوعد الحق) واستخدام مواقع وغرف الانترنت بكثافة لتحقيق اهدافه في تشويه المعارضة والوقيعة بين فصائلها ورموزها من خلال استخدام اسماء معروفة بعمالتها للنظام أو من خلال اصوات وأقلام تستخدم اسماء وهمية.
 
التضييق على النشاط السياسي والاعلامي لعناصر وفصائل المعارضة اقليميا وتقديم اغراءات مادية طائلة من أجل اقناع بعض الاطراف العربية بتسليم عدد من المعارضين المقيمين في حمايتها ورعايتها (كما حدث مع نوري الفلاح (1984) وجاب الله حامد مطر وعزات يوسف المقريف (1990).
 
استخدام الاغراءات المادية والوعود الشخصية لإستدراج اعداد من "المعارضين" بالعوة للبلاد، ومحاولة الايقاع بأخرين في شرك "الحوار والمصالحة" مع النظام بمختلف الحجج التى تتراوح بين "حماية الوحدة الوطنية" و"الحيلولة دون وقوع الوطن فريسة لأخطار وشرور خارجية وحروب اهلية". ومع اختلاف المروّجين لهذه الاغراءات والوعود (من أحمد قذاف الدم وابو ضاوية الى عبدالله السنوسي وسيف القذافي وموسى كوسة) اختلفت المشروعات الوهمية المطروحة من قبلهم للمصالحة الوطنية من "حكومة إصلاح وطني" برئاسة عبدالمنعم الهوني في عام 1992 الي مشروع "إصلاح وطني" يسمح بهامش من "الحراك السياسي المدجّن" المبرمج برعاية "القائد الوالد" ونجله الذي يجمّل النظام ولا يخدم قضية الشعب الليبي الجوهرية.
 
ومن جهتها فقد واصلت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وغيرها من القوي الوطنية الليبية في الداخل والخارج، على امتداد هذه السنوات الاربع والعشرين الماضية مقارعة القذافي ونظامه الدموي، والسعي للإطاحة به وإنهائه في ظل ظروف إقليمية غاية في الصعوبة وأوضاع دولية أبعد عن المواتاة والمؤازرة، وسقط المزيد والمزيد من الشهداء على طريق شهيدنا البطل أحمد احواس ورفاقه.
 
غير انه وللأسف الشديد فقد شهدت السنوات ذاتها سقوط العشرات من "المعارضين" خارج ليبيا في الشرك الذي نصبه النظام للمعارضة ، وللأسف فإن بعضهم هو ممن كان يفاخر حتى قريب بصحبة الشهيد احواس ورفاقه وممن نظم القصائد أو دبج الصحائف في الاعتزاز ببطولاتهم، وإذا بهؤلاء – وهم يملكون كامل حريتهم وإرادتهم – يتهافتون على رأس النظام وأزلامه، الذين ما تزال ايديهم تقطر بدماء هؤلاء الشهداء ، رافعين لشعارات لا يملكون الحق فيها ( عفا الله عما سلف)، مرددين لدعاوي إن لم تكن تنم عن نفوس مهزومة فإنها تدل على سذاجة سياسية مفرطة. ولاهثين وراء هامش رخيص لما يطلقون عليه "الحراك السياسي" حتى وهم يسمعون من أقوال "القائد ونجله" عن "الخطوط الحمراء" و"الشرب من ماء البحر" و"أوراق الخريف المتساقطة" ومشروع سيف "لليبيا الغد" الذي تحول على لسان أبيه في خطاب يوم 2 مارس 2008 م الماضي مجرد رغبة عند الشباب الليبي بقيادة سيف في الحصول على حصة من "هيصة الكريسماس".
 
* * *
 
إن ذكرى معركة معسكر باب العزيزية الخالدة تمر بنا اليوم والوطن الغالي يمر بأصعب محنه .. ويتعرض لأخطر المؤامرات التى عرفها تاريخه الحديث .. فبعد أن تعرّض على إمتداد العقود الثلاثة الماضية للتدمير والنهب ، إنساناً ومجتمعا ومقدرات وثروات، ثقافة وحضارة وتاريخا، على يد القذافي وزبانيته ومن وراءهم ... فإنه يتعرض اليوم للبيع وبأبخس الاثمان لأعدائه واعداء أمته .. فالقذافي ونظامه لا يمثل فقط جزءاً من "الشر الجاثم القائم"، ولكنه يمثل ايضا جزاءً من "الشر القادم المبيت" لبلادنا وامتنا. وإن ذكرى هذه المعركة الخالدة سوف تظل تجلجل في آذان الزمان .. أن نضال شعبنا الليبي في الداخل والخارج ضد حكم القذافي هو نضال مشروع ونضال بطولي ووطني وأصيل.
 
وإن ذكرى هذه المعركة البطولية الفذة تمر بنا هذا العام لتذكرنا بأن علينا نحن أبناء الشعب الليبي وبناته في الداخل وفي الخارج أن نختار بين سبيلين وطريقين سبيل الاعتماد على القوة الوطنية الذاتية المؤمنة من داخل ليبيا نفسها وسبيل إنتظار واستجداء أن يأتى "سراب الخلاص" على يد الجلاد نفسه بالتوقيت الذي يراه وبالكيفية التى يختارها.
 
شتان ما بين الطريقين وما بين السبيلين..
شتان ما بينهما عند الله وعند الناس.
وشتان ما بينهما حاضراً ومستقبلاً واليوم وغداً
 
إن ذكرى معركة معسكر باب العزيزية تمر بنا هذا العام لتذكرنا بأن هناك فارقاً كبيراً بين أن يكون موقع الارادة الوطنية الليبية في عملية التغيير ومعركة الاطاحة هو "المبادرة" و"الريادة" و"القيادة" أو أن يكون "الانتظار" و"التبعية" و"استجداء الجلاد" وأبنائه. هذا الفارق الكبير سوف يعكس نفسه في أسلوب التغيير وفي طريقته وفي توقيته وفي نوع "النظام البديل" الذي يسفر عنه في كلا الحالتين.
 
وأخيرا فإن ذكرى هذه العملية تمر بنا لتذكرّ أبناء الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا على وجه الخصوص وبقية المناضلين المخلصين بأن أقل ما عليهم ان يقدموه لأبطال وشهداء هذه المعركة هو الثبات علىالمبادئ والمثل والاهداف والغايات الكبيرة التى استشهدوا من أجلها وفي سبيلها.
 
"والله غالب على امره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"
 
 
* نقلا عن موقع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء


 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة