حصيلة 37 سنة من حكم
الرئيس الليبي
القذافي: لحُّاد قضية القومية العربية
بقلم: روني نابا
(المسؤول السابق عن العالم العربي والإسلامي في وكالة "أ.إف. بي"
الفرنسية)
إحتفلت ليبيا في الأول من
سبتمبر الماضي بالذكرى 37 لسيطرة معمر القذافي على زمام الحكم, إذ أصبح العقيد
بعدها عميدا لقادة ورؤساء الدول العربية. الذكرى هذه كانت مناسبة للصحافي روني
نابا, المسؤول السابق عن العالم العربي الإسلامي في وكالة "أ.إف. بي" الفرنسية,
لجرد حصيلة معتمة للقائد الذي كان ليكون بشيرا للوحدة العربية قبل أن يصبح حليفا
موضوعيا للولايات المتحدة وإسرائيل.
لقد حرص مدُاح الوحدة العربية, على مدى
37 سنة من الحكم الضال, على أن يكون واحدا من لحُادي القومية العربية, ومزيل
ألغام الدسائس الأمريكية في الفلك العربي, ثم الحليف الموضوعي الأحب إلى إسرائيل.
بعد أن نجح في إسقاط عرش عائلة السنوسي
المالكة, كنتيجة أولى ومباشرة للهزيمة العربية في يونيو 1967, إضطر الوارث
المحتمل لعبد الناصر إلى تبني سياسة جلد إبان تأميمه للمنشآت النفطية
الأنجلوسكسونية والقاعدة الجوية الأمريكية الكبرى "ويليس آير فيلد", التي أطلق
عليها فيما بعد, عام 1970, إسم أحد أكبر الفاتحين العرب "عقبة بن نافع". غير أنه,
وفي الوقت ذاته, أكبُ رجل التغيير, وبحماسة, على التبديد التدريجي للتعاطف الذي
كان قد حظي به عفويا, وعلى إضعاف معسكره بطريقة منهجية.
مختزلين حظوره في الدور التكميلي, وهو
عاشق أحلام العظمة رغم إصابته بتقلب نواسي, لم يتوقف معمر القذافي قط عن التذبذب
بين قطبي العالم العربي, المشرق والمغرب, مزاوجا بين كل أشكال الوحدة-
كونفدرالية, فيدرالية, إندماج- بالتناوب مع دول نهر النيل (مصر والسودان), عام
1970, بمعيّة البيروقراطيات العسكرية الموالية للإتحاد السوفياتي حينها (مصر
وسوريا وليبيا ثم السودان), سنة 1971, ثم مع مصر لوحدها, قبل الإستدارة جهة
المغرب (نقيض المشرق) مع تونس (1980) ثم الجزائر. ليستأثر في نهاية المطاف
بأفريقيا التي دأب فيها على إرساء قواعد دولة عبر قارية منذ بداية القرن الجاري.
فبسبب نزواته وإغراءاته وإكراهاته, لم
يسبق قط لهذا العقيد المرح أن أطلق أدناها عيار ناري على عدويه المعلنين, إسرائيل
والولايات المتحدة الأمريكية. غير أن مصيدته المعتمة تشهد على سجنه وتعذيبه
مأساويا لعدد من رموز الحركة المناهضة العربية, وقائد الحزب الشيوعي السوداني عبد
الخالق محجوب عام 1971, ثم القائد الروحي للطائفة الشيعية اللبنانية الإمام موسى
الصدر عام 1978.
1971: مع البريطانيين وضد الشيوعيين
إن قائد مجموعة " الظباط الأحلرار"
الليبيين, كما يلقب على غرار بعض السلف المصريين, سيدخل في مصالح مشتركة مع
البريطانيين بالرغم من بغضه الشديد الذي كان قد أعلنه في وجه مستعمر الأمس. آمرا
بتحويل اتجاه طائرة خطية تابعة لشركة الخطوط الجوية البريطانية في يوليوز 1971,
قصد تسليم جاره السوداني, الجنرال غفار النيمري, عددا من الشيوعيين المتهمين بأخد
السلطة بالقوة, ونذكر منهم خاصة العقيد هاشم العطا, أحد أبرز ممثلي الجيل الجديد
من الظباط العرب. أردأ من ذلك, وبدون مراعاة لظوابط اللجوء السياسي, قام القذافي
بتسليم القائد الشيوعي محجوب مصّفد الأرجل والأيدي للرئيس نميري. يذكر أن محجوب
كان وقتها, ولسوء الحظ, لاجئا في ليبيا. كما أن تبكيت الضمير الذي همهم به في
1976 إزاء هذا الفعل الجزافي لم يمنعه من تكرير الجريمة عامين بعد ذلك, والمرة
هذه في حق الإمام موسى الصدر, الذي سيختفي بشكل غامض في أعقاب مقام له في طرابلس
عام 1978, وفي ذروة الحرب اللبنانية. ليفقد الجلاُد للالسوداني بعد ذلك الحظوة
ومعه شريكه الليبي, بعد أن أشرفا على أول جسر جوي من الإثيوبيين اليهود في اتجاه
إسرائيل. وبعد أن لقيت ترحيبا واسعا, واعتُبرت آية في الشجاعة على صفحات الصحافة
الغربية, إستطاعت العملية وفي سياق أحداث قطع رأسي أكبر حزب شيوعي في العالم
العربي وأول حركة مناضلة شيعية فيه (حركة أمل), إستطاعت أن تأثر بشكل بليغ ودائم
على القدرات القتالية للمعسكر التقدمي وتقوية القدرات الديموغرافية لإسرائيل عبر
جلب 000 80 يهوديا من إثيوبيا.
1982 و1986 : سياسة الكيل بمكيالين
لقد مثل العقيد مادُة دسمة للجرائد
الغربية, مبديا سعادته الكبيرة بهذه النعمة الإعلامية. غير أن وقاحته سوف تحدث
نزوات مذلّة عند العديد من مواطني العالم العربي. في العام 1982, داخل بيروت
المطوُقة, وبينما ياسر عرفات يرزح تحت القصف الكثيف لطائرات الجو الإسرائيلية,
أمام جمود عربي شبه عام, فضل القذافي التوجه إلى عزيزية حيث حول الثكنة العسكرية
إلى مقر إقامة رسمية, على بعد آلاف الكيلومترات من المعسكر اللبناني قيد التدمير,
بدلا من كسر الحصار الإسرائيلي والتُعجُل لنجدة القائد الفلسطيني. وبدلا من
التزام الصمت وتوجيهه نصيحة مكدرة, لا "الشهادة", أي العلو الرمزي للموت في
الحرب, بل الإنتحار, مكبدا بلاءا إضافيا للعذاب الفلسطيني.
أربع سنوات بعد ذلك, وبعد أن قضى
أسبوعا مختفيا في ملجئه بطرابلس كرد فعل لأول طلقة إنذار من سلاح الجو الأمريكي,
أقدم العقيد في أبريل 1986,وبدون الخوف من إثارة السخرية, على إطلاق حملة إعلامية
يهدف من ورائها إلى رفع طرابلس إلى رتبة "هانوي العرب", حاجبا مبارزة الرجل
بالرجل التي عاشتها ساكنة بيروت على مدى الستين يوما التي دامها الحصار
الإسرائيلي, جاذبا إلى نفسه في الوقت ذاته سخرية مراسلي الحرب الذين كانوا على
دراية بما حصل على أرض الواقع. قبل أن يصبح الرجل سببا لثراء تجار الأسلحة ودمار
بلاده.
كما أن الترسانة العسكرية المدهشة التي
حصل عليها مباشرة بعد أخده زمام الحكم عام 1970, عبر عدة صفقات شراء أسلحة من
فرنسا- بما فيها صفقة القرن الخاصة بتسليم 75 طائرة حربية من نوع "ميراج" مقابل
15 مليار فرنك فرنسي آنذاك (حوالي 2.3 مليار يورو)- الترسانة تلك سوف يتم تفحيمها
في 18 شهرا من طرف مموُنه الفرنسي ذاته جراء هجومات داوية في تشاد, عامي 1985
و1986, خاصة في "وادي دوم" و"فايا لارجو".
سنوات الثمانينات: طرد المصريين والدعم الأخير
للسوفيات
دون مراعاة للنتائج التراجيدية لقراره,
لم يتردد القذافي في إعطاء أوامره بطرد 000 200 عامل مصري بداية سنوات
الثمانينات. إجراء أريد به معاقبة أعضاء وفد الرئيس أنور السادات إبان مفاوضاته
من أجل السلام مع إسرائيل. واقعا للمرة الثانية في الخطيئة ذاتها, أعطى أوامره,
خمس سنوات بعد ذلك أي في 1984, بطرد حوالي مليون عامل إفريقي عقابا لتحفُظ القادة
الإفريقيين حيال نشاطه العدواني.
باستراتيجياته ومخططاته التافهة, نفُر
الرجل, وبشكل نهائي, تعاطف حلفائه الطبيعيين. ولعل الفضل يرجع في بقائه على قيد
الحياة إلى الإتحاد السوفياتي الذي ظن بأنه سيعوض بليبيا ردُة مصر ما بعد عبد
الناصر, وإلى تيقُظ أجهزة مخابرات ألمانيا الشرقية التي أحبطت العديد من محاولات
الإنقلاب التي حُبكت ضده, ثم إلى تنبُه طياري كوريا الشمالية وسورية الذين أمّنوا
حماية دائمة لمجاله الجوي.
منظُر البطولة الرخيصة
لعل الحرب الكلامية هي الحرب الوحيدة
التي قادها حقًا. كما أن الرجل كان في الواقع قد طوُر تشدُقا كلاميا وجدليا قصد
إعطاء الإنطباع بأنه يقود الحرب ضد "الإمبريالية الأمريكية", وجعل العالم بذلك
ينسى علاقاته الأنجلوسكسونية السابقة. ولقد لجأ القذافي ووسائل إعلامه إلى تبني
تراكيب ومصطلحات مبالغ فيها, حتى أن الشعب الليبي كان في مناسبات عديدة يصعب عليه
فهمها.
كما أن قمة "ريغن-تاتشر", كناية على
الرئيس الأمريكي رونالد ريغن والوزيرة الأولى البريطانية مارغريت تاتشر, اللذان
كانا يحكمان خلال سنوات الثمانينات, القمة تلك كانت قد إعتُبرت كلقاء بين "كلب
إسرائيل المسعور وقاتلة الأطفال", في إشارة إلى الغارة الجوية الأمريكية ضد
طرابلس عام 1986, والتي قُتلت فيها نجلة القذافي بالتبني. ولقد تم نعت القاهرة
باسم "المهزومة" وحركة أمل باسم "اليأس". كما أن البيت الأبيض أخد نعت "البيت
الأسود", والمملكة المتحدة "حاملة الطائرات الثابتة لأمريكا", في إشارة إلى
الترخيص الذي أعطي لأجهزة الحرب الأمريكية للإقلاع من القواعد البريطانية إبان
القصف الجوي ضد ليبيا. ولقد كان الرئيس المصري حسني مبارك يدعى حينها "البارك",
وملك الأردن حسين "الخائن" ثم الرئيس التشادي, الذي كان في صراع مع ليبيا, بلقب
"المرتش".
مُتباه بمستواه الثقافي, أصدر"القائد
الأعلى للثورة الليبية" ماسماّه "الكتاب الأخضر", وهو موجز لعدد من النظريات
المتناقضة التي تم تقديمها آنذاك كنوع من "النظرية العالمية الثالثة". مُهداً
مجاناً, كإجراء إجباري, لكل زائر لليبيا أو لمن له علاقة بها, يقترح الكتاب ذلك
إرساء نظام إشتراكي بدون إشتراكيين وديموقراطي بدون ديموقراطيين, وحكم شعبي بدون
شعب. كما أن "الجماهيرية", والتي حلت محلّ البديل, شيُدت البيروقراطية كنظام حكم
والتطفلية كنسق عيش. ومقابل دوره السلبي في الدفاع عن القضية التي يجدر به الدفع
بها قدما, يحتفظ القذافي في رصيده بتدميره لطائرات خطية تجارية وطائرة تابعة
للشركة الأمريكية بانام في لوكربي (سكوتلاندا) عام 1988, وطائرة تابعة للشركة
الفرنسية إيتا فوق الصحراء التشادية, ثم الهجوم الذي استهدف ملها ليليا في برلين.
طبعة جديدة في الولايات المتحدة وكفالة في إسرائيل
لقد إستطاع الحصار الجائر على مدى عشر
سنوات (1992-2002) أن يضعف من مقاومة القذافي. إذ سوف يسلُم أقرب معاونيه إلى
العدالة الدولية ككبش فداء لهجوم لوكربي, قبل أن ينصاع ويقع هو ذاته تحت السيطرة
الأمريكية, فرحا لإفلاته من المصير المشؤوم الذي لقيه الرئيس العراقي صدام حسين.
في العام 1995, حضرته فكرة ظن أنها
"رائعة", إذ بعث مجموعة من الليبيين للحج في المسجد الأقصى (القدس), ثالث الأماكن
المقدسة لدى المسلمين, متخيلاً أنه بذلك سوف يكسر الحصار الذي تعاني منه ليبيا
منذ ثلاث سنوات. غير أن الحج الوهمي هذا أدى في نهاية المطاف إلى كفل السيادة
الإسرائيلية على المدينة المقدسة وإلى تشديد عزم الدولة العبرية في دورها كمُشرف
على المناطق المقدسة.
في العام 2003, وفي إطار عملية بدت
كتسليم في الميدان, إطمأن القذافي للأمريكيين مسلّماً, وبلا مقاومة, برنامجه
النووي لإدارة المحافظين الجدد بزعامة جورج بوش, رافعاً الحجاب في الوقت ذاته عن
جانب كامل من التعاون بين الدول العربية والإسلامية (باكستان وإيران وسورية) في
مجال التكنولوجيا النووية.
إن انفراد السادات بقرار توقيعه
اتفاقية كامب ديفيد يبرره تعطشه للسلام. أما القذافي فمبرره الوحيد هو بقاؤه على
قيد الحياة. سنتين بعد بداية خضوعه اللامشروط لنظام البيت الأبيض, عاد العقيد
ليسجل حظوره اللاُفت للنظر إبان القمة العربية التي احتظنتها الجزائر في 22 مارس
2005. حيث نعت الفلسطينيين والإسرائيليين معا بمصطلح "السذُاج", لأنهم لم يشيّدوا
فيديرالية "إسراطين", وهي كلمة مستحدثة ناتجة عن إدغام "إسرائيل" و"فلسطين". أي,
وببساطة, محو خمسين سنة من نضال الشعب الفلسطيني مقابل اتّقاء نكران هويته
الوطنية.
"يجب على الليبيين التعاون مع الولايات المتحدة"
وسط السخط القومي المُتعال في العراق
وفي فلسطين, وفي الوقت الذي ضاعف فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون, وبدون
محاسبة, تصفياته الغيرقضائية في حق القادة الإسلاميين كالشيخ أحمد ياسين وعبد
العزيز الرنتيسي, وبينما ياسرعرفات, الرئيس الفلسطيني المنتخب ديموقراطيا, لايزال
تحت الإقامة الجبرية منذ ثلاث سنوات في رام الله, ثم الرأي العام الدولي يعيش تحت
صدمة فضائح التعذيب في سجن أبوغريب, في ظل الوضع القاتم ذلك بتجلياته المختلفة
جاءنا تبرير السيد العقيد لمواقفه, وبكل وقاحة, بمصطلحات تحمل في طياتها معاني
الهروب والتهرب: "لم تكن أمريكا قط عدوة لليبيا, التي عاقبت نفسها بسبب تضامنها
مع ياسر عرفات وقضايا العالم الثالث...أبوعمار يدخل إلى البيت الأبيض ورئيس
وزرائه يسكر مع نظيره الإسرائيلي...يجب على الليبيين التعاون مع الولايات
المتحدة", مصرحا خلال الدورة السنوية لمؤتمر الشعب العام (البرلمان الليبي) في
مدينة سرت.
تصنع واضح؟ نرجسية مؤكدة؟ هذا الثوري
يعيش في ثراء عارم ممتطيا سيارات أسطورية لامعة, يتبعها موكب من الفتيات الفاتنات
مكلفات بحراصته المقرُبة, وخياط إيطالي في خدمة شخصه المعظم. أما أبناؤه, "سيف
الإسلام" وخاصة الأصغر "هانيبال" فيحيى في بذخ صارخ, أصبح معه أحدوثة العواصم
الغربية. منفردا بمفاتيح الخزينة النفطية, لايزال عميد القادة العرب المعاصرين,
ذو الخزينة الفائضة بالعملات الأجنبية القوية, يفتقر خاصة إلى الإعتبار. لا أحد
مغفل, ولن يكون هناك أبدا من مغفل في المستقبل. فمؤسسة القذافي لحقوق الإنسان, أي
الهيئة المكلفة بإعادة تأهيل القائد الليبي في شرف, عبر تسوية ما ارتكبه من
حماقات وأعمال دنيئة في الماضي مهما كانت كلفة ذلك, وخاصة ما تعلق منها
بالتعويضات الخيالية في حق 288 ضحية في قضية لوكيربي ولتحرير الرهائن الغربية
المحتجزة في الفيليبين. على المنوال ذلك أصبح القائد الأبُهة والمنظُر الثوري لما
سمُاه "النظرية العالمية الثالثة",عبر اندفاعه العابر وردوده الجافيُة, أصبح هزأة
القمم العربية التي طالما هدُد بهجرها, وأضحوكة الرأي الدولي, وغمُ الشعوب
العربية التي سأمت أوجه طيشه المتكررة.
نقلا عن موقع فولتيرنت - 20 أكتوبر
2006 |