27/09/2006

 
 
 
مدينة الرجبان الليبية: تستذكر شاعرها الجيلاني طريبشان في دورة ثانية من مهرجانها الاهلي
 
الرجبان ـ (ليبيا) ـ القدس العربي ـ من شمس الدين العوني: تصعد... باتجاه لولبي نحو السماء الصافية عشرات الامتار... لتجد المدينة وقد أقامت في هدأة من هذا الكون، بعيدا عن الصخب المألوف... الجبال، النخيل المبثوث في الارض، الازقة المفعمة ببراءة الاطفال... هي مدينة الرجبان التي تصلها بعد قطع حوالي 170 كلم من مسافة فاصلة عن طرابلس... ثمة إيقاع اَخر تدركه وانت تتوغل في هذا الصمت الساحر... أبنية قديمة ومعالم تشهد علي عراقة المكان، هناك فعل ثقافي ونخبة من الفتية المأسورين بالابداع يضفون علي طقوس الرجبان شيئا من أريحية الكلمات ...
 
تتميز الرجبان بعمقها التاريخي والحضاري وهو مبحث الاستاذ عبد السلام محمد مسعود حيث أنها تقع في الركن الشمالي العربي من ليبيا. وتمتد من سهل الجفارة في الشمال الي حدود منطقة درج في الجنوب، مدن الجبل الغربي التي من ضمنها الرجبان التي تضم عددا من القري منها البراهمة وأولاد عبيد وشفي وقصر دلة وأولاد مسعود وأولاد عبد الجليل وأولاد عنان وأولاد جابر وأولاد عطية وتيبشان حيث تلعب المدينة دورا بارزا في ربط مناطق الجبل الغربي اذ تشرف علي الطريق الرابطة بين غريان ونالوت...
 
وتشير مخلفات صناعة الادوات والفؤوس الحجرية اليدوية التي تم العثور عليها بمنطقة جبل نفوسة الي ان تلك الصناعة سادت خلال فترة موازية مع ما ظهر في مناطق اخري مثل فلسطين وأوروبا مما يدل علي أن الجماعة البشرية التي كانت تعيش في هذه الكهوف وتتخذها مأوي لها كانت تقتني تلك الحيوانات لأكل لحومها وأهمها البقر والغزلان والسلاحف البرية وقد كان محور الحياة يدور علي الزراعة والرعي والتبادل التجاري مع المستوطنات الفينيقية حيث أصبحت دائرة التأثير واسعة ممتدة شرقا وغربا وجنوبا واستمرت كذلك في العهد الروماني والبيزنطي والعربي...
 
لقد كان هناك خط هو عبارة عن مجموعة من القلاع والحصون التي أقيمت علي خطوط المواصلات وسلسلة من المستوطنات تنتشر علي طول الاقليم ومن أمثلة المواقع المذكورة، الموقع الاثري الذي اكتشف حديثا في الرجبان وهو عبارة عن أبنية قديمة وحجارة منقوشة ومقبرة رومانية وكذلك الحصن الموجود في أطراف المدينة الشمالية والذي يطلق عليه قصر بن عبد الله والبناية الحصينة في سانية دويب بأعلي سوف الجين يدل النص المنقوش عليها أنها أقيمت في عهد الامبراطور الروماني فيليب الحوراني.
 
في العهد البيزنطي زالت دولة الوندال من افريقية بعد ان ملكتها نحو مائة سنة وأحسن الوندال معاملة البربر الذين كانوا يسكنون المدينة في تلك الفترة فكانوا عونا لهم علي غيرهم وتشكلت الجماعات البربرية في نفوسة وأبدوا قدرا من المقاومة في مواجهة الفتح الاسلامي لبلادهم وانتهي الوجود البيزنطي بسرعة تحت وطأة جيش عمرو بن العاص عندما فتح برقة وطرابلس سنة 642 ـ 643م.
 
