12/05/2007

      


 
 
(البكوش).. المعارض الذي عاش شجاعا ورحل في هدوء
 
إعداد: إلهام حداد
 
عبدالحميد البكوش رئيس وزراء ليبيا الأسبق كان سياسيا محنكا ورجل دولة من الطراز الأول، ناهيك عن قدراته الإبداعية في الأدب والشعر والثقافة والفكر عامة، وهو أحد رجالات ليبيا البارزين من جيل الرواد الشامخين الذين ساهموا في تأسيس وبناء دولة ليبيا الحديثة بعد نيل الاستقلال في ديسمبر ،1951 وأحد السباقين إلي الجهر بمعارضة نظام الانقلابيين الذين أسقطوا ليبيا في أتون الاستبداد والفساد وأوقفوا مسيرة بنائها كدولة عصرية حديثة دعائمها العدل والحرية والتنمية الشاملة.
 
كان البكوش يمثل أصغر رئيس حكومة في حقبة ليبيا الملكية فلم تتجاوز سنه 33 عاما كما أنه شخصية مثيرة للجدل.
 
ففي عام 1982 أعلن البكوش عن تأسيس منظمة تحرير ليبيا من القاهرة تهدف الي اسقاط النظام القائم وإقامة نظام ديمقراطي تعددي. كما أن دعوته لمفهوم الشخصية الليبية فتحت الباب واسعا أمام معارضيه ونقاده في وقت تهيمن فيه القومية العربية بفعل التيار الناصري وبفعل أثر نكسة يونيو 1967 علي وجدان الشعوب العربية ولكن الجميع يشهد له بفتح الباب أمام تقرير دور الصحافة في البلاد وتكليفه لجيل شاب واضطلاعه بدور كبير في محاولة تأسيس دولة عصرية.
 
توفي عبدالحميد البكوش رئيس وزراء ليبيا الأسبق عن عمر يناهز 74 عاما بعد أن أصيب بمرض عضال في الكبد في احد مستشفيات الإمارات العربية في أبو ظبي. وكان قد ولد في مدينة طرابلس ودرس الحقوق في القاهرة وعين بعد تخرجه في القضاء ثم مارس مهمة المحاماة في بداية الستينيات، وأصبح عضوا في مجلس النواب في الانتخابات البرلمانية عام ،1964 وعينه رئيس الحكومة الراحل محمود المنتصر وزيرا للعدل في حكومته الثانية، وتقلد الوزارة نفسها في الحكومات الليبية المتعاقبة حتي أكتوبر 1967 حين كلفه الملك الراحل ادريس السنوسي بتشكيل الحكومة التي استقال منها بعد مضي 10 أشهر فعين سفيرا للمملكة الليبية في باريس، وصادف وجود السفير البكوش في طرابلس عند وقوع الانقلاب العسكري الذي أطاح المملكة الليبية في سبتمبر ،1969 فاعتقله العسكر وقدم إلي ما سمي بمحكمة الشعب، التي شكلها الانقلابيون لمحاكمة رجال ومسئولي العهد الملكي منذ إعلان الاستقلال في ديسمبر عام 1952 حتي وقوع الانقلاب. وتمكن عبدالحميد البكوش بعد 10 سنوات من السجن والإقامة الجبرية في منزله من مغادرة ليبيا واللجوء عام 1977 الي مصر في عهد الرئيس الراحل أنور السادات والإقامة بها تحت رعاية حكومتها حتي عام 2001.
 
تعرض البكوش لأول محاولة اغتيال في القاهرة عام 1982 ولكن السلطات المصرية احبطت المحاولة في الحين، وألقت القبض علي0 المتورطين فيها.
 
ونوفمبر 1984 تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة ثانية وكنوع من الحرب والخداع المخابراتي والإعلامي في تلك الفترة، عرض التليفزيون المصري صورا للبكوش وهو غارقا في دمائه مقتولا في بانيو الحمام الخاص بشقته، ليؤكد هذه المرة نبأ اغتياله ويبدو أن اتقان حكمة الاغتيال الزائفة للبكوش والرغبة في رد الاعتبار الليبي مع أحد أبرز المعارضين المطلوبين جعلت الإعلام الليبي يهلل فرحا بنجاح المخابرات الليبية في اختراق الأمن المصري والوصول إلي رأس البكوش في قلب القاهرة، دون بذل أدني جهد للتحقق من صدق المعلومات التي تناقلتها وكالات الأنباء العالمية، وفي اليوم التالي خصص التليفزيون المصري حلقة مدة ساعتين، تناولت خلفيات وملابسات ونجاحات الأمن المصري في التكتيك والمراوغة في قضية اغتيال عبدالحميد البكوش المزيفة. وعرض يومها وزير الداخلية المصري تفاصيل هذه المؤامرة كاملة في مؤتمر صحفي وكيف احبطت وكيف تم تضليل الإخوة في ليبيا ثم كشف زيف الخطاب الإعلامي الليبي عن طريق إجراء حوار مطول ومباشر مع عبدالحميد البكوش نفسه الذي ظهر عبر شاشات التليفزيون المصري سعيدا ساخرا من أن ينال منه النظام الليبي. فتم كشف المؤامرة التي كان قام بها القذافي لاغتيال البكوش فكانت صفقة كبيرة ومريرة تجرعها النظام كمن يتجرع السم.
 
وخلال سنواته في القاهرة كتب مجموعة من القصائد وأصدر 4 دواوين وهي قصائد ليبيا والرحيل ومطر السكر والعودة وفيها جميعا يتغني بالوطن وحب الوطن ويحلم بالعودة إلي الوطن، وبعد سنوات عدة من إقامته في القاهرة غادرها بحثا عن بقعة أخري بعد تدخل شخصيات معارضة مصرية من أجل إقناعه بالتصالح مع نظام القذافي.
 
وقال البكوش انه يحترم اجتهادات الآخرين ولكنه شخصيا لا يثق في شخص القذافي. وأكد أنه لن يعود إلي ليبيا أبدا وهي تحت حكم القذافي.
 
وفي النهاية كان البكوش متحضرا في كل شيء لا ينزلق في صغائر المشاكل حتي عندما يحاولون فرضها عليه، كما كان سياسيا نظيف اليد، فرئيس وزراء ليبيا النفطية كان دخله من المحاماة قبل أن يدخل الوزراء في منتصف التسعينيات 10 آلاف جنيه شهريا وكان يعيش في تقشف واضح في منفاه. وكان وجها ليبيا مختلفا، بمنطق آخر ولغة متميزة وعقل مفكر.. عبدالحميد البكوش، تزوج مرتين وله من زوجته الأولي المهندس وليد المقيم والموظف في المملكة العربية السعودية، وله من الزوجة الثانية 4 بنات يقمن مع والدتهن في أبو ظبي كبراهن علي وشك التخرج في الجامعة.
 
عن صحيفة الوفد

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com