27/09/2006

 
 
إصلاح القطار الليبي: معاً من اجل مؤتمر للمصالحة الوطنية في ليبيا
 
عصام العول
 
الإصلاح والتنمية والمصالحة مصطلحات أصبحت تتردد أخيرا علي لسان كل مواطن ليبي باعتبارها مطلبا ضروريا جدا من اجل السير بالبلاد إلي التقدم والحيلولة دون وقوعها في مطبات، وبخاصة أن ظروف العالم اليوم قد تغيرت وان الوقت لا ينتظر أحدا إذا لم يواكبه، فقطار العولمة يجتاح بسرعة فائقة دول العالم.
 
اختلفت الآراء في ليبيا وتعددت وجهات النظر حول الإصلاح والتنمية والخروج بالبلاد من مطبات قد تعوق عملية التنمية المنشودة التي قدمها سيف الإسلام القذافي في مشروعه الذي طرح مؤخرا (معا من اجل ليبيا الغد) الذي وجد تأييدا مباشرا من قبل العقيد معمر القذافي ووضعته اللجنة الشعبية العامة (رئاسة الوزراء) علي رأس أولوياتها، الكل اصبح يغرد علي هواه وليلاه من اجل أن يكون له نصيب من الكعكة الليبية كما يسمونها.
 
الإصلاح عملية يُدعي لها الجميع وفق أسس وضوابط تحترم الكل وتعايش الآخر فمن شاء أن ينصهر داخل هذه البوتقة فعلي الرحب والترحاب ومن أراد أن ينعزل فهو حر وسيجد نفسه وحيدا يغرد خارج السرب.
 
إن الإصلاح أمر واع وإرادي يتطلب تضحيات آنية وفردية في سبيل مكاسب مستقبلية من جميع الأطراف. ولذلك فالإصلاح لا يمكن تهريبه بالتحايل أو تسوله، وإنما يجب التوافق عليه من قبل الجميع من حيث المبدأ، ومن هنا فإن إنشاء مؤتمر للمصالحة الوطنية سيكون نقطة البداية في العمل من أجل تفعيل أجندة الإصلاح من الداخل، فقد باتت مسألة الإصلاح والتنمية في الوقت الحاضر ضرورية للغاية فالإصلاح والتنمية مدخل لإصلاح بقية القضايا في المجتمع شريطة أن يكون إصلاحاً حقيقياً وليس شكلياً.
 
ومن اجل مصلحة الجميع وقطع الطريق أمام كل النفعيين والممثلين في داخل ليبيا وخارجها يجب وبكل شجاعة عقد مؤتمر وطني للمصالحة الوطنية في ليبيا من اجل غد افضل ومستقبل اجمل للجميع يعمل فيه الجميع من اجل الوطن ومصلحة المواطن فقط بدون أية مزايدات قد تجر علينا فتح أبواب أخري تعمل علي عرقلة مسيرة التنمية بدلا من تقدمها، فلا بد من توصيف الخلل وتحديد أوجهه وأبرز مظاهره والتعرف علي آليات إعادة إنتاجه وكذلك العمل علي رصد أبعاد الخلل ومخاطر استمراره وتداعياته المستقبلية وإمكانية إصلاح الخلل من الناحية العملية وكيفية ذلك.
 
ولعل من القضايا التي باتت مسلمات في كافة بلدان العالم، عدا بعض الدول العربية، والتي لا يمكن الحديث عن التطور والإصلاح والتنمية بدون معالجتها وإيجاد حلول نهائية لها والتي يجب الالتفاف عليها قبل عقد مؤتمر وطني للمصالحة، هي التالي:
 
1ـ إن انقسام المجتمع إلي طبقات وشرائح وفئات يقتضي تنظيم هذه الفئات بما يحافظ ويدافع عن مصالحها، وبات من المتعارف عليه حق العمال في تنظيم أنفسهم في نقابات عمالية واتحادات مهنية، والتجار والصناعيين في غرف التجارة، إضافة إلي المهنيين والأطباء والمحامين وغيرهم من الفئات المتخصصة... وانعدام تنظيم مثل هذه النقابات وجعلها مجرد اسم وشعار فقط يجعل العمال المحليين والأجانب فريسة أرباب العمل. ولا يمكن أن تستمر الأوضاع في هذه القطاعات علي ما هي عليه.
 
2 ـ لا بد من تنظيم العلاقة بين مختلف فئات المجتمع، سواء الحاكمة أو المحكومة، وذلك بسن قانون تنبثق عنه مؤسسات تشريعية تعبر عن مبدأ الشعب مصدر السلطات جميعاً ومبدأ الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية.
 
3ـ إن حرية التعبير والنشر والصحافة والاستفادة من وسائل الإعلام من قبل كل فئات المجتمع باتت ضرورة لتطور المجتمع نظراً لما تتمتع به الصحافة من دور كبير في الرقابة علي السلطة والمجتمع، مما يعني الأهمية الفائقة للشفافية لمكافحة كل أوجه الفساد المالي والإداري وإلغاء كافة أشكال الرقابة علي المطبوعات بأشكالها.
 
4 ـ الحد من صلاحيات ونفوذ بعض المسؤولين في البلاد، وتقنين مصالحها بحيث يمكن إدماجها في المجتمع بدلاً من أن تكون منعزلة عن المجتمع وتتربع علي قمته وتعتبر نفسها طبقة منفصلة ومعادية له.
 
5 ـ تنفيذ ما جاء في البند الثاني من وثيقة حقوق الإنسان الصادرة عام 1988والتي تنص علي أن أبناء المجتمع الجماهيري يقدسون حرية الإنسان ويحمونها ويحرمون تقييدها ولذلك يجب إلغاء قرارات منع المواطنين من السفر وحجز جوازاتهم وتقييد حريتهم.
 
6 ـ تحتل ليبيا وضعية فريدة بين مجموعة الدول النامية، بفضل الإيرادات النفطية وقد ساعد ارتفاع أسعار النفط في النصف الثاني من السبعينيات ليبيا علي تبني خطط تحسين هياكل البنية التحتية وتنويع الهيكل الإنتاجي. غير أن الفائض الكبير في الميزانية قد بدأ في التلاشي بدءاً من عام 1982 بسبب تزايد الإنفاق العام، في الوقت الذي أخذت فيه الإيرادات في التناقص بفعل انخفاض أسعار النفط، ومن ثم بدأت تشهد ليبيا تراجعاً في معدلات النمو للناتج المحلي الإجمالي وكذلك احتياطاتها الخارجية. وعلي الرغم من أن الإيرادات النفطية قد ساعدت علي نمو النشاط في القطاعات غير النفطية، إلا أن الهياكل الاقتصادية الحالية لليبيا ما زالت تعتمد وبشكل كبير علي النفط، ولم تسفر جهود التنمية الحالية عن إحداث تغيرات ملموسة في هيكل توزيع الناتج. من ناحية أخري فإن ملكية الدولة للنفط وبسبب كونه المصدر الرئيسي للناتج، قد جعلت من القطاع العام مسيطراً علي النشاط الاقتصادي وتراجع دور القطاع الخاص بشكل واضح. وبقدر ما تم تحقيقه من إنجازات إلا أن السياسات التي اتبعت بشأنها قد تسببت في العديد من الاختلالات، وهي اختلالات تفاقمت حدتها بمرور الوقت وباتت تشكل قيداً علي عملية التنمية ذاتها.
 
7 ـ ينبع ضعف قدرة المؤسسات المختلفة علي إدارة عملية التنمية والإصلاح من نقص القدرات البشرية والخبرات الفنية أو بسبب الإجراءات واللوائح والقوانين أو بسبب مقاومة بعض القيادات في بعض الأحيان لعملية الإصلاح خوفاً ممّا قد يترتب عليها من مساس بالمزايا والمكتسبات التي تتمتع بها تلك الأطراف. وبناء علي ذلك فان عمليات الإصلاح الناجحة لا بد وأن تعتمد بشكل مكثف علي قدرة القيادة علي تشكيل الأطقم التنفيذية والإدارية. ولذلك لا يمكن النظر إلي عملية الإصلاح علي أنها تمثل سلسلة من الخطوات للوصول إلي حالة استراتيجية محددة سلفاً، بل علي العكس تتطلب عملية الإصلاح اشتراك القادة الأساسيين لكي يتم التغلب علي العقبات الخارجية غير المتوقعة من جانب والتغلب علي المقاومة الداخلية للإصلاح من جانب آخر. كذلك ينبغي أن يكون للسلطات الحاكمة استعداداً أكبر لتطبيق سياسات الإصلاح، وتحمل الضغوط التي يمكن أن تنشأ عن ذلك من الأطراف المختلفة، ودفع برامج الإصلاح والتنمية بدون تراجع حتي لا يترتب علي ذلك آثار سلبية تجهض استراتيجيات التنمية والتطوير.
 
8 ـ مما لا شك فيه أن عمليات الإصلاح بأشكالها المختلفة وبصفة خاصة الإصلاح الاقتصادي والمالي سوف يتطلب أساساً مشاركة من كافة الأطراف في تحمل أعباء عمليات الإصلاح، بما في ذلك المؤسسات الحاكمة. فمما لا شك فيه أن تبني أي نظام للضرائب علي الدخل لا بد وأن يطال أيضاً المؤسسات الحاكمة وامتيازاتها السيادية التي تتمتع بها. وليس من المتوقع أن تتم عملية إصلاح مالي فعال دون أن تشارك فيها أيضاً المؤسسات الحاكمة. ولذلك من الممكن أن تواجه مثل هذه الدعوات بمقاومة من قبل أطراف داخل المؤسسات الحاكمة خوفاً علي امتيازاتها التقليدية التي تتمتع بها وخشية من إجبارها علي تقديم تنازلات من طرفها في مقابل هذه الإصلاحات. ولا شك أن مثل هذه المقاومة قد تمثل تحدياً كبيراً لعمليات الإصلاح والتنمية، حيث يفترض أن العدالة في تحمل الأعباء يجب أن يتحملها الجميع بغض النظر عن موقعهم في السلم الاجتماعي والسياسي في المجتمع. وعندما يجد رجل الشارع أنه وحده هو الذي سيتحمل أعباء عملية الإصلاح فإنه لن يشارك فيها، وسيحاول التهرب منها بكافة السبل. من ناحية أخري فإن مشاركة رجل الشارع دون مشاركة حقيقية من النخبة الحاكمة سوف يكون لها رد فعل سلبي علي الأفراد، ومن ثم فإن عملية التنمية الفعالة لا بد وأن تتطلب مشاركة فعالة من قبل المؤسسات الحاكمة في تحمل نصيبها من تلك الأعباء وفي هذا الصدد يجب العمل علي تشجيع ودعم مبادرة العقيد معمر القذافي عندما طالب كبار مسؤولي الدولة بالتوبة خلال الأشهر الأربعة القادمة من اجل تصحيح ما ينبغي تصحيحه.
 
9 ـ التخطيط بحكمة لمواجهة ردود فعل الشارع حيث ينظر المواطنون إلي أشكال الدعم المختلفة علي أنها مهمة، ويصعب علي الأفراد التنازل عنها، وفي أسوأ السيناريوهات ربما تنعكس ردود فعل الشارع علي الاستقرار السياسي الداخلي. ولتفادي ردود الأفعال تلك لا بد من إدارة عملية الإصلاح بشكل يقلل من أعباء عمليات الإصلاح علي الفئات محدودة الدخل بصفة خاصة، ولذلك يجب مراعاة الأبعاد الاجتماعية لعملية الإصلاح المالي وذلك من خلال تأمين التغطية لأصحاب الدخول المحدودة وتخفيف أعباء عمليات إعادة تسعير السلع والخدمات العامة بصفة خاصة أسعار الكهرباء والماء علي تلك الفئات.
 
10 ـ تعميق المشاركة الديمقراطية، فالديمقراطية الشعبية والمشاركة الفعّالة من كافة الفئات والتيارات المختلفة سوف تضمن شفافية أكبر في عمليات صناعة القرارات، واستعداداً أكبر للمشاركة في تحمل أعبائه.
 
** علي أن تكون أولي الخطوات التنفيذية لهذا المؤتمر هو تفعيل مبادرة سيف الإسلام القذافي وذلك بتكوين لجنة تحضيرية من الحاضرين لهذا اللقاء ومن غيرهم، من أجل تأسيس منتدي دائم لتعزيز جهود الإصلاح والتنمية في ليبيا. ويمكن أن يطلق علي هذا المنتدي اسم منتدي المصالحة والإصلاح والتنمية ، أو منتدي ليبيا الغد وتتمثل المهمات الرئيسية لهذا المنتدي في التالي:
 
1 ـ إعداد البحوث والدراسات من اجل توضيح مضمون بنود أجندة الإصلاح والتنمية وإمكانية تحقيقها علي أرض الواقع فعليا. كما يمكن للمنتدي أن يستخدم كافة وسائل الإعلام المرئي والمقروء والإلكتروني من اجل أن ينظم الحوارات بين وعبر مختلف الأطراف والتيارات والأطياف من أجل توسيع قاعدة المشاركة في وضع أجندة الإصلاح والتنمية، والعمل من أجل تحقيقها تدريجياً.
 
2 ـ القيام بمهمة الدبلوماسية الشعبية من خلال تشكيل جماعات حكماء من ذوي الصدقية لدي الأطراف المتباعدة. وذلك من أجل المساعدة في جهود التقريب وإجراء مصالحات تاريخية بين الجميع، فلا بد من أن يوضع حد للإقصاء والإسقاط والتباعد والتناحر إذا كان لأجندة الإصلاح من الداخل أن توضع وتفعل.
 
3 ـ تنشيط المجتمع المدني حتي يقوم بدوره المهني والاجتماعي والثقافي، في صياغة أجندة الإصلاح والاهتمام بالجوانب القطاعية منها والمشاركة في تفعيل عملية الإصلاح عامة. وذلك من خلال أخذ أعضاء المنتدي الجديد المقترح، بزمام المبادرة في تأسيس منظمات غير حكومية قولاً وفعلاً، في كل مجال من مجالات العمل الأهلي المعنية بحقوق المواطن وحقوق الإنسان عامة. وكذلك تفعيل مراصد للشفافية، والملتقيات الثقافية في كل مجال من مجالات الأدب والفن والتربية والإعلام والاجتماع والاقتصاد وغيره، والملتقيات القطاعية مثل المرأة والشباب والعمال والكتاب. هذا فضلاً عن الحاجة إلي تفعيل الملتقيات المهنية للمحامين والصحافيين والمهندسين والمحاسبين والأطباء والمعلمين. إن الغرض من هذه المنظومة من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الوطنية، يتمثل في استكمال نواقص المجتمع المدني علي المستوي المحلي من حيث النوع والكم، وتوفير قنوات تعبير لم تتوفر بشكل كاف علي المستوي المحلي في السابق. وعلي هذا المنتدي الجديد المقترح أن يتعاون في ذلك مع جميع الأطراف ذات العلاقة وأن يعزز جهودها.
 

عن موقع القدس العربي - 19 سبتمبر 2006

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com