بدأ الفتح الاسلامي بجبل نفوسة سنة 22 هجري وسار الي شروس وهي من أكبر عواصم البربر القديمة وتقع الي الغرب من مدينة الرجبان بحوالي 25 كلم وما زالت اثارها موجودة الي اليوم وتدل المعالم الاثرية الاسلامية التي ما زالت اثارها باقية الي حد الان عن مدي عمق تلك النهضة التي رسخت في المنطقة والتي يدل عليها الطراز المعماري الاسلامي المميز من الاقواس والمآذن والمساكن المتراصة حول المساجد لمعالم توحي بالهوية الاسلامية المميزة في الفن المعماري. وشهدت الرجبان حضورها المميز عبر بقية العهود مثل العهد العثماني بعد ان استولي طورغود باشا علي طرابلس سنة 1553م وعرفت المدينة مقاومة فيما بعد علي غرار المدن الاخري حيث أخفق الاتراك العثمانيون في بسط نفوذهم علي المناطق الداخلية وبقي سلطانهم علي السواحل فقط.
 
كما مرت الرجبان بعهد الاسرة القرمالية والعهد العثماني الثاني ويذكر ان مدينة الرجبان لم تنل اهتماما كبيرا طوال فترة الحكم العثماني نظرا لتبعيتها الادارية لمدينة يفرن في تلك الفترة. ومن القصور التي هدمها العثمانيون بمدينة الرجبان عام 1843 م نذكر قصر البراهمة الذي يضم 116 حجرة وقصر تركت الذي يضم 180 حجرة وقصور أولاد جابر ورعفران وغلن وزنتوت... وفي عهد الاحتلال الايطالي سقطت الرجبان يوم 6 نيسان (ابريل) 1913 حيث انطلقت حرب الاستنزاف ضد الحاميات الايطالية الموزعة علي كافة مناطق الجبل ولم تحظ المدينة باهتمام يذكر خلال فترة الاحتلال الايطالي لتبعيتها الادارية لمدينة جادو. وفي زمن المملكة، استمرت الرجبان في نموّها وتطوّرها في الفترة التي تلت الاحتلال الايطالي فتمّ افتتاح مدرسة اعدادية عام 1963 ووصل عدد المدارس الي 5 وتم تزويد المنطقة بمياه من ثلاثة اَبار تقع علي بعد 40 كلم شرق المنطقة وفي التسعينات تمّ التوسّع في انشاء المساكن والمباني والمرافق الي جانب ربط المدينة بشبكة الطرقات الحديثة... .
 
هذه حكاية المدينة التي سافرت كثيرا في الزمن ولكنها أيضا، عُرفت بشاعرها المبدع الجيلاني طريبشان الذي رحل منذ سنوات قليلة وقد كان ميّالا للعزلة في جبال الرجبان محتفيا بكتابه الضاج بالقصائد ابتهال الي السيدة نون حيث يقول عنه سمير السعيدي: حالة شعرية هائمة بكل أسرار القصيدة وفضائح الاشتياق، ينتقل بين محطات البوح وشبابيك الذاكرة... مغلقا بالشعر... طريبشان اَخر الصعاليك في أواخر القرن وأول المحترفين بجمر القصيدة المعاصرة بحق والتي تشبه القرنفلة بشكلها وفعل البريق بحدثها ورشاقتها وكذلك هو أبدا... . ويقول أبو القاسم الشابي: جيلاني طريبشان شاعر صوفي عاشق للغة في انفلاتها ومراوغاتها ومزاحماتها لنبضه المتوتر المتجلي بقضية الموفور غبطة بين الألم والفرح والحلم... يرصد نتوءات الوجع ويقرأ بصمت الاَخرين حيث يقول: كنّا خمسة في باريس / يفتقد الواحد منا أرضية الغرفة / وجريدة لوموند... كنا خمسة / لا نملك من أمر الارض سوي الصمت... في الموسوعة العالمية الحرة ويكيبيديا جانب من سيرته (1944 ـ 2001) منها أعماله في الصحافة والمجلات العربية حيث طغي عليه الشعر وكانت له تجارب في القصة والرواية وقد أجاد الرسم التشكيلي وقد ترك العديد من مخطوطاته التي توزعت بين اهتمامات مختلفة... ومثلما كانت حياته درامية، كانت وفاته أيضا اذ دخل أحد معارفه المسجد فوجده منكبا علي مصحف محشرجا: يا إلهي قليلا من الراحة... وقد قيلت فيه مراثٍ كثيرة وتناولته مقالات وبحوث بالدراسة. وفي سنة 2005 أقام أهالي مدينة الرجبان مهرجانا خاصا به صار الاَن عربيا حضره مبدعو ليبيا وشعراء من تونس وتحدّث خلاله الادباء والاصدقاء كثيرا فضلا عن النقّاد والشعراء ويتقدمهم ابن الرجبان الشاعر والناقد كامل عراب الذي يقول: فرحت أيّما فرح وأنا أتابع مدينة الرجبان الصغيرة في تأسيس ملتقي أدبي سنوي يحمل اسم شاعرها الراحل الجيلاني طريبشان... وتضرب الرجبان مثلا علي أهمية كسر الطوق الذي تضربه المدن الكبري حول نفسها والخروج الي اَفاق أرحب وكسر رتابة الحياة خارج المدن ودفع رغبات المشاركة والتألق بلا وصاية تقليدية انتحلتها المدن الكبيرة لنفسها... .
 
كما تحدّث الاستاذ علي الرحيبي صديق الجيلاني، عن بعض تفاصيل الرحلة مع الراحل فضلا عن الخصائص الحياتية والانسانية والثقافية التي ميزت مسيرته باعتباره واحدا من الرجابنة لقد كانت الاحتفالية مميزة في عمق الإيقاع الأهلي فالمتساكنون هم القائمون بهذا المهرجان وقد أقيمت الندوة بفضاء كلية الاقتصاد بالرجبان وفتح الاهالي بيوتهم للضيوف ومنهم الأديب كامل عراب الذي أكرم وفادة الجميع.
 
عدد كبير من المبدعين احتفوا بابن الرجبان ومنهم علي صدقي عبد القادر، جميل حمادة، منصور عبد الأشهب، محمد الدونقلي، ربيع شريط، صابر الفيتوري، السنوسي الحبيب، صالح قادربوه، عبد الوهاب قرينقو، عبد السلام العجيلي، إدريس الطيب، وليد الشيخي، راشد زبير السنوسي، عمر الككلي، صلاح الدين الغزال، خالد درويش، نيفين الهوني، النوري، سالم بوعيشي، علي العباني، بوعجيلة العكرمي الذي كان بارعا في الاعداد والتنسيق ببشاشته المعهودة ومحمد الكيش الطفل المتحرك أبدا بحثا عن راحة الضيوف حيث أدب الضيافة والحفاوة...
 
وقد أقيم بالمناسبة معرض للكتاب جمع عددا من الكتب الثقافية والأدبية وتلك التي تبرز تاريخ الرجبان وليبيا كما أقيم معرض تراثي حول تراث الرجبان الشعبي والثقافي أعدّه المبدع مصباح الصقر وهو شقيق الشاعر الشعبي المعروف عمر الصقر الذي يمثل مع حسن الرجبان صوتين مميزين في المدينة.
 
هكذا إذن، عاشت الرجبان علي ايقاع للاستذكار تجاه شاعر مميّز رحل عن الدنيا وقد احتفي الحاضرون بأبنائه وأوصوا بطبع أعمال الندوة والاعتناء بعائتله وأبنائه معنويا وماديا وقد غادر الجميع المدينة علي إيقاع الشعر والمحبة والوفاء تجاه الرجبان وأهلها الطيبين.
 

عن موقع القدس العربي - 20 سبتمبر 2006

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com