28/11/2007

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 

 

قبض الريح..*
 
بقلم الأستاذ محمد القزيّري (رحمه الله)
 
اعداد وتقديم : هشام بن غلبون
 
28 نوفمبر 2007
 
الجماهير تلعن جدّ الحكومة سرا لاختفاء الثوم من أسواقها، والبعض يهتف باسمها علناً تحت وطأة الخوف من لجانها. ومنشورات سلطة العسكر باسم الشعب فرضت على المواطن العادي أن يدعو انقلابها الحاكم حتى الآن "ثورة شعبية" وعظيمة أيضا.. والاّ فقد وظيفته التي يكسب منها لقمة العيش وحدها (بعد هجرة البصل من دكان الحكومة)!.. ومن واقع الحال وصخب الاذاعة عوّدوه على تخيّل الثورة، في مفهومها المطلق، غولة سحّارة قبيحة ناتئة الأنياب تعضّه وتخلع قلبه هلعاً متى شاءت وحيثما كان.. فلا مهرب من لعنتها المقيمة. وترسّبت في ذهنه الصورة بالخبرة والتكرار والتجربة الحيّة ومضى الوقت حتى كاد ينسى أن هذا الشبح المريع ليس في الواقع الا طاقماً من الأفراد لا هم يصنعون ثورة عظيمة.. ولا هم يحزنون! فالثورة التي يصفونها زوراً بأنها جميلة ورائعة يراهم اليوم بعيني رأسه يرتكبون باسمها الجريمة المقزّزة، ولا يملك المواطن البائس المذعور حتى أن يشيح بوجهه عن بشاعتها لئلاّ يقال عنه أنه قد أغضب الساحرة الرهيبة. والثورة الحلم التي تملأ الأرض عدلاً لم تبق منها غير صورة مهزوزة في عقله القديم طمست معالمها الأزوقة الخضراء والدماء.
 
ونفس هذا المواطن العادي لم يعد يرى في شعبه مجموعة من المواطنين مثله بالضبط، إذ يشاركونه نفس الهموم وكل التعاسة، لكن راح يرمقه من بعيد كأنما هو مخلوق خرافي منفصل عنه قائم بذاته ليست له به علاقة عضوية مباشرة. فقد يقول لك أن الشعب تافه.. عظيم.. بطل.. جبان.. حسب ما يترائى له وحده من وضعه المزري ومن نظرته القصيرة المدى ومن أحكامه العفوية التي يطلقها بلا حساب. والحاصل المحزن الملحوظ أن هذا الشعب (ربما بفعل ما يعانيه المواطن الفرد من قهر نفسي عنيف) أصبح في عيون بنيه كائناً غريباً غائم الملامح لا تربطهم به سوى وحدة لقب وقطعة أرض مشتركة. فالشعب ليبي، والمواطن ليبي بالمثل.. وحلقة الوصل بينهما إدراة الجوازات والسجل العقاري فقط!
 
والفرد الليبي أيضا يصفّق في الخفاء لفكرة المعارضة نكاية في الكاهنة، لكنه ينأى عن الممارسة كجرب مخيف.. لأنها متعبة ومزعجة وربما تودي به إلى الهلاك في المواجهة. وهو في محاولاته لعزل نفسه عن المأساة، قدر المستطاع، انما يغرق في الوهم المريح بالسعادة الغامرة التي لا بد أن تحملها يوماً إليه الريح!!.. فالتصدّي العملي لقوى السحّارة المهولة يبدو له ـ كشعبه الذي يراه بطلاً ولا يراه، ومثل الانقلاب العسكري مدّعي الثورة ـ شيئاً غامضاً بعيد المنال، ومن الأفضل أن يتركه للغير بينما يظل هو في انتظار ما تأتي به الأقدار ونتائج الأحداث. ومقاومة الغولة التي تخنقه بالفعل مسألة تطربه توقعاتها.. يريدها بكل ما يملك من تمنيات طيبة، لكنه لا يستطيع أن يحس أنها تعنيه بالتفصيل شخصياً. فلا يقحم نفسه فيها، ولكن يتعاطف!..
 
والسيد المواطن يعرف في قرارة نفسه أن أبناء الساحرة لم يتركوا له الخيار. فإمّا أن يتستّر مثلهم تماماً خلف برقع الثورية المزيّفة كي يضمن السلامة المؤقّتة، وإما أن يضربوه كلما حاول أن يرفع رأسه المحنيّ من فرط العذاب. فهو إما تابع للانقلاب، وإمّا غير راضٍ عما يرى ويسمع حوله.. وبالتالي يعد معارضاً شاء أم أبى. ويبقى أمام المواطن السيد في النهاية أحد أمرين : أن يفطن أو لا يفطن إلى أنه لابد أن يؤدي دوره ان كان في نيته الخروج من قوقعة الرعب إلى برّ الأمان. ولن يجديه أن يظل في انتظار بطل مثل أبي زيد الهلالي ليصرع له العفريت في غيابه بالضربة القاضية الأكيدة. فهل سمعتم أحداً صفّق بيد وحيدة ؟!
 
إن لم يعِ المواطنون الرافضون للسحر وللغيلان وللبطولات الخرافية هذه الحقيقة المسطّحة، فلن يأتي أبوزيد وكلهم أحياء!.. والوقت انما يضيع من أعمارهم ومن مستقبل الأجيال.
 

* نشرت هذه المقالة في العدد الرابع (خاص) من مطبوعة "ليبيا العنقاء" بتاريخ أبريل 1982، وكان ذلك هو العدد الأخير من تلك المطبوعة. ويمكن الإطلاع على صورة من أصل المقالة باتباع هذا الرابط:
 http://www.lcu-libya.co.uk/mixedarb.htm#lankaa
 
نشرت المقالة الأولى من سلسلة مقالات الراحل محمد القزيّري وعنوانها: " خواطر طائشة من وحي خطاب شرس أُلقي في أكتوبر 1982م" على هذه الصفحة بتاريخ 25 نوفمبر 2007، ويمكن مطالعتها باتباع هذا الرابط:
http://www.libya-al-mostakbal.com/MalaffatKhassa/algzeeri_hbg251107.html
 
كما نشرت المقالة الثانية من هذه السلسلة وعنوانها "قراءة عاجلة في المقولات الخضر" بتاريخ 24 نوفمبر ويمكن مطالعتها باتباع هذا الرابط:
 http://www.libya-al-mostakbal.com/MalaffatKhassa/algzeeri_hbg241107.html
 

راجع: محمد حسين القزيري/ ملف خـاص

 

 

للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

تعليقات القراء:

 

ليبي بالمهجر/ لاجي: رحم الله محمد القزيرى داعيا من الله ان يغفر ذنوبه ويدخله فسيح جناته. اننى اعرفه منذ اكثر من خمسون سنة عرفته عندما سمعت فى تلك العشية وكان الجو حار جدا الناس يقولون ان محمد القزيرى نال الشهادة الابتدائة بترتيب الاول فى برقه وكنت مثل بقية الاطفال اريد معرفة هذا النابغة فذهبت الى محلة المغار بدرنة وسالت عن سكنه واخذت البحث عنه حتى رايته وكان طفلا صغيرا يكبرنى بحوالى سنة نحيف بهى المظر هادئ الطبع فازداد فضولى لاعرف الاكثر عن حياته واخذت اسال الناس فعرفت ان والده متوفى وكان قاضيا بدرنة وله اخ اكبر منه اسمه على ما اعتقد فتح الله وامه امرأة متعلمة رفضت الزواج فى سبيل تربية طفليها ثم انتقل محمد القزيرى الى بنغازي للدراسه فى المدرسه الثانوية لان درنة لم تكن بها مدرسة ثانوية وكان ياتى الى درنة فى العطلات المدرسية حتى السنة التوجيهية وكان دائما ترتيبه الاول وزملائه الطلبه الدراونة جميعا معجبون بذكائه الخارق وقد قص لى زميله فى الدراسة الثانوية ان المرحوم محمد القزيرى كان عندما يكتب فى موضوع الانشاء يكتب الموضوع فى اكثر من عشرة صفحات وكانوا جميع طلبة الصف لا يزيد كتابة موضوع الانشاء عن صفحتين اثنتين وعندما يصحح الأستاذ موضوع الانشاء يقول له مدرس اللغة العربية اننى اتخيل لك مسقبلا باهرا وستصبح مثل طهحسين او العقاد. واستاذ اللغة الانجليزبة وهو انجليزى الاصل يقول له ان كتاباتك واسلوبك مثل شكسبير وسيكون لك مسقبلا عظيما. ثم دخل المرحوم محمد القزيرى الجامعة اليبية الدفعة الاولى وتخصص فى اللغة الانجليزية وكان متفوقا على بقية الطلبة, واحد أقربائي وهو صديق له كان يروى لى اعجابه بمحمد حيث قال لى فى احدى المرات اننى عندما اقرا كتابا قد تكون نسبة تذكرى للجمل او رؤوس عناوين الكتاب مثل اى شخص اخر قد تكون 20% اما محمد القزيرى عندما يقرا اى كتاب فيتذكر جميع الجمل وموقع الجملة فى اية صفحة وتحت اى عنوان, اى يكون استيعابة بنسبة 100% طيلة حياته. وفى احد الايام سألت قريبى لماذا لا تنصح محمد لكى يتزوج فضحك قريبى وقال لى كيف انصح شخص اذكى منى بمآت المرات. حضرت مع قريبى عدة غدوات وعشوات سواء فى منزل قريبى او فى منزل محمد القزيرى وخاصة فى شهر رمضان عندما تحضر والدته من درنة فألاحظ مدى ذكاء هذا الشخص وانه (سيكلوبيديا متحركة) يجيبك بإسهاب وبسلاسة على اية موضوع او سؤال سواء فى التاريخ او الجغرافيا او اللغة العربية او الإنجليزية وخاصة عند السؤال فى اصل الكلمة سواء الانجليزية او العربية. وكما تعرفون انه يجيد اللغة الانجليزية ويتقنها افضل من الانجليزى او الأمريكي الاصل. شخصين وثالثهم محمد القزيرى كانوا يتقابلون معظم ايام الاسبوع بعد الظهر يذهبون الى نادى التجذيف بميناء بنغازي قرب مبنى الاذاعة الليببية وعند العشاء يذهبون لمطعم كان قرب سينما ركس مثل الحديقة يطل على الكورنيش وبعدها يدخلون سينما ركس (المطعم هدم وتم بناء عمارة كبيرة بجانب سينما ركس بدله). انقطعت اخباره عندما هاجرت منذ مدة طويلة ولكن فى السنوات الثلاثة الاخيرة راودتنى رغبة قوية لرؤية محمد القزبرى حيث عرفت انه يقطن ببريطانيا وسالت عنه اشخاصا عدة واجاباتهم جميعا كانت بعدم معرفة رقم هاتفه او عنوان سكنه وصعقت عندما علمت انه قد مات فبكيت كثيرا وفى الختام اقول ان لله وان اليه راجعون.


 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة