02/02/2008
 

أسس النظم الديمقراطية *
 
(إعادة نشر)
 
بقلم: عبد الرحيم صالح

 
ازدادت فى الآونة الأخيرة وتيرة النقد الهدام غير الموضوعى للنظم الديمقراطية المعاصرة، وهبط، بدرجة كبيرة، مستوى النقاش حولها حتى تحول إلى مهاترات بذيئة، تنزع إلى استخدام الألفاظ النابية والمفردات التهكمية التى دفعت بالبعض إلي الطعن بسمعة الأشخاص، والاستهزاء السافر بأفكارهم ومعتقداتهم. ولعمرى، فإن مثل هذه الممارسات البائسة ماهى إلا مؤشراً واضحاً على مدى تأزم حالة التفكير "العقلانى" لدى البعض، وغياب الحد الأدنى من التسامح، والذى بفقده، تحولت حواراتنا البدائية إلي سلسلة طويلة ومؤلمة من السباب والشتائم أقحم البعض فيها الدين بشكل انتهازى استفزازى كريه. بل وتوافق طرح بعض المعارضين، بشكل عجيب ومريب، مع ما يقوم به سفاح سرت من تسفيه للنظم الديمقراطية "التمثيلية"، وما يقوله عن شعاره البراق: "القرآن شريعة المجتمع"!
 
يحدونى أمل كبير فى أن يرتقى تفاعلنا الفكرى الى مستوى المسئولية الضخمة الملقاة علينا جميعا، كتاباً وقراءً، حتى نتمكن من تحسس منعرجات طريق الخلاص، وتجاوز أهوال القمع والدكتاتورية والتعصب والتزمت. وإلى أولئك وهؤلاء أعرض هذه المداخلة المتواضعة.
 
مقدمة:
 
إن بناء وممارسة الديمقراطية أمر عسير، بل ولعلّها الأكثر تعقيداً وصعوبة من كل أشكال الحكم الأخرى. فهى تحفل بالتوترات والتناقضات الكثيرة، وتتطلب من القائمين عليها (عادة ما تفوض الشعوب نخبها المثقفة) بذل كل جهد وعناية في سبيل نجاحها. إذ أن الحكم الديمقراطي لم يُصمم للعمل بكفاءة، بل ليكون عُرضة للمحاسبة والنقد. الديمقراطية، لا سيما في شكلها الليبرالى، ليست شيئا محكم الصنع يسهل استيراده، لكنها آلية حكم من صنع البشر تتطور باستمرار. فرغم أن الأشكال الخارجية للحكم الليبرالى لم تتغير كثيراً في القرنين الماضيين، إلا أننا إذا نظرنا بشئ من العمق، إلى ما وراء الظاهر، نلاحظ الكثير من التبدلات. رغم ذلك، يعتقد الكثير من المنظرين السياسيين، عن حق، أن المبادئ الأساسية التي تكمن في كل نظم الحكم الديمقراطى تنبع مباشرة من الأفكار الإصلاحية التي سادت العالم الغربى منذ نهايات القرن الثامن عشر، وحدث أن لعب فى بلورتها وصياغتها مفكرين عقلانيين عظام من أمثال ابن رشد وابن خلدون.
 
سنحاول في هذه المداخلة البسيطة، أن نطرح طبيعة بعض هذه المبادئ، متناولين بعضاً من أهم خصائصها وموضّحين سبب أهميتها لعمل المجتمعات والحكومات المعاصرة، في ليبيا بوجه خاص، وللحكم الديمقراطي بوجه عام. وحيث أن أي حكم ديمقراطي هو نظام متطور، يعتمد نموه وتكامله على مستوى التطور الفكرى والسياسى والاقتصادى السائد فى تشكيلة اجتماعية معينة، خاضعة لعوامل تغير تأتيها من الداخل أو من الخارج خلال مسيرة تطورها التاريخى، فلا أحد يدّعي أن النموذج الديموقراطى الليبرالى، رغم نجاحه الباهر في العشرات من الدول، هو النموذج الذي يجب أن تتبعه، بحذافيره، كل الأنظمة الديمقراطية. إذ على كل بلد أن يقيم حكماً ديمقراطيا ينبع من ثقافته وتاريخه وطموحاته. لكننا نؤكد هنا بأنه هناك مبادئ وأسس جوهرية ينبغي أن تكون متواجدة، بطريقة أو بأخرى، في كل حكم يطمح أن يوصف بأنه ديمقراطياً. ما هي تلك المبادئ الأساسية؟ فيما يلى محاولة للإجابة بشكل مقتضب.
 
البناء الدستورى:
 
ينبغي أن يتم صنع القوانين ضمن أُطر معينة. فلا بد أن تكون هناك أساليب موافق عليها لوضع القوانين ولتعديلها، وهناك بعض الجوانب المهمة، كحقوق الأفراد تحديداً، ينبغي أن تكون في منأى عن أهواء حكم الأكثرية أو من هم فى منصب القيادة. الدستور هو قانون، ولكنه في الوقت نفسه أكثر من ذلك بكثير. إنه الوثيقة الأساسية، التي تحدد صلاحيات مختلف سلطات الحكم، كما ترسم حدود السلطة. من أبرز مميزات الحكم الدستوري أن هذا الإطار الأساسي لا يجوز تعديله بسهولة وفقاً لرغبات الأكثرية. فمثل هذا الأمر يتطلّب رضا المحكومين المعبّر عنه بصورة جلّية وواضحة. فعلى سبيل المثال تم تعديل الدستور الأمريكى 27 مرة فقط منذ عام 1787م بسبب أن واضعوا الدستور قد جعلوا عملية تعديله صعبة، ولكنها ليست مستحيلة. معظم التعديلات التي طالت دستور الولايات المتحدة، زادت من الديمقراطية بتوسيعها مفهوم الحقوق الفردية وإلغائها للفوارق التي كانت قائمة بين الناس على أساس العرق أو الجنس. ولم يتم القيام بهذه التعديلات بشكل ارتجالى، بل وتم بعضها بالحرب وإراقة الدماء، ولكن عندما تمّ تبنّيها، كانت كلها قد حظيت بتأييد أكثرية كبيرة من الشعب.
 
وإذا كانت الطريقة الدستورية التي تُتّبع لسن القوانين قد تختلف كثيراً بين بلد وآخر، إلا أنها دائما تتقيد بالمبدأ الأساسي المتمثل في أن على المواطنين أن يكونوا معنيين بعملية صنع القوانين وأن يشعروا بأنهم هم أصحاب هذه القوانين. إذ أن السمة المميزة للنمط الدستورى من الحكم كانت فى جوهرها تنزع نحو إقامة سبل فعالة للسيطرة السياسية حيث يمكن تطبيق حكم القانون على الجميع، حكاما ومحكومين. مما يجعل السلطة النهائية لا تكمن لدى الحكومة أو لدى أى مسئول حكومى، بل لدى الشعب. وسيادة الدستور هى شريان حياة النظام الاجتماعى الذى يكون فيه المواطنين محكومين فى علاقاتهم مع بعضهم البعض ومع أجهزة الدولة بمجموعة من القواعد غير المتحيزة نسبيا، لا بمجموعة من الأشخاص. وهذا المبدأ الدستورى الهام (حكم القانون لا حكم الأفراد) هو الوحيد القادر على تقليل احتمال بروز ضحايا حكم تعسفى أو سلطوى.
 
الشكل الإدارى:
 
كما يلعب الشكل الإدارى للدولة أهمية بالغة فى درجة وقدرة المشاركة من قبل المواطنين فى ممارسة الحكم والسلطة، وفى مستوى حصولهم على نصيبهم المناسب من المصادر المادية والمعنوية المتوفرة. ولا يتحقق النظام الديمقراطى إلا بتقسيم سلطات الحكم بشكل متوازن يسمح بتحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقلال على المستوى المحلى، وفى نفس الوقت يحافظ على تجانس المجتمع على المستوى القومى. ولا يتأتى ذلك إلا بفصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية من جانب، وإعطاء الوحدات الإدارية، أو الحكومات المحلية، صلاحيات اتخاذ المبادرات والقرارات التى تخدم مصالح أهلها. وهكذا يضمن هذا التوزيع للمهام الحكومية على ثلاث سلطات مستقلة، ألا تكون سلطات الحكم الرئيسية خاضعة لاحتكار أى واحدة منها، ويحول بذلك دون قيام حكومة مركزية قوية جدا قادرة على فرض سلطتها على حكومات المناطق أو أجهزة الحكم المحلية.
 
ويبدو، فى هذا المجال، أن الشكل الفدرالى هو الأكثر نجاحا بالعديد من الدول. وفي حال لم يلائم هذا النموذج دولاً أخرى، تبقى فيه دروس يمكن الاستفادة منها. فبقدر ما تكون الحكومة بعيدة عن الشعب، بقدر ما تقل فعاليتها، وبقدر ما تقل الثقة بها. لكن وجود حكومات للوحدات الإدارية وحكومات محلية، يسمح للمواطنين بالتعامل المباشر وعن قرب بالمسئولين الذين تم اختيارهم لتطبيق سياسات وبرامج محددة. ويمكنهم بذلك ربط السياسات والبرامج مباشرة بالرجال والنساء الذين وضعوها والذين يطبقوها. إضافةً إلى ذلك، تجعل هذه اللامركزية من الأصعب بكثير تولي السلطة بطريقة غير مشروعة، كما حدث فى ليبيا بعد ست سنوات من إلغاء النظام الفدرالى. إن المبدأ القائل بوجوب أن تتميز السلطات والمسؤوليات في الأنظمة الديمقراطية بصفة اللامركزية بالغ الأهمية في البلدان الصغيرة المتجانسة نسبياً، أو في البلدان الكبيرة المتنوعة السكان.
 
سنّ القوانين:
 
تتباين بشدة الأساليب التي تعتمدها المجتمعات المختلفة في وضع الأنظمة الدستورية والقانونية التي تعيش في ظلها، وذلك بدءاً من فرض مشيئة ملوك أو حكام أو قواد يتصرّفون كآلهة، إلى تصويت الأكثرية باجتماعات دورية تعقدها أجهزة برلمانية أو شبه برلمانية. ففي الولايات المتحدة، يتم وضع القوانين على مستويات عدة، بدءاً من المجالس المحلية في البلديات والمدن والقرى، إلى الهيئات التشريعية في الولايات المختلفة، إلى الكونغرس المشتمل على مجلسى النواب والشيوخ. ولكن في كل من هذه المستويات، يكون للمواطنين إسهام تشريعى كبير، إما مباشرة أو بصورة غير مباشرة. فهيئات صنع القوانين تعرف أنها مسؤولة أمام ناخبيها، وأنها إذا لم تشرّع بما فيه مصلحة الشعب، فإنها ستواجه الهزيمة في الانتخابات المقبلة. الأمر الأهم في صنع القوانين بطريقة ديمقراطية ليس الآلية التي يتم فيها، ولا المكان الذي يحصل فيه، لكن الشعور بالخضوع إلى محاسبة المواطنين وضرورة تلبية رغبات الشعب والحفاظ على المصالح العليا للوطن.
 
القضاء المستقل:
 
بالرغم من أن المحاكم فى أغلب النظم الديموقراطية لا تسيطر لا على القوات العسكرية ولا على الإنفاق، إلا أنها تظل السلطة الأكبر أهمية بين سلطات الحكم. فالمحاكم النابعة من نظام قضائى مستقل هى شديدة التأثير في الأنظمة الديمقراطية، وتُعتبر بطرق عدّة الوسيلة التي يتم بواسطتها تفسير و تأويل التقييدات الدستورية وتطبيقها. فمثلا، بوسع المحكمة العليا في الولايات المتحدة أن تُعلن بطلان قرارات أو قوانين تصدر عن الكونغرس وعن الهيئات التشريعية في الولايات باعتبارها مخالفة للدستور، كما في وسعها منع تطبيق إجراءات يتخذها الرئيس وتخالف القانون الأعلى بالبلاد. وبذلك يكون المدافع الأكبر عن حقوق الناس في الولايات المتحدة هو النظام القضائي. وهذا ممكن لأن معظم القضاة يُعيّنون في مناصبهم لمدى الحياة، وبذلك يمكنهم التركيز على الأمور القانونية دون أن تحرفهم الأمور السياسية عن ذلك. وبسبب أن المحاكم الدستورية ليست كلها متماثلة بالنظم الديمقراطية، أصبح من الضرورى أن تكون هناك هيئة عليا لها سلطة تحديد وتأويل ما يقوله الدستور، وتحديد متى تتجاوز سلطات الحكم المختلفة صلاحياتها.
 
صلاحيات الرئاسة:
 
لا بد أن يكون لكل المجتمعات العصرية رئيس تنفيذي قادر على القيام بمسؤوليات الحكم، بدءاً من الإدارة البسيطة لبرنامج ما، وحتى قيادة القوات المسلحة للدفاع عن الوطن. لكن يجب التنبه إلى وجوب إعطاء مثل هذا المسؤول المنتخب ما يكفي من الصلاحيات للقيام بمهامه، وفي الوقت نفسه، الحد من سلطته كي لا يصبح دكتاتوراً. يرسم الدستور في الولايات المتحدة، حدوداً واضحة لصلاحيات الرئيس، ففي حين يُشكّل منصبه أحد أقوى المناصب في الدولة، فإن قوته تنبع من رضى المحكومين، ومن قدرة شاغل البيت الأبيض على العمل بانسجام مع سلطتي الحكم الأخريين وبقية منظمات المجتمع المدنى. الأمر المهم، هنا أيضاً، ليس كيفية تنظيم عمل الرئاسة، ولكنه القيود المفروضة على ذلك المنصب بموجب مبادئ دستورية صارمة مثل مبدأ "الفصل بين السلطات" أو "فصل الدين عن الدولة". وفي الحكم الديمقراطي، على الرئيس أن يحكم مُعتمداً على مهاراته السياسية، ليقيم إطار عمل للتعاون مع السلطة التشريعية، ولكن في المقام الأول مع الشعب نفسه. في ذات الوقت، يجب أن يشعر المواطنون بالثقة من أن القيود الدستورية تضمن أن يكون الرئيس، أو رئيس الوزراء، خادماً للشعب لا سيّده المطاع دون نقد أو مساءلة.
 
الانتخابات الديمقراطية:
 
مهما يكن تصميم نظام الحكم جيداً، فلا يمكن اعتباره ديمقراطياً إلاّ إذا كان المسؤولون الذين يقودون أجهزة الدولة منتخبين بشكل مباشر من قبل المواطنين وبطريقة حرة، شفافة ومنصفة للجميع. قد تختلف آليات الانتخابات بين مجتمع وآخر، ولكن الأمور الديمقراطية الجوهرية للانتخابات تبقى واحدة لدى كل المجتمعات، وتشمل فى حدها الأدنى: تمكين كل المواطنين (ذكور واناث) المؤهلين للاقتراع بالمشاركة الطوعية فى ذلك، وحمايتهم من جميع أشكال القسر والابتزاز أو ممارسة أي نفوذ غاشم عليهم لدى ممارستهم هذا الحق، وفرز وعدّ الأصوات بطريقة تتسم بالصراحة والصدق. وبما أن عملية التصويت تتعرّض دائماً، وعلى نطاق واسع، لأخطاء، وربما للتزوير، ينبغي بذل ما يمكن من الجهود لتحاشي حصول ذلك قدر الإمكان، وهكذا، إذا حصلت مشكلة في هذا المجال أو كانت النتائج متقاربة جداً، كما حصل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، سيدرك الناس أنه رغم مثل هذه الصعوبات فانه يمكن للنتائج الديمقراطية أن تظل مقبولة وملزمة فى نفس الوقت.
 
جماعات المصالح:
 
خلال القرن الثامن عشر، وجزء لا بأس به من القرن التاسع عشر، كان صنع القوانين بمثابة حوار دائم بين الناخبين وممثليهم المنتخبين في البرلمانات أو مجالس الحكومات المحلية. وحيث كان عدد السكان قليلاً، والبرامج الحكومية محدودة، والاتصالات بسيطة، لم يكن المواطنون بحاجة إلى مؤسسات أو منظمات وسيطة لمساعدتهم على إيصال آرائهم إلى من يريدون. ولكن في القرن العشرين، أصبحت المجتمعات أكثر تعقيداً، كما أصبح دور الحكومة أكثر اتساعاً. هناك اليوم الكثير من القضايا التي يريد الناخبون التحدث عنها، ومن أجل إسماع أصواتهم بصدد قضايا معيّنة، ينشئ المواطنون مجموعات "لوبي"، ومجموعات تدافع عن مصالح عامة أو خاصة وتعمل على تحقيقها، ومنظمات غير حكومية تُكرّس نفسها للعمل في سبيل قضية مُعيّنة. هناك الكثير من الانتقادات لهذه الناحية من الديمقراطية الأمريكية، ويقول البعض أن تلك المجموعات من أصحاب المصالح التي لديها الكثير من المال يمكنها إسماع صوتها بصورة أفضل مما تستطيعه مجموعات مصالح أخرى محدودة الموارد. وهذا انتقاد محق، ولكن الواقع هو أن هناك مئات من هذه المجموعات تساعد في توعية الناس وصانعي السياسة عن أمور وقضايا معينة، وبذلك تساعد الكثير من الناس ممن لا تتوفر لديهم الموارد لتعريف آرائهم للمشرّعين في عصر يسوده التعقيد. ثم هناك محاولات جادة لتقليل دور أصحاب الأموال بشكل قانونى يسمح بخلق توازن مناسب بين من يملك وبين من لا يملك المال الوفير. وبالتأكيد ونحن نعيش الآن عصر الإنترنت، سيزداد عدد هذه الأصوات، وستساعد هذه المنظمات غير الحكومية على تحسين وتركيز مصالح المواطن بطريقة فعّالة. وهذا لن يتم إلا إذا تمكن المواطن من ممارسة حقوقه المكفولة دستوريا والكامنة فى حرية التنظيم السياسى والنقابى والدينى والمهنى والاقتصادى والاجتماعى…الخ
 
وسائل الإعلام الحرة:
 
يرتبط ارتباطاً وثيقاً حق الناس في المعرفة بتواجد وسائل الإعلام الحرة، أي الصحف وشبكات الإذاعة والتلفزيون والإنترنت، التي يمكنها تقصّي أعمال وممارسات أجهزة الحكم ونشر أخبارها دون خشية من الملاحقة. كان القانون العام البريطاني يعتبر أي انتقاد للملك (وتبعاً لذلك الحكومة بكاملها) جريمة تُعرف بجريمة تشهير أو تحريض على "الفتنة". كما ألغت الولايات المتحدة هذه الجريمة، وأرست مكانها نظرية خاصة بالصحافة أفادت الديمقراطية كثيراً. في دولة تكثر فيها تعقيدات الحياة، قد لا يكون في وسع مواطن ما أن يترك عمله للذهاب إلى إحدى المحاكم وحضور المحاكمات، أو لحضور مناقشات الهيئات التشريعية (أو المؤتمرات الأساسية!)، أو التقصّي عن كيفية عمل برنامج حكومي مُعيّن. ولكن الصحافة (التى تعرف أيضا باسم السلطة الرابعة فى النظم الديمقراطية الحقيقية) تعمل بمثابة وكيل عن المواطن، بحيث تنقل إليه بواسطة وسائل الإعلام المنشورة، والمرئية، والمسموعة ما تتبيّنه من هذه الأمور كي يصبح بإمكانه التصرف وفق ما حصل عليه من معلومات. في الأنظمة الديمقراطية، يعتمد المواطنون على وسائل الإعلام للتخلّص من الفساد، وكشف سوء تطبيق العدالة، أو عدم كفاءة وفعالية عمل جهاز أو موظف حكومي معيّن. لا يمكن لأي بلد أن يكون حراً دون وسائل إعلام حرة، ويعتبر إسكات صوت وسائل الإعلام المستقلة من دلائل قيام الحكم الدكتاتوري غير الديمقراطى.
 
حق الشعب في أن يعرف:
 
وقبل هذا القرن، إذا أراد الناس أن يعرفوا كيف تعمل حكوماتهم، كانوا يتوجهون إلى مقر الاجتماعات للإصغاء إلى المناظرات والمناقشات. أما اليوم، فهناك بيروقراطيات ضخمة معقّدة، وقوانين وأنظمة يقع بعضها في مئات الصفحات، وعملية تشريعية، حتى ولو كانت خاضعة للمحاسبة من قبل الشعب، قد تكون مبهمة لا تسمح لأكثرية الناس بفهمها. لذلك إن أحد أهم خصائص النظام الديمقراطي، هى جعل أعمال الحكم شفافة وواضحة قدر الإمكان، أي أن المداولات والقرارات يجب أن تكون مُتاحة لتدقيق ومراجعة ونقد الناس. من الواضح أنه لا يجوز أن تكون كل أعمال الحكومة علنية، ولكن للمواطنين الحق في معرفة كيف تُصرف أموال الضرائب التي تجبى منهم، وما إذا كانت المحاكم تتمتع بالكفاءة والفعالية، وما إذا كان المسؤولون المنتخبون يتصرفون بمسؤولية. إن كيفية توفير مثل هذه المعلومات تختلف بين حكومة وأخرى، ولكن يستحيل وجود حكم ديمقراطي بوسعه العمل بالخفاء أو بسرية تامة!
 
حقوق الأقليات:
 
إذا كانت الديمقراطية تعني حكم الأكثرية دون اجحاف، تبقى كيفية معاملة الأقليات من أهم مشاكلها. ولا نعني بتعبير "الأقليات" الناس الذين صوتوا ضد الحزب الفائز أو الجهة الفائزة في الانتخابات، بل أولئك الذين يختلفون بصورة جليّة عن الأكثرية بسبب العرق، أو الدين، أو الأصل الإثني. المشكلة الكبرى في الولايات المتحدة هي مشكلة العرق؛ فلم يتم تحرير العبيد إلا بحرب أهلية دموية، ومن ثم لم يتوصل الملونون إلى ممارسة حقوقهم الدستورية بحرية إلا بعد انقضاء قرن من الزمن على ذلك. ما زالت قضية المساواة العرقية من القضايا التي تحاول الولايات المتحدة جاهدة معالجتها حتى اليوم. ولكن هذا الأمر يُمثّل جزءاً من الطبيعة المتطورة للديمقراطية بدءاً من العمل في سبيل جعل المجتمع أكثر تسامحاً، وفي سبيل منح أولئك الذين يختلفون عن الأكثرية، لا الحماية من الاضطهاد فحسب، بل أيضاً الفرصة للمشاركة في حياة المجتمع كمواطنين كاملي "المواطنية" ومتساوين مع غيرهم. وهناك العديد من الأمثلة عن دول عاملت، أو ما زالت تُعامل، مواطنيها بطرق دموية إرهابية. ولكن ما من مجتمع يمكنه أن يطمح لأن يُسمي نفسه مجتمعاً ديمقراطياً إذا كان يستثني، بصورة منتظمة، جماعات معيّنة من سكانه من الحماية الكاملة والمساواة أمام القوانين.
 
السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية:
 
في الأزمنة القديمة، كانت المسؤولية الرئيسية للقائد تتمثل في قيادة القوات العسكرية لمجتمعه، إما للدفاع عن ذلك المجتمع أو لإخضاع مجتمع آخر. وغالباً، ما كانت شعبية القائد العسكري الناجح تقوده إلى السعي نحو السيطرة على الحكم بالقوة. ومن يسيطر على القوات العسكرية يمكنه بسهولة إزاحة الآخرين جانباً. لقد شهدنا ملازما مغمورا في القوات المسلحة يستخدم سطوة هذه القوات للقيام بانقلاب يطيح بحكم دستورى ديمقراطى مدني. أما في النظام الديمقراطي، فينبغي ألا تكون القوات العسكرية خاضعة لسيطرة السلطات المدنية فحسب، بل ينبغي أن تكون لديها أيضاً ثقافة تؤكد أن دور القوات المسلحة هو خدمة المجتمع والدفاع عنه لا حكمه بقوة الحديد والنار! يصبح هذا الأمر أسهل تحقيقاً عندما يكون الجيش جيش مواطنين، أي عندما يكون أفراده من كل فئات المجتمع ينخرطون فيه لمدة مُعينة يعودون بعدها إلى الحياة المدنية. ولكن المبدأ يبقى هو نفسه: يجب أن تكون القوات العسكرية خاضعة للسلطة المدنية، ومهمتها المركزية هي حماية الديمقراطية لا الاستيلاء على الحكم.
 
خلاصة:
 
يمكننا استنتاج بعض الأفكار الرئيسية من هذا العرض الموجز. أولها وأهمها، هو أن الشعب، فى النظام الديمقراطى، هو المصدر الأساسي لجميع السلطات. وكل سلطات الحكم يجب أن تنبع من الشعب، ويجب أن تكون مقبولة منه بأنها سلطات مشروعة. هذه "المشروعية" تتحقق بطرق متنّوعة، منها عمليات صنع القوانين والانتخابات الحرة النزيهة.
 
ثم هناك مبدأ ثانٍ، هو وجوب الفصل بين السلطات الذي يهدف لمنع ازدياد قوة جزء من الحكم لدرجة تمكّنه من تقويض إرادة الشعب. ومع أن منصب الرئيس يُعتبر دائماً أقوى منصب في الحكومة، فإن أى دستور ديمقراطى يحدّ من صلاحيات الرئيس ويفرض عليه أن يعمل بالتعاون مع السلطتين الأخريين ويلتزم تماما بالشرعية التي تشكّلها وتمثلها أصوات الناخبين. ومع أنه يبدو أن السيطرة المدنية على القوات العسكرية تعطي الكثير من السلطة للرئيس، فإن الثقافة التي تستند إليها القوات العسكرية في المجتمع الديمقراطي تحول دون إساءة استخدام تلك القوة. كما أن المحاكم تضع حدوداً، لا لأعمال السلطة التنفيذية فحسب، بل لأعمال السلطة التشريعية أيضاً. فأحد أهم شروط أي نظام ديمقراطي هو أن يكون الحكم متوازناً، ويجب أن تُقدّر كل أجهزة الحكم الحكمة من ذلك التوازن وتسعى بكل السبل من أجل المحافظة عليه.
 
ثالثاً، وجوب احترام حقوق الأفراد والأقليات، وعدم جواز استخدام الأكثرية لقوتها وهيمنتها كي تحرم أي إنسان من حرياته الأساسية. قد يكون هذا الأمر صعباً في أي نظام ديمقراطي، خاصةً إذا كان سكان المجتمع المعني متنوعي الانتماءات (العرقية، والإثنية، والدينية) وتختلف آراؤهم في صدد مواضيع هامة. ولكن ما أن تحرم الحكومة فئة معينة من الناس من حقوقها، حتى تُصبح حقوق كل الناس في خطر.
 
وأخيرا، إن إرادة الشعب تتحقق عن طريق إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وبواسطة إصدار القوانين بواسطة جهاز تشريعى منتخب، وقيام صحافة حرة تتقصى أعمال الحكومة، وتسعى نحو حماية حق الناس في معرفة ما تقوم به الحكومة. إن الفصل بين السلطات وتحديد الشكل الإدارى هو أمر يفرضه الدستور، وهو وثيقة أساسية لا يستقيم أى نظام ديمقراطى بدونها وتكفل وجود قيود مقبولة ومفروضة على الحكم، وحامية لجميع حقوق الأقليات ومجموعات أصحاب المصالح، ومحققة لقضاء مستقل يدافع بحق عن الحقوق والحريات الأساسية لجميع المواطنين بصرف النظر عن المذهب أو العنصر أو اللغة أو الدين أو الثروة أو النسب أو الآراء السياسية والثقافية والاجتماعية.
 
لكن هل يمكن اعتماد هذه المبادئ في ثقافات أو بيئات أخرى؟ ليس هناك من جواب بسيط لهذا السؤال، لأن نجاح أي نظام حكم ديمقراطى يعتمد على الكثير من العوامل والمزايا المتداخلة. فعلى سبيل المثال، خلال المرحلة الاستيطانية من التاريخ الأمريكي، لم يكن في وسع لندن أن تمارس سيطرة مُحكمة على مستوطناتها الأمريكية البعيدة، ولهذا انتقلت السلطة إلى الهيئات التشريعية المحلية. مما أدى هذا بدوره إلى قيام نظام فدرالي وفق أحكام دستور عكس الوضع التاريخي الخاص لشعب الولايات المتحدة في ذلك الوقت. إن التجاوزات التي كانت تُنسب إلى التاج البريطاني أدت إلى فرض قيود على السلطة التنفيذية، في حين كوّنت تجربة مليشيا المواطنين أساس مبدأ السيطرة المدنية على القوات العسكرية.
 
أما ضمان حقوق الأفراد فتبيّن أنه كان أمراً أشد صعوبة، ولكن لدى تطور الديمقراطية في الولايات المتحدة، توسع نطاق حقوق الناس من حقوق محصورة بالبيض من الرجال أصحاب الأملاك، إلى حقوق تشمل الرجال والنساء من كل الأعراق، والألوان، والمعتقدات. والتنّوع، الذي كان يُعتبر في الأصل مشكلة للحكومة، أصبح أحد أعظم مكامن قوة المجتمع التعددى. فبسبب وجود هذا التنوع الكبير من الناس والأديان والثقافات في البلدان الديمقراطية الكبرى، فإن أي محاولة لفرض نمط واحد من الحياة سوف يؤدي إلى كارثة. وبدلاً من مكافحة هذا التنوّع، جعل الشعب الأمريكي هذه الميزة حجر الزاوية فى بنائه الديمقراطي.
 
وفى نهاية المطاف سوف يكون على ليبيا من خلال تجربتها التاريخية،) والديمقراطية هي دائماً تجربة تاريخية)، أن تدرس كيف يمكنها تحقيق الأسس والمبادئ والمزايا التي تم وصفها أعلاه والمحافظة عليها في إطار ثقافتها الخاصة نسبيا. نقول نسبيا لقناعتنا بأننا جميعا ننتمى الى ثقافة انسانية واحدة، ويجدر بنا أن نستفيد من التجارب الديمقراطية فى الغرب أو الشرق، فى الشمال أو الجنوب. ولا توجد طريقة واحدة غير ذلك. فالديمقراطية المعاصرة هي نظام حكم ليس من السهل تفاديه أو الالتفاف حوله، وإذا ركّزنا نظرنا على المبادئ الأساسية، وهي أن السلطة النهائية تكون في يد الشعب، وأن على سلطات الحكم أن تبقى مقيدة، وأن على حقوق الأفراد أن تكون مُصانة، عند ذلك، من الممكن إيجاد طرق عديدة لتحقيق هذه الغايات النبيلة بشكل عقلانى ومنفتح، يعمّق أصالة ثقافتنا، ويزيد من انخراطها وتأثيرها الإيجابى الخلاق فى مسار الحضارة الإنسانية، وينهى أوضاع الاستبداد والقهر والتسلط والتعصب والتزمت.
 
عبد الرحيم صالح
rahim@enter.net
 

* إعادة نشر (نشر بموقع ليبيا وطننا بتاريخ 3 أغسطس 2003

_ التحق المناضل عبدالرحيم صالح بالرفيق الأعلى يوم 30 يناير 2005 - رحم الله فقيد الوطن
 

راجع:

 
  الفقيد الراحل / المناضل: د. عبيد الرحيم صالح (ملف خاص)
  الذكري السنوية الثالثة لوفاة المرحوم عبدالرحيم صالح
  اعلان عن نشر كتاب اشعار عبد الرحيم صالح
  موقع مؤسسة عبدالرحيم صالح
 

للإتصال بموؤسسة عبدالرحيم صالح: info@abdelrahimsaleh.net

 
 

للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

 

تعليقات القراء:

 

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة