12/01/2008
 

هل سيصبح في ليبيا أطفال شوارع ؟
 
هالة المصراتي: ميدل ايست اونلاين
 

 
 تدخل سريع قبل ان تنتشر الظاهرة...
 
كيف يمكن التعايش مع مشهد يجمع اطفالا متسولين وبرج انفقت عليه مئات الملايين من الدولارات ؟؟؟

 
ميدل ايست اونلاين/ طرابلس/ من هالة المصراتي:
 
ليبيا وهي تتأهب للانفتاح نحو العالم، تفتح ذراعيها وتعقد مئات الصفقات بملايين ملايير بلاييير الدولارات.... ليبيا وهي تتأهب لترشق جسد هذا الوطن بمئات الأبراج والمباني والمشاريع الضخمة.... ليبيا وهي تتأهب لاستقطاب الشركات وتفتح باب الاستثمارات والتعاون الخارجي على الصعيد المؤسساتي والدولي... ليبيا وهي تنهي ملفاتها العالقة وتحسم أمورها المؤجلة وتعلن للعالم "ها أنا هنا بحلتي الجديدة."... ليبيا تنمو وتكبر وتزدهر وتتخلى عن مشاريعها النووية وتُرفع من قائمة الدولة المارقة لتصبح وطناً داعياً للسلام وتدافع عن حقوق الإنسان.
 
ولكن بعض الليبيين يبدوا أنهم عالقون تحت خط الفقر، عبثاُ يحاولون مد رؤوسهم ليشاهدوا هذا التغيير المنتظر ويعيشوه لحظة بلحظة، ولكن رقابهم القصيرة تخذلهم فيكتفون بامتطاء القعر حامدين ربهم شاكرين أن الهواء لا زال في ليبيا نقيا لا يباع في علب ولم ينتبه سماسرة الوطن إليه.
 
مقدمة بائسة لحديث بائس، لوضع بائس، البدايات تتعدد والنتيجة واحدة.
 
سنتحدث حديث الأماكن، فالأماكن موجودة والأشخاص عذراً تصحيح ما بين قوسين (حديثنا عن الأطفال) موجودون تتغير ملامحهم ويبقى شقائهم اليومي لقمة العيش المر على قولة اخوتنا المصريين "العَيش مرادف للعِيش" يعني الرغيف.
 
في دولة النفط قد يصعب على المرء أن يوفر قوت يومه، قد يعجز عن أن يعيش يومه دون حزن يثقل كاهله، دون مصاريف لا تنتهي ولا تأتي، تتعدد الأبواب فيطرقونها جميعاً.. وبمواربة تفتح لهم بعض الآمال، يعلقون عليها حلم العيش بالهناء دون شقاء.. دون أن يصبحوا عدما انسانيا، عبئا يثقل كاهل هذا المجتمع، وحشا ينمو.. يتجسد.. يتكون إلى أن يصبح كارثة، فجأة تكشر على أنيابها وتعلن نفسها فتصبح ظاهرة "أكل عيش" للباحثين وأزمة للمسؤولين فيبحثون عن مئات الحلول وينفقون ميزانية لا بأس بها من أجل القضاء على هذه الكارثة.
 
كل الظواهر تبدأ صغيرة بمسببات صغيرة تنتظر حلول صغيرة بميزانيات صغيرة بخطط صغيرة لا تحتاج لعقلية جبارة أو ميزانية ضخمة أو دراسات عدة من أجل الحد من نموها، تحتاج فقط للانتباه لها في بدئها ومعالجتها بالحد من نموها وبمراعاة أوضاع البشر وتحسينها قبل أن يفقدوا إنسانيتهم في معترك الحياة وهم يجاهدون من أجل العيش.
 
***
 
ونعود لحديث الأماكن، شواهد الحدث: طفل صغير لم يتجاوز عمره الخامسة من بين آخرين مثله، يستجديك شراء علبة ورق ناعم (كلينيكس) في موقف الإشارة الضوئية بين شارع عمر المختار وشارع جمال، اباغته بسؤالي: ليش تبيع بابا؟ تتسع عيناه لسؤال غير منتظر فيجيبني بتحفظ: هكي.
 
- شني يعني هكي ليش تبيع ؟
- أنتِ بتشري مني ولا لا ؟
 
أكتفي بالشراء والصمت على أن ابتاع كلماته القليلة، فلماذا أسأل وأحشر نفسي في هموم الآخرين، ما فائدة أن انبش في كوامنهم الداخلية. أنهم ممتلئون حد الوجع.
 
الطفل لن يتنازل عن طفولته إلا لو أثقلت الحاجة والعوز كاهله وكاهل أهله، لذا لا حاجة لأن يثرثر معي عن وجعه فحتى لو تحدث ربما كل ما سأفعله له منحه مجرد دنانير إضافية لن تغير واقعه ولن تجعل حاله أفضل والأهم "بنشري ولا لا ؟" على حد تعبيره.
 
نمنحهم بعض الملاليم ونشعر بالرضا وراحة الضمير وننسى أنهم أطفال يقضون جل يومهم في الشارع، وماذا ننتظر من طفل لطخ براءته ونحرها فوق أرصفة الشوارع ؟
 
تحت أقواس شوارع المدينة في العاصمة طرابلس أطفال يجلسون ينتظرون الرحمة "عفواً" أقصد كتلة إنسانية تزن نفسها مقابل 250 درهم أي ربع دينار، وفي محطة البنزين التي هي في شارع النصر أيضاً طفل لم أتكهن بعمره لكنه طفل يحمل حقيبة تحوي على مجموعة بضائع يبيعها أو لنكن صادقين يتسول من خلالها.
 
في أماكن أخرى ستجد أطفالا يغسلون السيارات، مثلاً في برج الفاتح عندما لا يكون رجال الأمن موجودين، قبالة ذات العماد قبالة الخارجية.. قبالة الفندق الكبير.. في موقف سيارات شارع بالخير وفي موقف شارع أول سبتمبر.. وأن كان بعضهم ليسوا أطفالا جداً لكنهم أيضاً ليسوا كبارا.
 
كذلك ستجدهم بالقرب من مقهى السرايا بجانب الساحة الخضراء، المقهى الذي يرتاده جل المسؤولين الليبيين في المساء من أجل شرب القهوة وتدخين الأرجيلة، الغريب عدم انتباههم إلى مثل هذه الظاهرة وحتى لو أنتبه سيخبرك "شني دخلني" أي بما معناه: أخطى راسي وقص، فما شأنه فليس تخصصه أن يكون مصلح هو فقط "مسؤول".
 
وغير هؤلاء يوجد أطفال يبيعون الورد وآخرون العلكة وآخرون مصاحف صغيرة وآخرون عتالون في سوق جامع الصقع وأبو سليم والرشيد وفي أسواق الخضار.
 
أطفال لكن أحاديثهم نابية.. طريقة تعاملهم أخبث وأكبر من طفولتهم.. أطفال يتعاملون حتى مع من هم أكبر سنا معاملة الند للند. الاحترام لا وجود له في علاقتهم الإنسانية بالآخرين، لا يوجد رادع مقوم لسلوكياتهم أو لأخلاقهم، ثقافة الشارع تطبعوا بها، وماذا ننتظر من أطفال لم يعيشوا طفولتهم، كل يومهم في الشارع يصارعون من هم أكبر منهم سناً من أجل توفير لقمة العيش.
 
وقد لا يكون الفقر السبب الرئيسي فالأسباب تتعدد، ولكن ما يهم أننا أمام جيل مشرد. جيل هجر مدارسه وجامعاته. جيل أختصر الرحلة وحبذ أن ينزل للشارع مبكراً، فلماذا يضيع الوقت لينزل للشارع ليجني قوت يومه أو ليساعد أهله حسب أقوال بعضهم.
 
المشكلة أنه حتى لو تحسنت أحوال هؤلاء الاقتصادية فانهم تطغى عليهم أخلاقيات الشارع ولن يتخلصوا من شعورهم بالدونية وبأنهم مهما فعلوا أقل من غيرهم. سيصبح أمامنا عاهات نفسية يصعب التعامل معها يصعب أن ينخرطوا في فسيفسائية هذا المجتمع دون تعقيد أو تشويه.
 
لازال الأمر في بدايته ولكننا بدأنا نلحظه لذا يجب البدء من الآن في معالجة هذه الموضوع قبل تفاقمه وقبل أن نفقد السيطرة عليه وقبل أن تصبح هذه الظاهرة مشاع. رؤيتها دون أن نستهجنها، فنشرعها بيننا دون أن نشعر، فيطمع الآباء في طفولة أطفالهم ويدفعون بهم للشارع لزيادة دخلهم ما دام الأمر رفع من قائمة المستهجنات اجتماعيا.
 
نداء أخير اطمح في أن يصل عبر تلك العيون المراقبة لما نكتب: يا سادة! ارجوا انتباه ضمائركم لمثل هذه المواضيع التي قد لا تؤرقكم الآن، لكنها حتماً ستؤرقكم غداً عندما يأتي أحد المستثمرين الأجانب مثلاً ويجد طفلاً صغيرا عالقا في بنطاله يرجوه دينار أو مثلا عندما يريد أحد الدبلوماسيين أن يركن سيارته أمام مقهى السرايا فيقوم بطرده طفل صغير لمجرد أنه لا يريد أن يغسل سيارته ولوحتها هيئة سياسية، وللعلم، والله، إنها صارت أو مثلا وجود مجموعة من المتسولين أمام برج دفعتْ عليه ملايين الدولارات.
 
أن لم تحسبوها إنسانيا فاحسبوها حضارياً ولو بعد حين، وأتمنى أن يكون هؤلاء الأطفال وغيرهم من قبيل خططكم الهادفة لجعل هذا الوطن أفضل لعام 2008.
 
أتمنى أن تصل رسالتي مبكراً وكل عام ونحن بخير.
 
هالة المصراتي – طرابلس
 

* نقلا عن موقع (ميدل ايست اونلاين
 

 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء:
 

ليبيا: ليبيا وهي تتأهب لترشق جسد هذا الوطن بمئات الأبراج والمباني والمشاريع الضخمة يبدو ان كاتب هذا المقال يحلم كثيرا بما كتبه..اى ابراج واي مشاريع يستطيع نظام القذافي تحقيقها الان..انتم لم تزوروا مدن ليبيا مثل الزاوية وصرمان وصبراتة وزوارة وغيرهم ..لا طرق ولاصرف صحي ولامواصلات ولابنية تحتية..هي عبارة عن طرق من العهد الملكى اصبحت غير صالحة للاستعمال..صدقوني نظام القذافي هذا اصبح غير قادر على انشاء طريق في وسط احدى هذه المدن..وذلك بسبب الادارة المتعفنة التي يقبع عليها نظام القذافي و الصحيح فوضة القذافي وليس بنظام القذافي..فبفضل هذه الادارة المتعفنة اصبحت المشاريع هي عبارة عن فرص للوزراء والتوريين لسرقة الاموال التي تفوض لهذه المشاريع..لاتمام طريق واحدة يتم تفوض ميزانية لها العديد من المرات حتي تصل تكلفة إنشائها بمواصفات غير قياسة الى اضعاف مضاعفة...ناهيك عن سرقة المال العام بدون رقيب ولاحسيب إلا الله وإنتشار الرشوة والمحسوبية والاختلاس من الميزانية تحتى مرمى الجميع ولا حساب ولاعقاب..إذا انتم تاملون بإنشاء أبراج ومشاريع ضخمة فأنا أتحدى هذه الفوضة بأن تنشأ طرق بمواصفات قياسية في صرمان او زوارة او اي مدينة أخرى في ليبيا..لايمكن البناء والتشييد مع الفوضى.


etrabelsee: where are Libya's money and wealth. How much does esertawee want, has he and his gang stolen enough. give something to the libyan and libya.


ناديا: مظاهر البؤس فى بلادنا مرسومة على وجوه أطفاله المحرو مين والمسلوبين من أبسط الحقوق، أطفال ليبيا الأبرياء ضحايا النظام المقيت المجرم الذى سرق طفولتهم وغيب فرحهم وأحلامهم وحرمهم  الأمان.


شعبان القلعي/ المملكةالسويدية: شكرا أخت هالة المصراتي لنقلك لهذا الموضوع الهام. لا جديد علي نظام القدافي ان يخترق كل اتفاقيات حقوق الأنسان ومنها اتفاقية حماية الطفل، والتي وقعت عليها دول كثيرة من أجل الاهتمام بالطفل ورعايته، وعليه نجد أن نظام سرت الليبي لازال في انتهاكا صارخا لحقوق الأنسان. من النصوص التي وردت في اتفاقية حقوق الطفل هي: (تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطيراً أو أن يمثل إعاقة لتعليم الطفل، أو أن يكون ضاراً بصحة الطفل أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي).  أتمني من الجميع العمل علي تحقيق ماجاء في الاتفاقية، حفاظا علي اطفالنا من التشرد والمرض والجهل والأستغلال... والله من وراء القصـد.


ابواحمد/ الولايات المتحدة: شكرأ لكاتبة المقال، لقد شخصت المرض المزمن ووصفت الداء العضال، والجميع ينتظر الدواء الشافى لسقم ينخر فى جسد الوطن قرابة اربعة عقود. نحسب ان الطبيب الأول وطاقمه الطبى الثورى مشغولون بمحاربة الجهل والمرض والجوع فى افريقيا, وبالتفاوض لحل مشاكل السونامى فى اسيا، وبشراء العقارات فى استراليا، وبرفع الضائقة المالية عن اخواننا الأوربيين خصوصاً فى فرنسا، وبطلب ود الحبيبة السمراء بعد تسليم خردة معدات ما عرف  مزاجاً بالمعامل الذرية الى وكالة الطاقة الأمريكية. ولايزال ابوسعدية والتُبع منهمكون فى الاعداد لافتتاح داراً للحبيبة السمراء صيف هذا العام فى مدينة الاطفال الذين تتحدث عنهم هاله فى مقالها. بل الحواريون فى عجلة من امرهم لتجهيز الخيمة التى ستطير مع الصقر الاوحد اثناء زيارته الى عاصمة الضباب ومن ثم تحط فى وشنطن قبل ان يتم نصبها فى حديقة الامم المتحدة اسف (الامم المتخذة) في الخريف المقبل وليخرج منها القائد الاممى طاؤوس افريقيا مزهواً كى يلقى خطابه الذى انتظره طويلاً امام الذين صمو وعمو، ثم صمو وعمو عن ماَساة الانسان بلادنا. معذرة يا وفاء فليس (للجوع وجوه اخرى) لكن له وجوه متعددة قبيحة. ام انت ياهاله فرددى معنا قول الحق تعالى "صبرٌ جميل والله المستعان".


 
 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة