07/01/2008
 

هل يحل استقرار مصطلح العربي - الإسلامي مشكلة الأقليات ؟
 
بقلم: زهير الخويلدي *

 
"إن إبعاد الدين عن السلطة أعطى للأغلبية الإسلامية الشعور بالتحول إلى أقلية ثقافية وجعل ردود أفعالها على هذا الصعيد ردود أفعال الأقلية الحريصة على هويتها المهددة والطامحة باستمرار إلى تأكيد هذه الهوية على الصعيد الثقافي نظرا لعجزها عن تأكيدها على الصعيد السياسي..."
 
برهان غليون المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات[1]
 
ارتبطت مسألة الأقليات في الحضارة العربية بثلاثة أشياء :الاضطهاد والوضع الإشكالي والتخوين، الاضطهاد لأن الأقليات عانت ومازالت تعاني من التهميش والاحتقار والاستبعاد على مستوى التعليم والشغل والحقوق السياسية والثقافية وهي تتعرض للاضطهاد من طرف الأغلبية بالانطلاق من عدة مبررات ثقافية ومن منطلقات إيديولوجية وعرقية،إذ يعتبر الفقهاء الأقليات أهل ذمة ومواطنين من درجة ثانية ولا يسمح لهم باعتلاء المناصب السيادية ولذلك تعتبر بعض الأنظمة الشمولية أن استقرارها وأمنها وفرض نظامها يمر حتما عبر إسكات صوت الأقليات وتناضل هذه الأخيرة من أجل مقاومة هذا الاضطهاد، من جهة ثانية تعيش الأقليات وضعا إشكاليا وتمثل تحديا بالنسبة للعديد من الدول العربية ونشازا لكونها تمتلك خصوصية متفردة عن السياق الاجتماعي ومتعصبة إلى هذه الخصوصية ويمكن أن تفسد حسب رأي البعض الانسجام والوحدة والتساوق وتكون مصدر فرقة وتنافر وسبب التباين والتعدد ولذلك يتعامل معها دعاة الهوية التطابقية التماثلية المنطوية على ذاتها بقلق ونفور وتنظر إلى حالتها على أنها حالة مستعصية ومضيقية. السمة الثالثة والخطيرة هي مسألة التخوين واعتبار الطوائف والملل والنحل الخطر الذي يهدد وحدة الجماعة وأكثر السكان قابلية للتعاون مع الخارج ضد الداخل ويعتمد هدا الرأي على أن الأقليات كثيرا ما يتصف سلوكها بالانتهازية والنفاق والانتفاعية وتفضيل مصلحة الطائفة على مصلحة الوطن والأمة والحضارة. لكن إلي أي مدى تصح هذه الاتهامات؟ ومتى يتوقف اضطهاد الأغلبية للأقلية؟ من هي الأغلبية وعلى أي أساس هي أغلبية؟ وهل هذا شرعي ووحيد أم هناك عدة زوايا نظر للأغلبية وعدة أسس للشرعية؟ ومن يحكم على الأقلية أنها أقلية؟ وكيف نفسر سيطرة العائلات المالكة التي هي أقلية على مصير الشعوب التي هي أغلبية؟
 
يستند مصطلح الأقليات على ثلاثة مصادر:
 
- أقليات على أساس عرقي اثني إذ نجد الظهير البربري في شمال إفريقيا والأكراد في العراق وتركيا وإيران وسوريا ونجد العرب في الأهواز والطوارق في الصحراء الإفريقية إلى آخره.
 
- أقليات على أساس لغوي ثقافي فمثلا الذين يتكلمون اللغة الانجليزية في الخليج هم الأغلبية بالمقارنة مع الذين يتكلمون العربية وكذلك الذين يتكلمون اللغة الفرنسية في المستعمرات الفرنسية السابقة هم أكثر من الذين يتكلمون لغاتهم ولهجاتهم المحلية.
 
- أقليات على أساس ديني مذهبي مثل الأقباط في مصر والمسيحيين في الشام والعراق وفي جنوب السودان أو الشيعة والدروز في لبنان والأيزيديين والصابئة في العراق واليهود في بعض الدول العربية مثل المغرب وتونس واليمن وسوريا وليبيا ومصر.
 
هذه المحددات الثلاثة يمكن أن تتلاقى وتتقاطع مع بعضها البعض في تكوين الأقليات، فالبعض منهم يتميز عن الأغلبية بالدين والعرق واللغة والبعض الآخر بالغة والدين أو اللغة والعرق أو العرق والدين والفريق الثالث يتميز بواحد من المحددات فقط، ولكن الأمر اللافت للنظر أن كل الدول العربية تطرح ضمن دائرتها مشكلة الأقليات من الجزائر والمغرب ومشكلة الظهير البربري والطوارق مرورا بمصر والسودان ومشكلة الأقباط والذين لهم أصول عرقية افريقية إلى العراق وسوريا ولبنان ومشكلة السنة والشيعة والمسيحيين والأكراد وهذه المعضلة إذا لم تعالج معالجة ديمقراطية تتعالى على منطق الطائفية فإنها تهدد السلم الاجتماعية بالانفجار ويمكن أن تكون سبب تشرذم ونزاع. فماهي الطرق التي ينبغي إتباعها من أجل الخروج من هذا النفق الطائفي المظلم؟
 
والحق أن مفهوم الأقليات يظهر كواقع متحرك ويرتبط بنظرة الهويات إلى نفسها وهو حكم سياسي مستنبت من الديني والأخلاقي ولابد من معالجته قانونيا لأن خطأ العرب الكبير أنهم كثيرا ما يستمدون القانوني الذي ينظم حياتهم من السياسي ويخضعون السياسي إلى الأخلاقي ويرهنون الأخلاقي بالديني فكل الدول العربية تعتبر الشريعة في معناها الضيق هي مصدر التشريع حتى وان لم تعلن ذلك رسميا وكلها تنص في دساتيرها على الانتماء إلى العروبة والإسلام دون أن تحدد معاني هذا الانتماء ودلالتها ودون أن تضبط خطوط الاتصال والانفصال بينهما إذ عن أي عروبة نتحدث وعن أي إسلام وعن أي علاقة بينهما؟ كيف يمكن نحت المصطلح العربي الإسلامي؟ وألا ينبغي أن نحرص على توفير الأرضية النظرية والكتلة التاريخية لكي يستقر هذا المصطلح ويتوطد؟
 
إذا عدنا إلى الحياة اليومية في الفضاء العمومي العربي فإننا نجد أقلية تهيمن على الأغلبية وسنعثر على تحديدات جهوية وقبلية وطبقية للأقليات ومبدأ المواطنة هو الخاسر الأكبر فادا كانت العاصمة بالنسبة إلى أي دولة في الشمال فان الجنوب أقلي وإذا كان مركز السيادة في الشرق فان الغرب هو الأقلي المضطهد وإذا كان الحكم يمارس من الشريط الساحلي فان العناية تكون بسكانه الدين سيعاملون كمواطنين من درجة أولى أما سكان الدواخل فانه أقليات ومواطنين من درجة ثانية ينبغي رفع الأمية والمرض عنهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
 
إذا كان التمييز أساسه ديني وعرقي ولغوي فان شروط إمكان تجاوز هدا التمييز تمن في:
 
- تنسيب النظرة إلى اللغة الأم والكف عن اعتبارها أفضل اللغات والاتفاق على لغة مشتركة تكون وسيلة للتواصل وقضاء الحاجات مع احترام كافة اللغات واللهجات الأخرى والتعامل معها كجزء من التراث الوطني الذي ينبغي المحافظة عليه.
 
- التعامل مع الأصول العرقية على أنها أصول متساوية وغير متفاضلة لكون جميع الناس لهم منشأ واحد سواء كان هدا المنشأ سيدنا آدم عليه السلام أو أمنا الأرض وتفكيك التمركز على العرق لأنه مرض خطير جلب لنا الويلات وكان وراء نشأة الأفكار العنصرية والشوفينية وكما قال الرسول محمد صلعم:لا فرق بين أعجمي وعربي الا بالتقوى ونرى هنا أنه قدم الأعجمي على العربي لأن من تكلم العربية فهو عربي وليست العروبة عروبة العرق بل عروبة الثقافة والحضارة.
 
- نقد الدين من خلال التعامل معه كوسيلة والإنسان هو الغاية وعن طريق المناهج العلمية الحديثة وبناء فهم عقلاني تقدمي تلتقي حوله جميع التصورات والحرص على التقريب بين المذاهب والأديان لأن جوهرها واحد وهو فكرة المقدس والعمل على إعادة المصالحة بين الإلهي والإنساني لأن الفائدة من التذكير بمدينة السماء هو إصلاح مدينة الأرض ونبذ روح التعصب والتزمت لمنطق الملة الناجية.
 
إن التفلسف في مصطلح العربي الإسلامي وتطهير الكلمتين مما لحق يهما من توظيف سيء هو كفيل بحل مشكلة الأقليات على الأقل من الناحية الحضارية فالشروع في تجديد فهمنا للعروبة والكف عن اعتبارها هوية منطوية على ذاتها والاكتفاء إلى النظر إليها على أنها دائرة انتماء وفكرة ناظمة للعديد من الشعوب والمجتمعات يمكن أن يخلصها من الممارسات الكليانية والشاعرات الانفعالية التي التصقت باسمها ويجد فيها المسيحي والشيعي والدرزي واليهودي نفسه. فإذا كان الحديث عن العروبة الإسلامية والعروبة العربية والإسلام العروبي والإسلام الإسلامي هو حديث تافه وغير مجدي وبمثابة تحصيل حاصل فان التطرق إلى العروبة غير الإسلامية والإسلام غير العربي هو أمر لافت للانتباه وحيوي خصوصا وأن مساهمة العناصر غير الإسلامية من العرب في نشر رسالة الإسلام الحضارية معتبرة ومثبتة في التاريخ كما أن الدور الذي لعبته العناصر المسلمة غير العربية في ترشيد فكرة القومية العربية إلى أسسها ووسائلها وغاياتها هو دور لا يمكن أن يستهان به ووقع الاعتراف به من قبل المؤرخين.
 
من جهة ثانية إن النظر إلى الإسلام بعيون هرمينوطيقية معاصرة وإعادة تأصيل أصوله بالاعتماد على مصالح العباد وإتباع أحسن الأقوال ربما يضمن تحوله إلى مقام للوجود في العالم بالنسبة إلى كل امرئ شرط أن يخاطب في الناس إنسانيتهم ويعمل على احترام قيمهم المشتركة فيجد فيه الكردي والإفريقي والأمازيغي نفسه تأكيدا لقوله غز وجل:"جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".أما على المستوى العملي فيبدو التركيز على فكرة المواطنة داخل الدولة الوطنية واحترام الحدود والمواثيق الدولية وتشجيع أفكار الاعتراف والاندماج والتعاطف والتشارك وتأسيس السياسي على القانوني وليس على الأخلاقي والطبيعي والديني هي الآليات الناجعة التي تضمن حقوق الأقليات، لكن أليس المخيف حقا هو تحول مجال ممارسة الهيمنة من الأغلبية ضد الأقلية إلى الأقلية ضد الأغلبية؟ فكيف يا ترى ستحمي الأغلبية الصامتة نفسها من ظلم الأقلية الناطقة؟ وكيف نرتب الدوائر الثلاثة: الوطنية والعربية والإسلامية؟ ولمن الأولوية؟ هل يتوقف الإسلام على العروبة كقاعدة ارتكاز له أم أن العروبة هي التي تجد في الإسلام عامل انصهار وتشكل؟ وأين الأقليات والطوائف والملل غير العربية وغير الإسلامية في ه\ا الانصهار والتشكل؟ كيف يكون دور العناصر العربية غير الإسلامية والعناصر الإسلامية غير العربية حاسما في تحديد وجهة حضارة اقرأ وفي وصول مشكلة الأقليات إلى حل حقيقي؟
 
* كاتب فلسفي
 

[1] برهان غليون المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات سينا للنشر 1988 ص51
 

مقالات سابقة للكاتب:
 
  من أجل تنظم مجتمعي بلا ديماغوجيا وبلا بروباغاندا

  أهمية إرادة الحياة بالنسبة إلى العرب اليوم

  تعجيل النظر في التطبيع لتسهيل الظفر بالملك السريع
  الذات والصفات بين المعتزلة والأشاعرة

  هل صفيت قضية فلسطين بموت عرفات ؟

  حاجة الثقافة العربية إلى نمط الفيلسوف الديمقراطي

  نظرية الحد عند المناطقة العرب
  من خطف الإسلام من العرب ؟

  صدور كتاب حالة الفكر في حضارة اقرأ زمن العولمة

  جدل العرب والغرب... أسباب التنافي وشروط التصافي

  في سبل رأب الصدع

  في بيان كيفية افتراق الأمة (1)

  نحن في عصر يسير نحو التنوير!

  الإسـلام بين التاريخ والحقيقة أو الدين من وجهة نظر الهرمينوطيقا

  مفارقات العولمة

 

 

للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

 

تعليقات القراء:

 

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة