|


13/03/2008
|

|
|
|
 |
الوقوع في الفخ... سنة أولى
صحافة
بقلم: فضيل
الأمين
|
|
|
تابعت وبقلق
التغطية الإعلامية التي قامت وتقوم بها المواقع الإعلامية الليبية لقضية
المهندس فتحي الجهمي. كما شاهدت، وبألم بالغ، الصور التي ظهرت فجأة وبقدرة
قادر على السطح الإعلامي بعد تعتيم دام فترة طويلة، والتي تظهره بشكل أقل ما
يقال فيه أنه بشكل وحالة معينة خدمة لأجندة معينة لست في صدد بحثها الآن. فما
يعنيني ليس الطريقة التي تحاول السلطة الليبية "بروزة" قضية السيد الجهمي بها
وهي تسعى لإخراج عملية إغلاق هذا الملف بطريقة تحفظ لها ما تبقى من ماء الوجه
وتحجيم السيد الجهمي سياسياً وضرب صورته ومصداقيته أمام الرأي العام الليبي
والعالمي.
ولست هنا في معرض
لوم النظام الليبي على مناوراته هذه فهو أمر متوقع من أي حكومة شمولية تجد
نفسها في مأزق تحاول فيه التخلص من شوكة تسبب لها إحراج دولي حتى وإن كانت لا
تشكل أي خطر محلي يذكر. فالمعروف أن إحدى وسائل الأنظمة الشمولية والماكينات
السياسية في التعامل مع خصومها ومعارضيها هو العمل على تصوريهم بشكل معين
والنيل من مصداقيتهم ووطنيتهم وحتى قدراتهم العقلية وصحتهم النفسية في بعض
الأحيان، من أجل تقزيمهم وحرقهم وتدميرهم معنوياً وسياسياً ووطنياً وكما هو
الحال في هذه الحالة.
عند وضع كل هذا في
عين الإعتبار، أتفهم ما يقوم به النظام الليبي، ولكن أن تنطلى الحيلة على
المؤسسات الإعلامية الليبية المستقلة والمواقع الليبية في الخارج فهو أمر
خطير ومحزن في نفس الوقت. فما قامت وتقوم به بعض المواقع الليبية اليوم من
نشرها لوجهة نظر السلطة في هذا الملف يدل دلالة واضحة أنها، إي السلطة، نجحت
في استراتيجيتها وفي بيع قصتها التي تلقفتها مواقعنا الليبية بلهف وسذاجة في
نفس الوقت.
فترديد الإشاعة
ليس إعلام، ونقلها ونشرها ليس بث أخبار، ونشر صور وصلت إلى صناديق البريد
الإلكترونية لهذه المواقع من جهات مجهولة أو من جهات معلومة لم تفصح عنها تلك
المواقع أمر مشبوه بغض النظر عن بوادر حسن النية، خاصة عندما تنشر بدون وضع
التعليقات والتنبيهات اللازمة معها والتي يجب أن تشير إلى مصدر الصور وعدم
القدرة على تأكيدها بطريقة مستقلة ووضع الصور في الإطار الكامل للملف.
وليست المشكلة هي
الصور فحسب، مع أن الأعراف الحقوقية والإعلامية تتورع عن نشر صور لسجين سياسي
قام النظام الذي يعتقله بإرسالها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لإستغلالها
لغرض سياسي محدد.
المشكلة الأكبر من
وجهة نظري هي ترديد المواقع الإعلامية الليبية قصة جنون السيد الجهمي ومشاكله
النفسية والعقلية وما إلى ذلك، وهي التهم والصفات التي تثيرها السلطة التي
تعتقله، دونما محاولة من تلك المواقع الإعلامية للتأكد من صحة الأخبار أو
دحضها.
وهنا لدي عدة
أسئلة هامة يجب أن يجيب عليها من يعمل في مهنة الإعلام:
• هل قامت المواقع
الإعلامية بالإتصال بعائلته وأولاده وطرح القصة من وجهة نظرهم؟
• هل قامت المواقع
الإعلامية بالإتصال بمحامي السيد الجهمي والتعرف على حقيقة الأمر منه؟
• هل قامت المواقع
الإعلامية الليبية بمحاولة الإتصال بالمستشفى الذي يحتجز فيه السيد الجهمي
ومعرفة حقيقة الأمر؟
• هل تهاتفت
المواقع الإعلامية الليبية مع الطبيب أو الأطباء الذين يعالجونه أو عالجوه من
قبل للتعرف على حقيقة حاله؟
• هل اتصلت
المواقع الليبية بالسلطات الليبية وطالبتها بكل الأدلة وكما طالبتها بتوفير
قناة إتصال حرة للعائلة والأطباء والمحامين.
أطرح هذه الأسئلة
وأنا مدرك تماماً لصعوبة أو إستحالة الحصول على معلومات من هؤلاء، ولكن
المسؤولية الإعلامية تقتضي ذلك، تقتضي المحاولة وبذل الجهد والجري وراء الخبر
للتأكد من صحته من عدمها. تقتضي في النهاية عند الفشل في الحصول على أي تأكيد
أو نفي لعناصر الخبر أن تقول لقارئها لقد اتصلنا بفلان ورفض التحدث معنا،
وحاولنا الإتصال بالجهة الفلانية ولكنهم لم يردوا علينا. فرفض الجهات التعليق
وتأكيد الخبر أم نفيه أو عدم الرد سيفيد القارئ في إدراك أن هناك خلل في
رواية النظام للخبر وفي حقائق الخبر أو القصة. كما أن ذلك سيؤدي إلى إرسال
رسالة للسلطات الحاكمة أن ولكل المشاركين في صياغة الخبر أو القصة أن المواقع
الإعلامية الليبية من النضج والمسؤولية بحيث لن تنطلي عليها رواية من طرف
واحد مهما كان هذا الطرف، وخصوصاً إذا كان لذلك الطرف مصالح سياسية أو شخصية
من وراء ذلك.
المسؤولية الأخرى
للمواقع الإعلامية الليبية هي عدم نشر مقالات بدون أسماء حقيقية تتهجم على
الآخرين، مثل مقال السيد "ابن الوطن: فتحي الجهمي بين الحقيقة والأسطورة" في
موقع أخبار ليبيا الذي يشهّر فيه بالسيد فتحي الجهمي بطريقة مشينة وغير موثقة
ولا علمية ولا إعلامية وهو يختبئ في نفس الوقت وراء اسم مستعار في الوقت الذي
يشهّر في مقاله بشخص ذكر اسمه صراحة.
انا هنا لا ألوم
الكاتب المختبئ وراء اسم مستعار ولا أدري ما هي دوافعه السياسية أو الشخصية،
وهو حر في أن يكتب ما يريد، وإن كان يمكن أن يتعرض لمساءلة قانونية تحت بند
القذف والتشهير. ولكنني أنحى باللائمة على المؤسسة الإعلامية التي نشرت هذا
المقال.
وهذا مثال فقط
أسوقه لمواقعنا الإعلامية في محاولة مني لتوضيح حجم المسؤولية وثقلها على
عاتق من يتصدون للعمل بمهنة المتاعب التي لم تلقّب بذلك إلا لثقل مسؤوليتها
وحجم متاعبها.
وأخيراً أقول،
فلنتفرض جدلاً أن السيد فتحي الجهمي يعاني اليوم صحياً، جسمياً ونفسياً،
السؤال هو كيف وصلت حالته الصحية إلى ما هي عليه الآن.
ألا تعتقدون أن
السجن والإعتقال والتعذيب الجسدي والنفسي المستمر، والضغط عليه وعلى عائلته.
وكل ما نعرفه وما لا نعرفه مما تمارسه الأجهزة القمعية ضد المواطن الذي يحتج
أو يعارض أو يختلف ستؤدي إلى مضاعفات صحية ونفسية وعقلية على المرء؟ عندئد
لابد أن تتجاوز المواقع الإعلامية الحالة الراهنة إلى التحقيق في السبب.
ماذا حدث للسيد
الجهمي خلال السنوات الماضية مما أدى إلى وصوله إلى هذه الحالة؟ فالحالات
النفسية والعقلية إما أن تكون وراثية أو تظهر في عمر مبكّر، وهو أمر على
الرغم من كل الشائعات لم تستطع السلطة الحاكمة إثباته، أو أن تكون نتيجة ضغوط
وتعذيب جسدي أو نفسي أو كلاهما وسجن اعتقال وبهدلة مستمرة. والمسؤولية في هذه
الحالة تقع على النظام الذي مارس معه ذلك.
إن ما يزعجني حقاً
ليس أن النظام الشمولي الليبي قرر أن يحاول إيجاد وسيلة لإغلاق ملف السيد
الجمهي والخروج من المأزق الذي ما كان يجب أن يقع فيه أساساً، ما يزعجني هو
طريقة إخراج الأمر ومحاولة تدمير السيد الجهمي سياسياً واجتماعياً ونفسياً
ومعنوياً بطلائه بالجنون والخبل واستغلال اعتقاله بنشر صوره بهذه الطريقة.
وبما اننا نعرف أن النظام الليبي يتحكم حتى في انفاس الناس، فكان يمكنه، مثلا،
إثبات إحدى ادعاءته التي تقول برفض عائلته عودته إلى منزله واصرارها على
بقائه في يد السلطة عبر عقد مؤتمر صحفي تستدعى فيه العائلة لمواجهة الصحفيين
في حضور محاميه وأطباء وتأكيد أو نفي رفضهم عودة السيد الجهمي إلى بيته.
إنني لا أعرف
السيد فتحي الجهمي شخصياً ولكنني أؤمن بحقه في ممارسته حريته وفي التعبير عن
رأيه كيفما أراد وممارسة حقه الإنساني والسياسي والإعتراض على النظام الحاكم
بكل الوسائل السلمية ودونما اللجوء إلى العنف. ودون محاولة من قبل النظام
الشمولي الليبي لإغتياله سياسياً بأسلوب رخيص وقديم يذكرني بأيام ستالين
وماكينته السوفيياتية مرة بإسم العمالة والتخوين ومرة بتهمة الجنون والخبل
وعدم التوازن العقلي. كما ومن حقه كما هو من حق أي مواطن او سياسي أو مسؤول
اللجوء إلى القضاء لطلب العدل عند حدوث سب أو قذف أو تشهير سواء صدر من السيد
الجهمي تجاه رأس النظام أو صدر من النظام أو من أي شخص آخر تجاه السيد الجهمي.
فالقضاء الحر العادل يجب أن الفيصل وليس السجن أو حبل المشنقة أو الإغتيال
السياسي الرخيص.
|
libyaalmostakbal@yahoo.com