03/02/2008
 

 حوار عقلانى أم حوار طرشان..؟ *
نحو تفعيل الحوار داخل صفوف النخبة المعارضة
 
بقلم: عبد الرحيم صالح

 
الحوار ليس هدفاٍ فى حد ذاته، ولكنه وسيلة – إذا ما أحسن استخدامها – تساهم فى تحقيق بعضا من أهداف النضال الوطنى.
 
بالرغم من إيجابيات العمل الوطنى بالخارج وهى كثيرة، إلا أن حركة النضال تجابه اليوم واقعا صعبا يجب التعامل معه بروح علمية نقدية قصد النهوض به وتطويره، بدل أن يظل يراوح مكانه، أو يصبح عرضة لمزيد من التراجع والانحسار.
 
الخلل المؤسساتى:
 
هذا يقودنا لطرح مسألة مهمة، ألا وهى تعثر النخبة المعارضة بالخارج فى بناء مؤسسات شعبية ديموقراطية. فهذه المؤسسات هى عصب النشاط الوطنى ووسطه الذى بدونه يفقد هذا العمل زخمه وينتابه الشلل، بل ويصيبه الموت المحقق والاندثار. إذ لا يمكننا التحدث عن نضال وطنى، دون أن يكون هناك إطارات مؤسستيه شعبية ديموقراطية مفتوحة، فيها ينمو هذا العمل ويزدهر، ومنها يستمد برامجه وشعاراته وسياساته، ولها يتجه بالدعاية والتحريض من أجل الارتقاء بالوعى، وخلق البيئة المناسبة لتدريب وتأهيل أجيال قيادية قادرة على خلق عمل نضالى شعبى مستمر يكون بديلا للإطارات الفوقية التى يسعى النظام جاهدا إلى فرضها بالترهيب تارة وبالترغيب تارة أخرى.
 
وبسبب هذا الخلل المؤسسى فقد نشأت حركة المعارضة ناقصة بسبب ضعف الحوار السياسى الجاد بين فصائلها، بل وهناك من أشار إلى أن هذا الحوار لم يكن غائبا بين التنظيمات المختلفة فحسب، وإنما كان مفقودا أيضا فيما بين أعضاء التنظيم الواحد! فلقد اتسم العمل االمعارض فى بداية انطلاقه بالعفوية والتخبط من جهة، والتشتت والتشرذم من جهة أخرى. إن ظروف النشأة بالخارج، وتفاقم قمع وشراسة النخبة الحاكمة بالداخل والخارج، والمبالغة بالعمل السرى، وتفشى ظاهرة التصلب التنظيمى، ووجود قيادات غير قادرة أو غير مستعدة لإدارة الحوار، وغياب الفهم العميق لدور المعارضة وعلاقتها بالداخل... كلها عوامل ساعدت على تعميق ضبابية المناهج والبرامج التحاورية، وظهور عناصر قيادية انتهازية، وانتشار الرّيبة والشكّ بين الأطراف المختلفة، وسيادة النزعات العاطفية غير العلمية، والأهم من كل هذا وذاك، تبنى خطاب سياسى حانق لايختلف كثيرا عن خطاب النظام الغاضب مما أدى إلى اشمئزاز القاعدة بالخارج والداخل ونفورها من إطروحات المعارضة وبرامجها.
 
الخطاب الإقصائى:
 
مما يؤسف له حقا نجاح خطاب النظام الإقصائى والشمولى فى غزو الخطاب المعارض من داخله. فلقد نجح النظام الفاشى فى استدراج المعارضة إلى منازلته بنفس الأسلوب الخطابى الإقصائى عالى النبرة. ففى سياق السجال والدفاع عن النفس، تسللت الكثير من سمات خطاب النظام المتشنج، الغوغائى، والغير ديموقراطى إلى الخطاب المعارض. لقد كان هذا التسلل أمرا طبيعيا فى بدايات النهوض الوطنى نظرا لسعى المعارضة الجاد للانتصار على الخصم بأى طريقة وبأى ثمن!
 
وخلال هذه المواجهة حامية الوطيس، لم تتمكن المعارضة من التخلص من هذا التسلل الذى قام به الخطاب النقيض ليغتال ويشوه خطابها، ويجره، طائعا أو مجبرا، إلى ساحة الأساليب الإقصائية والمهاترات غير المجدية والنزوع نحوالعنف وتصفية الخصم جسديا أو معنويا. وفى غياب أسلوب الحوار الهادئ العاقل والنبرة المتزنة، لم يستطع الخطاب المعارض عزل عمليات استبطان خطاب النخبة الحاكمة وممارساتها وأساليبها، حتى يتمكن من الوصول إلى جماهير الشعب بالداخل ويحقق الالتفاف السياسى المطلوب بعقر دار الخطاب النقيض، ويطوق بذلك الأطروحات المتشنجة، ويبدأ فعلا مرحلة الاشتباك السياسى المباشر معها.
 
لقد أدى هذا التسلل إلى حدوث أخطاء جسيمة فى مسيرة العمل النضالى، وسبب لها أذى شديدا على مستوى الفكر وعلى مستوى الممارسة... وليس ثمة شئ أصعب من عدم التمكن من الوصول إلى القاعدة الشعبية والتغلغل فى صفوفها داخل أسوار الوطن.
 
تفعيل الحوار:
 
لقد أدى ضعف الإطار المؤسسى وهزال الحوار إلى ظهور بوادر إخفاق المشروع الوطنى، رغم ما توفر له من إمكانات بشرية ومادية لا بأس بها فى بداياته الأولى، فى تحقيق أهدافه النضالية، وما ينطوى عليه ذلك من ركود وعجز لأساليب ومناهج العمل التى تبنتها الفصائل المختلفة. وجاء هذا العجز فى وقت تغيرت فيه الظروف العالمية والقومية والوطنية على كل الأصعدة وفى كل الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعقائدية... وفى وقت أخذت تبرز فيه ثورة معلوماتية ضخمة اختزلت الزمان والمكان، وعمقت تداخل المصالح بين مختلف الكيانات، ودفعت بالعولمة من المحيط إلى المحيط، مما جعل من المستحيل على أى كيان سياسى أو اقتصادى المحافظة على وجوده واستمراره إلا عبر أسلوب العمل الجماعى التعددى المتكامل.
 
وتأتى دعوة الأستاذ محمد بويصير للدفع بإمكانية خوض تجربة الحوار الوطنى بشكل علنى و شفاف كخطوة أولى لتفعيل التشاور قصد تحريك حالة الركود الآسنة، وتفجير الطاقات والإمكانيات المهملة، خاصة بين نشطاء الشأن الوطنى الذين مازالوا يرغبون العمل والعطاء، ويطمحون فى خلق جهد جماعى تعددى، ويؤمنون بضرورة وجود حركة حوار تفاعلى رغم تنوع المدارس، واختلاف المواقع، وتفاوت المحاضن والتوجهات الفكرية. ولست أشك لحظة واحدة فى مدى حاجتنا الملحة إلى مثل هذه المبادرات الوطنية الجريئة. وفى رأينا المتواضع، فهذه المبادرة، إذا ما توفرت لها مقتضيات النجاح، ستكون قادرة على تهيئة أجواء اللقاء والحوار الجاد أمام الكثير من الفعاليات الكامنة فى داخل وخارج التنظيمات المعارضة. كما أنها ستساهم فى إثراء النقاش وستغنى البحث فى إمكانية تجديد خطابنا وبرامجنا السياسية، والنظر بعين النقد والتمحيص فى أطروحاتنا ومواقفنا وقناعاتنا التى نحسب أنها من المسلمات. وهذا بالضبط ما تحتاجه ساحتنا الراكدة التى تنوء بثقل القطيعة والانطواء والتفتت وانحسار التفاعل الديموقراطي الخلاق.
 
ولا أشك أيضا بأن هذه المبادرة ستثرى واقع التنوع والتمايز الذى تنطوى عليه تجربتنا النضالية زهاء ربع قرن أو يزيد، وستسهل انبثاق إرادة جماعية على كل المستويات، من شأنها إثراء المواقف والتحليلات، واستنباط ما يناسب من آليات، واستثمار كافة الجهود والإمكانيات التى ستغنى تفاعلنا بطاقات متجددة وفاعلة على الدوام، وتكون قادرة على إيجاد الحلول الكفيلة بتقوية وتطوير العلاقات الإنسانية والنضالية بين مختلف التيارات والتنظيمات والأفراد، وتتمكن من طرح مناهج جديدة للخوض فى القضايا الأساسية والأهداف والغايات والمقاصد.
 
إصلاح أم مصالحة؟
 
وحتى لا تظل هذه المبادرة تراوح فى كونها مجرد محاولة أو مجرد لقاء لتبادل المجاملات، أو منبرا لإستعراض العضلات التنظيرية أو التحليلية، يلزم على المجتمعين الاقتناع التام بضرورة الحوار المفتوح كأداة للتفاعل السياسى الموضوعى، كما أنه يلزم عليهم الاتفاق على منهجية أو آلية تضمن تواصل الحوارات وتطويرها وتوسيع نطاقها العددى والجغرافى لكى تغطى قدر الإمكان ساحة المعارضة الليبية.
 
ومن الضرورى التأكيد هنا على أن هذا التشاور، بالنسبة لى شخصيا، يجب أن يدفع وبكل قوة نحو تعميق الصلات بين جموع الليبيين فى الخارج أولا، ولا يكون دافعه تحسين المواقع التفاوضية التى قد تكون هدف بعض العناصر المشاركة. فهدف هذا الحوار المركزى هو الدفع بنهج الإصلاح سلميا وليس بعقد صفقة مصالحة مع النظام! وشتان ما بين الاثنين...
 
فالنظام، رغم ما يطلقه من بالونات اختبار هنا وهناك، مازال إقصائيا بامتياز، وأكثر ما يخشاه هو انبثاق إرادة وطنية جماعية بالخارج تسعى إلى مساندة غالبية الشعب الليبى فى نضالها المشروع ضد الاستبداد والتسلط والتخلف.
 
وفى نهاية المطاف، من أراد أن يستجيب لابتزاز النظام، فليفعل ذلك منفردا... وما أكثر من تساقط ومن سيتساقط!
 
عبد الرحيم صالح
rahim@enter.net
 

* ارسل المقال من مؤسسة عبدالرحيم صالح لإعادة النشر

- التحق المناضل عبدالرحيم صالح بالرفيق الأعلى يوم 30 يناير 2005 - رحم الله فقيد الوطن
 

راجع:

 
  الفقيد الراحل / المناضل: د. عبيد الرحيم صالح (ملف خاص)
  الذكري السنوية الثالثة لوفاة المرحوم عبدالرحيم صالح
  اعلان عن نشر كتاب اشعار عبد الرحيم صالح
  موقع مؤسسة عبدالرحيم صالح
 

للإتصال بموؤسسة عبدالرحيم صالح: info@abdelrahimsaleh.net

 
 

للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

 

تعليقات القراء:

 

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة