15/01/2008
 

 
خرق الإنسان أم إحترام حقوق الإنسان في ليبيا ؟

بقلم: فريد أبراهامس (جريدة "نيوستيسمان" البريطانيّة - 14 يناير 2008)

 

ترجمة : الرّاصد السياسي


 
((فريد إبراهامس هو كبير خبراء القضايا الطارئة في منظّمة الرقابة على حقوق الإنسان، وقد سبق له قضاء ثلاثة أسابيع في ليبيا في مهمّة بحث عن الحقائق في مايو 2005. وهو مؤلّف أول تقريرعن البلاد، وكان عنوانه "من الأقوال إلى الأفعال: هو ما يحتاجه تحسين حقوق الإنسان".
 
بالرغم من حصول بلادهم على التأهيل العالمي، فما يزال الليبيّون يواجهون التعذيب إذا ما انتقدوا حكم القذافي. هل هي حالة خرق الإنسان وليست حالة حقوق الانسان ؟
 
بالنسبة لأصحاب الرغبات الطيّبة في رؤية إحترام لحقوق الإنسان، كانت سنة 2004 في ليبيا سنة جيّدة. فبعد عقود من القمع الخانق، مع الإعدامات العلنيّه والسجناء المفقودين، شهد ت البلاد شقوقا تسرّب منها الضّوء. فقائد الثورة العقيد معمّر القذّافي والذي لا يتقلّد أيّ منصب رسمي، قام بتقسيم وزارة الدّاخليّة والعدل إلى قسمين منفصلين.
 
ولقد تحدثت الحكومة عن إصلاح قانون العقوبات والتقليل الى أدنى حد من تطبيق عقوبة الإعدام. وفي يناير 2005 أُلغت محكمة الشعب سيّئة السمعه والمشهورة بالمحاكمات السياسيّة الجائرة، وشرعت في إطلاق سراح بعض السجناء السياسيّين. لقد كانت تغييرات صغيرة، ولكنها في السياق الليبي مثّلت بارقة أمل.
 
في مايو 2005، قمت بزيارة إلى ليبيا مبعوثا من منظّمة مراقبة حقوق الإنسانHuman Rights Watch، وكانت الزيارة الأولى على الإطلاق إلى البلاد المعروفة بالجماهيريّة، أي دولة الجماهير. فوجئت أن أرى أنه على الرغم من الرقابة الظاهرة للعيان والخوف المتفشّي، فإن المسؤولين والطلاّب والمهنيين كانوا يشاركون في المناقشات المتعلّقة بالإصلاح. وأولئك الأقرب إلى السلطة الحاكمة كانوا الأكثر إرتياحا في الحديث، وكانوا يناقشون على الأغلب كيفيّة تحسين النظام، بدلا من رؤيته يتغيّر. ولكنهم ما انفكّوا يمعنون النظر منتقدين العزلة الطويلة التي حاقت بوطنهم، متطلّعين إلى استعادة روابطه الدوليّة. وبعد سنتين ونصف لاحقا، أصبحت جميع الإنتقادات ومشاعر التفاؤل التي تولّدت، من الصعب العثور عليها. إذ ذهبت محكمة الشعب، ولكن حلّت محلّها محاكم إستئناف جديدة تابعة للدولة، وتعقد جلساتها داخل سجن هيئة الأمن الداخلي. وما فتئت البلاد محرومة من الصحافة الحرّة والمنظّمات المستقلّة، وما يزال الليبيّون يواجهون الإعتقال والتعذيب إذا ما عبّروا بطرق سلميّة عن النقد للحكومة وقائدهم الذي لا يُنازع. وفي الأشهر الثمانية عشر الماضية إختفى ثلاثة من هؤلاء المنتقدين.
 
والعديد من الاصلاحات الموعودة، مثل قانون العقوبات الجديد وقانون الإجراءات الجنائيّه، لم يتم.سنّها. ومنظّمة رقابة حقوق الإنسان لم يُسمح لها بالعودة إلى البلاد. ولكن الكثير من الليبيين يقولون لي إن المناقشات المنتقدة أخذت تنخفض أوتوقف. وفي بنغازي المدينة ذات المنحى المعارض، حظرت السلطات لعدّة شهور مباريات كرة القدم في الملعب - ظاهريا لأن الهيكل قد تصدع.
أحد التفسيرات لإيقاف الإصلاحات هو الإرتباك الذي يجري داخل خيمة القذافي. فالأخ القائد، كما يُلقّب، برع في ممارسة الرقابة وإحداث التوازن بين قبائل البلاد الصحراويّه. ولكن يبدو انه يفتقر الى خارطه طريق للإصلاح، خاصة تلك التي يمكن ان تهّدد قبضته. والإشارات الصادرة عنه تبدو غالبا مختلطه؛ فهو في أسبوع يؤيد ما يسمى الجناح الاصلاحي، الذي يديره إبنه الذي تعلّم في الغرب سيف الإسلام، والذي يتحدث عن وسائل إعلام حّرة ومكافحة الفساد. وفي الأسبوع الذي يليه يشجّع المؤيّدين المتصلّبين للوضع القائم.
 
ومن ناحية أخرى فالقذافي كما تقول التقارير محاط بالأشخاص الذين لا يقولون إلا نعم يا سيّدي.. والمتملّقين والذين يوعزون للزوّار "بعدم إقلاقه"! وعلى الرّغم من أنه لا يزال منهمكا في إتخاذ أصغر قرار يتعلّق بالحياة اليوميّة، غير أنه من الممكن أن يجري عزله وإفقاده الإمساك بزمام الأمور.
وثمّة رأي أكثر سخريّة يقول بأن القذّافي قد حسب الأمور بدقّة، فهو إستفاد من إعادة التأهيل له عالميّا دون ضغوط مورست عليه من الحكومات الأجنبيّة لكي يطبّق إصلاحات حقيقيّة، وبعد إتخاذ خطوات أوليّة، بدأ الزعماء الاجانب من اوروبا وكبار المسؤولين من الولايات المتحدة بزيارته، وأعقب ذلك تدفّق العقود التجارية.
 
والعلاقات مع اوروبا متوقفة منذ القضيّة البارزةالمتعلّقة بالممرّضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني، والذين سجنوا لمدّة ثمان سنوات، لما زُعم من حقنهم لأربعمائة طفل ليبي بوباء الأيدز. بيد أن القذّافي أفرج عن الطّاقم الطبّي في يوليو الماضي. ومن ثمّ إنطلق قطار الترحيب به. والحقيقة أن الحكومات الغربيّة مدفوعة بعاملين من الشّواغل الرئيسيّة: البترول والتعاون من أجل مكافحة الإرهاب. ففي ليبيا أكبر إحتياطيّات البترول في أفريقيا، وهي تبيع حقوق الترخيص بالحفر، وترفع من مستوى مرافقها، وتشتري المعدّات العسكريّة وتبني محطّات التوليد. وأوروبا والولايات المتحدة متلهفّة على المشاركة. وبذا بقي لحقوق الإنسان أن تكابد من أساليب الخرق البغيضة، لصالح الصفقات المربحة. وتتحجّج الحكومات المتورّطة بأن القذّافي تجب مكافأته لأنه نبذ الإرهاب وأسلحة الّدمار الشّامل؛ فالرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي يقول – بعد أن استضاف القذّافي في باريس في ديسمبر الماضي- :"إن كنّا لا نرحّب بالدول التي بدأت تسلك طريق المسئوليّة، فما الذي يمكننا قوله للذين يتركون هذا المسلك؟". وحقيقة الأمر أن ليبيا تشكو من أنها لم تجن فوائد كافية بسبب تعاونها مع الغرب. إلاّ أن ساركوزي وقّع أيضا صفقات بعدّة ملياردات أيورو، بما فيها بيع 21 طائرة أيرباس ومفاعل نووي لتحلية مياه البحر، عقب زيارة القذّافي. وهكذا فعلت حكومات أخرى. أي أن السباق من أجل العقود بدأ ولاتوجد بلاد تريد أن تفوتّ الفرصة.
 
وبهذا المعنى، يبدو أن خطّة القذافي واضحة: الحكومات ستأتي راكضة من أجل الكسب، فضلا عن تقاسم ما لدى مخابراته من معلومات عن الجماعات الإسلاميّة المتشدّدة. إن هذه الحكومات ربّما تشدّقت بكلمات عن موضوع تعذيب واعتقال السجناء المعارضين، كما فعلت وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة كونداليسا رايس في الأسبوع الماضي، عند مقابلتها لوزير الخارجيّة الليبي في واشنطن. ولكن دون أن تشرط علاقاتها بتحسينات في مجال حقوق الإنسان. والاتحاد الاوروبى يقوم حاليا بتصميم إطار إتفاق مع ليبيا ليس فيه أي كلام عن المعايير الموضوعيه، مثل المساءلة عن أعمال التعذيب وعن محاكم أكثر إستقلالا.
 
ويعتبر البحث عن أفضل السبل لتشجيع الإصلاح في ليبيا من الأمور المعقّدة، فالقذّافي يحتفظ بالسيطرة التّامّة. وهو لا يحتمل وجود معارضة غير مأذون بها، ناهيك عن تغيير في سياسة النظام. فكيف للحكومات أن تشجّع مسار جديد أمام هذا الوضع ؟
 
وأخيرا، ثمّة حقيقة واضحة وهي أن القذّافي مهتمّ وقبل كلّ شيء بحماية وتعزيز سلطته. وربما في نهاية المطاف ضمان نقل السلطة الى أحد ابنائه. وقراره بالإنخراط مع الغرب، مدفوع نحو هذا الهدف المحسوب، مستشعرا الخوف من أنه سيكون الضحيّة القادمة بعد الغزو الأمريكي للعراق. كما أن قراراته في المستقبل سوف تنحى هذا المنحى.المنطقي.
 
وهو لن يتخذ تدابير بإصلاحات جذريّة، مثل السماح بوسائل إعلام مستقلّة أو جماعات معارضة. بل سيستمرّ في نفس المعزوفة. على أن الغرب يمكن له ان يجعل علاقاته مشروطة وبخطوات صغيرة، ولكن ذات أهميّة، مثل إلغاء عقوبة الإعدام، وتحسين قانون العقوبات، وتعزيز النظام القضائي. وهي جميعها أدرجها القذّافي بنفسه على جدول الأعمال. والتبادل الثقافي والتربوي لليبيين هو أيضا أمر أساسي. وفي نهاية المطاف، بينما تضع الحكومات الأجنبيّة عقود الحفر والتنقيب فوق حقوق الإنسان، فينبغي على الليبيين أن يجبروا أنفسهم من أجل بناء مؤسّسات مستقلّة ومن أجل سيادة القانون.
 
ترجمة: الرّاصد السياسي
 
راجع المقال باللغة الإنجليزية
 

مقالات سابقة للراصد السياسي:
 
  ترجمة لإفتتاحية (نييورك تايمس يوم 5 يناير) - بعنوان "إعادة الإعتبار لليبيا"
  حنين المنفيين إلى ليبيا مشوب بالهلع... (مقال مترجم عن الواشنطن بوست)

  كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب!

  سيف القذّافي وتلهّف الغرب!
  لا حياء لمن تنادي!
  مأساة ومهزلة الجامعة العربيّة وملهمها الجديد
  سيف القذّافي يتبنّى مطلب المعارضة بالدستور!
  إبن القذّافي يغوص في بحر من الأراجيف!
  زوجة ساركوزي في طرابلس لمرافقة الممرّضات!
  إسدال الستار على مسرحيّة لم تتمّ!
  تأجيل الحكم تأكيد للمؤامرة !
 "تبو" ليبيا يطالبون بتكوين دولة !
 
 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 
تعليقات القراء:
 

احمد العالم: فعلا الرجل قابلنى فى سجن الكويفية بنغازى من ضمن وفد رفيع من العفو الدولية نحن سجناء الاهلى ندين للعفو الدولية بحريتنا.


الرّاصد السياسي: أعجبني تعليق (أخ ليبي في المنفى) فرأيت ترجمته أيضا تعميما للفائدة: ((شكرا لك يا سيّد أبراهامس لهذه الملاحظات والختام الأمين. فبالنسبة لنا نحن الليبيين، (يهمّنا) أن نسمع ونقرأ الحقيقة المجرّدة عن فردوس الجماهيريّة من مصدر محايد، أعطانا بشجاعة وأمانة الخلاصة المرّة. والآن بالنسبة للحالمين بالتغيير والتحسين (الإصلاح) من أمثال السيد أبو بويصير والدكتور أبوأكوك (زعكوك) فقد جاءهم الجواب من رجل شريف كهذا لم يبع نفسه بكل وضوح لقاء بضعة بترودولار! فماذ يمكنكن أن تقولوا أو أن تكذبوا علينا عن صفقاتكم الخاصّة مع هكذا نظام قاس لا إنساني؟ فالرجاء يا سيّد أبو.. ويا دكتور أبو.. كفّوا عن تضليل الأبرياء الآخرين من الليبيين بإيقاعهم في الفخ، والذين ربّما دُفع لهم ليصطادوهم. الشكر لك يا سيّد أبراهامس لأمانتك في فضح الكذبة الكبرى عن التغيير في فردوس الجماهيريّة. وآمل أن بقيّة الليبيين الذين ما زالوا يعيشون في الخارج سوف يحذرون بعد (قراءة) هذه المقالة، وأن يكفّوا عن التفكير للرجوع إلى المصيدة)).


Libyan Brother in exile: Thank you Mr.Abrahams for such an honest observation and conclusion. For us Libyans; hearing / reading the true reality of the situation of paradise Jamahariya from a neutral source who bravely and honestly gave us a bitter conclusion. Now for those dreamers of change and improvements such as Mr. Abowaiseer or Dr Abu- akouk came the answer from such an honest man who clearly didn't sell himself for a few petro-dollars!? What can you say or lie to us about your private deals with such a ruthless inhuman regime. Please Mr Abos.... and Dr Abo-... stop misleading other innocent Libyans into the trap that you possibly have been paid to help catching them. Thank you Mr Abrahams for your honesty in exposing the big lie of change in paradise Jamahariya. I hope the rest of Libyans who still live outside will take a warning of this article and stop thinking of going back into the trap.


 
 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة