14/03/2008 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
ترتبط فكرة المواطنة بالعصر الثوري للأفكار الجمهورية والتي كانت تعبر فيه عن التزام سياسي أكثر من كونها مجرد فكرة تخدم جهاز سلطة وبالتالي فإنها لم تظهر بشكل جوهري كقيمة في الفضاء العمومي الا مؤخرا أي عندما بدأت تلوح في الأفق السياسي بوادر أزمة في العلاقة بين الحكام والمحكومين وفي شروط انتماء الأفراد الى المجموعات.في الماضي كانت هناك لامواطنة ومسكنة ومذلة وكان الحكام ذوي النفوذ الفردي يعاملون الناس كرعايا ودهماء ورعاع وعامة يقادون بالحديد والنار ويسيرونهم على هواهم ولتحقيق مآربهم الشخصية ومصالحهم الخاصة وكان هؤلاء الرعايا يفعلون كل شيء من أجل إرضاء هؤلاء العامة ويتحولون الى خدم وحشم ويشكلون سدنة وبطانة لهؤلاء الحكام يتملقونهم وينافقوهم من أجل العطايا والحصول على بعض من فتات الموائد بحيث يتحول الرجال الى أشباه رجال في حضرة السلطان والنساء الحرائر الى جواري رهن الطاعة والخدمة.ان فكرة المواطنة لم تكن موجودة في زمن المملكات والسلاطين والولايات والإمبراطوريات وكل ماهو موجود هو نمط من الحكم الفردي المطلق وعلاقة هرمية عامودية بين قمة الهرم وأسفله. عندئذ تكمن المواطنة في أن يظل الفرد محافظا على استقلاليته ومسافته النقدية التي تفصله عن سلطة الدولة وبما أنه يصعب أن نجدها في الحياة اليومية وفي العلاقات الخاصة التي تربط بين الأفراد والجماعات فانه من الضروري أن نربي عليها الناس ونهذب سلوكهم وطباعهم على قبولها واحترامها والعمل بها.لكن بما أن الدولة هي تنظيم السلطة القادرة على التحكم في الحياة العامة للأفراد فهل تعني التربية على المواطنة للتطهير من المسكنة والذلة التضحية بالحرية الفردية من أجل صيانة الوحدة السياسية؟هذا السؤال يعاد طرحه اذا ما اعتبرنا الدولة جهازا غير محايد يديره مجموعة من الأشخاص لهم مجموعة من المصالح يستغلون هذا الجهاز لتحقيقها لنحصل على مشكل آخر جديد وهو خضوع أغلبية الأفراد الى أهواء الأقلية من الذين اختاروهم كممثلين باسم احترام مبدأ المشاركة والانتخاب والمواطنة. زد على ذلك ان إخفاق المشاريع السياسية الثورية التي أطلقت عدد ضخم من الشعارات الرنانة والوعود الكاذبة أدى الى تصاعد الأسهم العملية والإجرائية لمفهوم دولة القانون كوصفة سحرية يعتقد فيها البعض للخروج من دائرة الحكم الشمولي المكممة للأفواه والضاغطة على القلوب. بيد أن تعريف دولة القانون من خلال إلزامية طاعة الأفراد لإجراءات المؤسسة السلطوية الردعية والارغامية المادية لا يتيح لفكرة المواطنة أن تنشأ وتستقر في المجال المدني ولا يسمح بتحديد طبيعة الأنظمة السياسية غير المحتملة والتي لا تطاق نتيجة ممارساتها التعسفية ضد عامة الناس.ان الديمقراطية كنظام سياسي صالح ترتكز على فكرة المواطنة كأساس شرعي يستمد منه جميع الناس دون تمييز هويتهم الحقوقية دون الحاجة الى إظهار الولاء ودون تقديم تنازلات جوهرية تمس طبيعتهم البشرية. وهذا الشكل من الحكم يظل أفضل النظم السياسية لكونه الأكثر قدرة على التجدد الذاتي دون الحاجة الى تدخل خارجي ولأنه يحترم المؤسسات ويتعالى على الأشخاص ويبقى على مستوى الموضوعية والحيادية وينأى عن الذاتية والتحيز لفئة على حساب أخرى ويحارب الطائفية والمذهبية والأولغارشية- حكم المجموعة- والمنوغارشية- حكم الفرد- وأثبت نجاعته في التصدي لكل أشكال العنف التي تهدد المجتمع من الداخل وتخترق تماسكه وأمنه وتعصف به من الخارج وتفتك منه سيادته على أرضه ومنعته وحرمة أجوائه.ان الحياة داخل الدولة تتطلب مشاركة في التصدي للعنف المتفجر وإدارة الحوار العقلاني الهادئ لأن المؤسسة السياسية تحتاج في لحظة من لحظات تشكلها وتسييرها لأمورها الى وجود نمط من المتفاوضين قادرين على الانخراط في نقاش عميق يفضي الى نحت سياسة تعقلية تضمن نجاح الحلول المقترحة.ان المجموعة
الوطنية لابد أن تكون قادرة على مقاومة عشوائية تدخلات الدولة في سير الأحداث
وأن توقف سياستها الارتجالية باستثمار فكرة الحق لمراقبة انفلات القوة. ان
مقاومة غطرسة الدولة يمر حتما عبر التلويح بسلاح المواطنة والذي يفترض هو
بدوره تهذيب على احترام المبدأ وتدريب على تقديس الفكرة لأن المواطنة ليست
مجرد صفة ينبغي أن يستحقها كل امرىء ينتمي الى دولة بل هي معنى ينبغي أن يكون
كل فرد أهلا لكي يستحق هذا اللقب ويطلق عليه هذا المعنى وفاقد الشيء لا يطالب
بنيله وتضيع الحقوق عندما لا تجد من يطالب بها. لكن قبل كل شيء ماهي الدولة؟
|
|||||||
|
|
|
تعليقات القراء: |
|
|