06/01/2008
 

 حنين المنفيين إلى ليبيا مشوب بالهلع
مع تناقص العزلة، إلا أن عدم الثقة في القذّافي مستمرّة
 
بقلم "كارين برويارد" - "واشنطون بوست" - 2 يناير 2008
 
ترجمة: الرّاصد السياسي

 

 

ناصر منصور - ادم احمد - أحمد حنيش

 

أيمن تارسين
 

لمعان محمد بويصير

 
في الوقت الذي تطرح فيه ليبيا ثوبها القديم كدولة منبوذة من العالم وتنفتح فيه على الغرب، تنتاب الأسئلة كثيرا من الليبيين المنفيين في الولايات المتحدة الأمريكيّة ما إذا كانوا يثقون في البلاد التي فرّوا من ديكتاتورها منذ عقود مضت، وهل في الإمكان الذهاب إلى هناك. هذه الأسئلة كانت مثار حديث صريح في اجتماع إنعقد الشهر الماضي بمدينة (كريستال سيتي) في غرفة مؤتمرات بأحد الفنالدق. حيث كان يستمع هناك عشرون من الليبيين الأمريكيين إلى (الوزير) المعيّن حديثا والمختصّ بمتابعة المنفيين، أولئك الذين أطلق عليهم الديكتاتور منذ فترة طويلة صفة " الكلاب الضالّة"، والذين قيل إنهم مستهدفون بالإغتيال في بعض الأحيان. ورسالة الوزير إليهم كانت: إذا كنتم ترغبون، فيمكنكم الذهاب إلى ليبيا.
 
ويجيب على السؤال أيمن تارسين (32 سنة) المقيم في قضاء (فير فاكس) منذ أن هرب والده من نظام معمّر القذّافي منذ ثلاثة عقود، بوابل من التساؤلات عن الإضطهاد والخوف السّائدين في ليبيا. ويقول السيّد تارسين من خلال تسجيل فيديو للحدث: "في واقع الأمر عشت في ولايات المتحدة طول عمري. فماذا عن الليبيين الأمريكيين الذين يودّون زيارة موطنهم الأصلي، هل سيكونون سالمين؟"
 
يقول المطّلعون عندما استولى القذّافي على السلطة عام 1969، إستُبدلت الملكيّة الدستوريّة بدولة تقوم بمعاقبة المعارض بالسجن والتعذيب. فقد هرب الألاف من الليبيين إلى بريطانيا ومصر والولايات المتحدة. وبعضهم كوّن جماعات معارضة خطّطت للإطاحة بالقذّافي، دون نجاح.
 
وقد أصبح إقليم واشنطون موطنا لأكبر المنفيين الليبيين في البلاد حجما، ولو أنه صغير لكي يسجّل في سجلّ الإحصاء. ويقدّر زعماء المنفيين بأن طائفتهم تتكوّن من حوالي ثلاثين عائلة. والكثيرون منهم إعتقدوا عندما جاءوا، أن الوضع في ليبيا سيتحسّن قريبا، وأن إقامتهم في الولايات المتحدة ستكون قصيرة. غير أن الإقامة المؤقّتة تحوّلت إلى 38 سنة تخلّلها إنضمام الأقرباء من البلاد الأصليّة، ومحادثات مشفّرة بواسطة الهواتف المراقبَة، وأشواق ممضّة لرؤية بلادهم ليبيا.
 
وكنتيجة لذلك، شكّل الليبيون ما يسمّونه بطائفة ذات رابطة قويّة في الولايات المتحدة.. وفي كلّ موسم صيف يتجمّع المئات في مأوى في منطقة غابات في (أوهايو)، حيث يحتسون الشّاي الأخضر وييغنّون بالأغاني الشعبيّة. بينما في منطقة واشنطون ينظّم اللليبيّون تجمّعات في العطلات الإسلاميّة المعتادة، ووجبات النزهة الصّيفيّة، ولعبة كرة القدم.
 
وبغضّ النظر عن أن الذين تجنّبوا الخوض في السياسة قد قاموا بزيارة البلاد ذهابا وإيابا، فالزيارات إزدادت بعد عام 2003، عندما تخلّت البلاد عن الإرهاب، وقامت الأمم المتحدة برفع العقوبات. فمنذ ذلك الحين إستأنفت الولايات المتحدة العلاقات الدبلوماسيّة، وشركات البترول الغربيّة أقامت منصّاتها وتسنّى لمنظّمة رعاية حقوق الإنسان أن تقوم بأوّل زياراتها.
 
وفي نفس الوقت قام سيف الإسلام القذّافي باللفّ حول الكرة الأرضيّة واعدا بالإصلاح الديمقراطي وداعيا إلى رجوع المنفيين. وهنا أشاع المراقبون أن معمّر القذّافي أدرك أنه في حاجة إلى الليبيين المهرة لإعادة بناء بلاده التي طالت عزلتها، وأن المعارضة الصّوتيّة تضرّ بسمعته الدوليّة.
 
وقد جرى هذا بأساليب مسالمة من قبل قلّة من النّاشطين، الذين تنازلوا عن الدعوة إلى استبدال النظام، بالمطالبة بإصلاحه. ومن بينهم المقيم في مدينة (بورك) علي أبوزعكوك (65 سنة)، السجين السياسي السّابق الذي قام بزيارته الأولى في 2006، بعد ثلاثين سنة. وقال عنها إنها كانت بهيجة، ولو أنها جعلت منه "خائنا" لبلاده في عيون الليبيين الذين يصفهم "بالمتصلّبين ضدّ العودة حتى الموت". ويصرّ الكثيرون أن تغييرا حقيقيّا سوف لن يقع في ليبيا القذّافي. حيثما تحظر الأحزاب السياسيّة ووسائل الإعلام مستحوذ عليها من الدولة. صحيح أن بعض السجناء السياسيين جرى الإفراج عنهم، إلاّ أن جماعات حقوق الإنسان تقول إن المئات منهم ظلّوا وراء القضبان، بما فيهم بعض المنفيّين الذين اعتقلوا أثناء زيارتهم للوطن مؤخّرا.
 
ويقول مفتاح الطيّار أحد المراقبين الإداريين في الجامعة والنّاشط المعارض، وذلك في مقابلة أخيرة أجريت معه بمكتبه في مدينة (فالس تشيرش)، "مادام هو في السلطة فليس لديّ خطّة للذهاب هناك" وعندما تحدّث، فتح مواقع إليكترونيّة تحمل صور الذين إختفوا من منتقدي القذّافي. غير أن المأزق مختلف بالنسبة لأبناء المهاجرين الليبيين، الذين يعتبر غضبهم منفصلا. والكثير منهم شباب من حاملي الشهادات المهنيّة ويتحدّثون عربيّة ركيكة ويتابعون أنباء ليبيا، ولكن لم تطأ أقدامهم أرضها. وهم يقولون إن ليبيا موجودة في مخيّلتهم فقط، سواء كفردوس دُرّبوا على التغزّل فيه، أو سجن مسوّر يثير مخاوفهم. ويقول خالد الطر ابلسي (27 سنة) الموظّف الإتحادي الذي ترعرع في شمال فيرجينيا وحضر إجتماع ديسمبر: "لقد جرى نوع من الدّفن المستتر في وعينا لفكرة أن هناك غولا شرّيرا سوف يلتهمكم". وأنه يفكّر في السفر إلى ليبيا للعمل هناك، وبما أن والده متضايق من الفكرة، فقد علّق على ذلك قائلا له: "لقد كبرت، واكتسبت أفكارك الخاصّة بك".
 
ولمّا انتشر موضوع إجتماع ديسمبر، إزدادت النظريّات والتقييمات حوله. واتضح أن الحيلة المقصودة هي محاولة للتأثير في حكومة الولايات المتحدة، ومنع بروز جيل آخر من المعارضين، أو إقناع النّاس في ليبيا أن أبناء خصوم النظام هم أصدقاء لهم.
 
وفي إحدى الأمسيات الأخيرة، إجتمع الليبيّون في المركز الإجتماعي لمدينة (بورك)، للإحتفال بعيد الأضحى، على حلل طعام تحتوي على سنويتشات للتونة حارّة ليبيّة مع بيتزا (الددومينو). وتعتبر ريم صهد (31 سنة) المقيمة في مدينة (وودبريدج) ويتولّى والدها قيادة جماعة معارضة، أن الفكرة القائلة بمقابلة مسؤول ليبي هي "إهانة". وتقول: "إن العودة لا تعني فقط الرجوع وإمضاء عطلة صيفيّة". وتستطرد ريم، التي تستصيف في برنامج تليفزيوني أمريكي الشباب العرب، "إن الأمر أعمق من ذلك كثيرا، وكأنك تردّد طول الوقت القول بأن الأمر يتعلّق بالحصول على إذن منهم".
 
وفي الحقيقة فالإجتماع نظّمته لمعان بويصير (27 سنة) التي وُلدت في القاهرة من والدين ليبيين وتعيش في (فولس تشيرش). وفي سنة 2006 قام والدها محمّد، وهو ناقد بارز آخر للقذّافي، بزيارة ليبيا للترويج للإصلاح. وقد عرض عليها إلتماسا إليكترونيّا موقّعا عليه من صحافيين ليبيين يطالبون فيه بصحافة حرّة وخاصّة. ولذا فلمعان الأن تخطّط لزيارة ليبيا، مسلّحة بقناعة أن الشباب الليبي الأمريكي، ومع ما يحمله من معارف ومثل غربيّة يمكنه أن يكون قوّة للتغيير.
 
وتردف بويصير التي تعمل في الإنتاج الإعلامي قائلة "ثمّة إذن شيء يتغيّر، وسيكون من الذكاء إستخدام هذا الفضاء. إنني أتفهّم أن معظمنا هو هنا لأسباب سياسيّة، وأن هناك شحنة كبيرة من الغضب. فهل نريد أن نحوّل هذا الغضب إلى قوّة دافعة؟". لقد اتّصلت السيّدة بويصير بـ علي الرّيشي، وهو صديق للعائلة وأستاذ في كليّة صغيرة بمنطقة بوسطون، والذي أصبح في السنة الماضية أوّل وزير للمغتربين والمهاجرين واللاّجئين، واقترحت عليه عقد إجتماع مع الليبيين الأمريكيين من العمر ما بين 18 و 35.
 
وفي مقابلة معه صرّح الرّيشي أن مهمّته هي "بناء جسور" مع المغتربين الليبيين. وكان إجتماع (كريستال سيتي) هو الأوّل الذي يعقده مع أمريكيين ليبيين في الولايات المتحدة. وأضاف: "إن بعض أصدقائي هنا يظنّون أن هناك مؤامرة لتشجيع أو إعطاء حوافز للناس لكي يعودوا إلى الوطن، وبذلك تنعدم المعارضة في الخارج، وأظنّ أن هذه حجّة خاطئة. فالشباب هم أمريكيّون. وهم أكثر واقعيّة لمعرفة مصالحهم، وهم يعيشون وسط ثقافة تقول بأن التسوية المتوازنة ليست مخجلة أو خيانة". وقد تضمّن جدول أعمال الإجتماع دور الشبيبة الليبيّة وحقّ العودة السّالمةإلى ليبيا". ووصف الرّيشي كيف جعلته سنوات المنفى ممزّقا بين الولايات المتحدة وليبيا، كما تحدّث عن إدراكه لأن "الإلتزام البنّاء" هو الطريق إلى التغيير. وأنه مدرك لأن "هناك أخطاء قد وقعت" من ليبيا"، إلاّ أن هذا "يترك للمؤرّخين". ثم قال لليبيّين الأمريكيين إنهم إذا ما رغبوا في الزيارة، فهو مستعد للمساعدة. وقال إنه بعد فحص دقيق لأسمائهم من قبل أجهزة حكوميّة، يمكن لوزارته أن تصدر جوازات تضمن "أن لا أحد يستطيع أن يمسّك". وهو "إجراء خسّيس" (Lousy) – كما قال – ولكنّه خطوة إلى الأمام!
 
لقد حضر تارسين الإجتماع بمنتهى الحماس، منتهزا المناسبة "لقول الحقيقة للسلطان" حسب تعبيره. أمّا والده المعارض المتصلّب للقذّافي، فقد قال له إن لا ثمرة ترجى من الإجتماع. وأصبح تارسين متشكّكا أيضا، ولكن الأمل ما زال يداعبه. إذ قال – وهو إستشاري في الإتصالات – "لقد رأيت ما يمكن أن يفعله الإنعزال، وأنا أشعر أن أمثال القذّافي لا يدفع ثمن ذلك ولكن أنا وعائلتي ندفعه"، وأضاف إنه شعر بالإحباط بفعل الأجوبة المبهمة التي يعطيها الرّيشي، إلاّ أنه ذُهل لاعترافه بأن النظام الليبي كان مخطئا. وفي تلك الليلة ،كما يقول تارسين، سهر حتى الثالثة صباحا، مشاهدا مباراة ملاكمة ومستغرقا في التفكير – في الأسئلة الملحّة التي توجّه إليه في معظم الوقت كمسلم في المطارات الأمريكيّة، ورغم ذلك يشعر بأنه حرّ في بلاده (أمريكا)، وعمّا إذا كان، بالنظر للأسئلة التي أصلاه بها الرّيشي، سوف يشعر بنفس شعور الإطمئنان في ليبيا. وهنا قال تارسين: "لقد فكّرت مليّا هل حقّا أنا مصيب فيما أفعله؟ هل يمكنني زيارة ليبيا بالمرّة في ضوء ما حدث؟ واستغرق الأمر قليلا من الوقت للوصول إلى الخلاصة، وهي: "لا لن أذهب إلى ليبيا".
 
ترجمة: الرّاصد السياسي
 

 

 

 

للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

 

تعليقات القراء:

 
شكري/ إلى أيمن والراصد السياسي:  أتقدم إلى الأستاذ والمترجم البارع، أستاذي الفاضل الراصد السياسي بالتحية والإشادة بترجماته المميزة الدقيقة التي استطاع من خلالها تقديم خدمة رائعة للمهتمين والباحثين والقارئ الليبي الذي لا تصله المواد التي تنشر عن بلاده في الخارج والذي لا يقرأ بالإنجليزية أو لا يستطيع فهم المواضيع على النحو الدقيق الذي يقدمه الراصد السياسي له. شكراً لك سيدي الفاضل، ومزيداً من التألق والإبداع والترجمات الرائعة. لم أر أيمن محمود تارسين منذ حوالي 15 عاماً وربما أكثر، ولقد كان بيت عائلته (والده محمود، ووالدته د/ فوزية بريون) في حقبة الثمانينيات مفتوحاً للمغتربين ودارت في صالونه حلقات من النقاش والحوارات الوطنية بالإضافة إلى تقديم أشهى الأطباق من الأكل والحلويات. كان أيمن طفلاً ويناديني كما ينادي رفاقي بكلمة "عمي" حيث كان بعضنا في ذلك الحين في العشرينات من العمر وبعضنا الآخر في بداية الثلاثينيات أمّا اليوم فبعضنا تجاوز الخمسينيات والآخر اقترب منها وها هو أيمن يصبح اليوم في العمر الذي كنا فيه ويقف أمام مسئولين النظام بكل شجاعة واقتدار ويرد على أكاذيبهم ويشكك في وعودهم ورواياتهم كذلك يقول للصحافة بأن نظام القذّافي مارس من الجرائم قدراً يجعله يفكر ألف مرة قبل إقدامه على خطوة التغيير والإصلاح. ولذا، هناك كلام عن التغيير والإصلاح، وليس هناك فعل حقيقي على واقع الأرض. بارك الله فيك أيمن، وتحياتي للدكتور محمود والدكتورة فوزية وأملي أن نلتقي في طرابلس هذا العام بعد اختفاء هذا الدكتاتور الذي أصبح في تعداد الديناصورات. وما ذلك على الله بعزيز.

سالم: شكرا جزيلا للسيد الراصد السياسي على ترجمة هذا المقال حيث مكننا نحن الغير متمكنين من الإنجليزية من متابعة ما يجري. واقول لإخواني المهاجرين في ارض الله الواسعة... ان هجرتكم جهاد في سبيل الله فلقد هاجرتكم من اجل دينكم واعراضكم وارزاقكم وكرامتكم ونسأل الله ان يعيدكم للوطن بعد ان ترجع له ادميته وعقلانيته وصفائه ونقائه. صبرا اخواني فموعدكم وطن حر عزيز قريبا انشاء الله.

محمد على/ بنغازى: أولا شكرا الى الراصد السياسى على الترجمة الدقيقة. من المجحف حقا أن عودتك الى وطنك يمر عبر بوابة أمنية , بوابة لا بد أن تتحصل على وعود عن طريقها بأنك ستتجاوزها سالما قبل أن تفكر فى الاقتراب منها. والا قد تضيع وينتهى أثرك كما أنتهى أثر ليبيين لا يعلم الله أين مستقرهم الآن, فى رأيى أن المغترب لا يحتاج دعوة لزيارة وطنه أو العودة اليه متى توافرت العوامل المؤهلة للعودة الضامنة للجميع أى جميع المغتربين دون تمييز.

سليم الرقعي: السيد الكريم الراصد السياسي أتقدم إليك بأخلص أيات الشكر والعرفان لما تقدمونه من خدمة جليلة للقارئ الليبي العادي للأطلاع على مقالات وموضوعات تتعلق بليبيا والليبيين يتم نشرها في الصحف الغربية المهمة مما يتيح للقارئ الليبي العادي من خلال الترجمة المميزة التي تقومون بها الإطلاع على وجهات نظر وأراء الغربيين حول ليبيا والليبيين وهذا أمر مهم في توسيع مدارك المتابع الليبي.... وتقبلوا مني فائق الشكر والتقدير أخوكم المحب.

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة