|
هذا ما حدث ... ذكريات علي الذكريات محمود الناكوعتصوير دقيق للحراك الثقافي في ليبيا خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضيهذا ما حدث سيرة ذاتية لشخصية لامعة الذكاء منذ مرحلة التعليم الابتدائي الي المرحلة الجامعية ثم الدراسات العليا، وقد جمع صاحب هذه السيرة بين علوم الفلسفة والتاريخ واللغات وآدابها وخاصة اللغة العربية وأثرها في اللغات الأخري. و هذا ما حدث لم يكن سردا لما حدث له فقط، ولكنه صفحات من الابداع النثري الذي يشد القارئ من اول فقرة الي آخر جملة فيه وفي سطوره من الملح والطرائف والمواقف ما يضحك، وفيه ايضا من التجارب والاحداث والابتلاءات ما يبكي. تلك هي ذكريات الدكتور علي فهمي خشيم المثقف الليبي الموسوعي الذي ملأ حياته وعلاقاته مع الآخرين بكثير من الابداع كما ملأها بكثير من الجدل والمعارك الكلامية، وخاصة تلك المعارك التي دارت وما تزال تدور رحاها حول ما قال في التاريخ وفي اللغة العربية وعمقها وانتشارها في نسيج اللغات الأخري، وخاصة ما كتبه عن علاقة اللغة العربية او العروبية بالأمازيغية (لسان العرب الأمازيغ) و(سفر العرب الأمازيغ). انها مسيرة وسيرة ثرية تضع صاحبها الدكتور علي خشيم في عداد الصفوة الليبية والعربية ثقافة وانتاجا وريادة رغم كل ما دار ويدور حول اعماله وانتاجه من اختلافات وآراء معارضة او مشككة او متفاعلة...عرفت علي فهمي خشيم عندما كنا في الجامعة في اوائل الستينات طالبا ذكيا، وكانت معرفة عن بعد، ولم تنشأ بيننا اية علاقة شخصية، ثم عرفته في ميدان الصحافة بطرابلس وقرأت اول كتاب له وهو (الحركة والسكون) وقرأ لي في تلك المرحلة كتاب (اقباس علي طريق الشباب).. وبعد انقطاع طويل طويل قرأت كتابه (هذا ما حدث) الذي سجل فيه اغلب ذكرياته، وفي الكتاب اشياء كثيرة جميلة منها الأسلوب الذي صاغ به ذكرياته وما يزخر به من قيم جمالية وفنية تجعل القارئ لا يشعر بالملل، بل يشعر برغبة في الانتقال من صفحة الي صفحة، ومن حدث الي حدث..ومن تلك الأشياء الجميلة قدرته علي تطويع الكلمات والجمل لتصبح من السهل المحبب، فرغم انه استاذ فلسفة، والفلسفة هي مادة الجمل والأفكار والقضايا الصعبة المركبة المتشعبة، لكن خشيم حينما كتب سيرته هذه جاءت علي نحو ما يكتب الأديب الخبير بأساليب الابداع النثري، فكانت كلماته وجمله عربية فصيحة سهلة، تشد القارئ شدا مريحا جذابا... والكتاب يعبر بالقارئ الي مساحات جغرافية شاسعة حيث حل صاحب السيرة طالبا في دارهم البريطانية او زائرا لليابان والصين وبلدان اخري باحثا ودارسا او محاضرا في ندوة من الندوات الفكرية، ويدخل احيانا في تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية وخاصة عندما يكتب عن مدينة طرابلس وعن المدينة القديمة بالذات، وعن زنقة شلاكة التي احتلت حيزا معتبرا في الكتاب، وفيها بدأت قصة حبه لابنة خاله التي تزوجها وسعد معها ثم داهمها السرطان فكانت الفاجعة المؤلمة له، وقد جسد معاناته معها اثناء المرض باسلوب تراجيدي مؤثر.. وفي صفحات الكتاب نقرأ تصويرا دقيقا للحراك الثقافي في ليبيا خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وباعتباره مثقفا متميزا فقد ابدع ايما ابداع فيما كتبه عن ذلك الحراك الثقافي في تلك السنوات، وهو حراك شمل الصحافة والمسرح والسينما والمنتديات الثقافية والجامعة وأشياء اخري....تحدث خشيم كثيرا عن الثقافة والفكر، وتحدث قليلا عن السياسة، وبدا واضحا انه لا يجيد الصراع السياسي، او انه لا يقبل بما تجره السياسة من خيبات.. ولعل السطور التالية توضح ما وصل اليه من قناعة بشأن السياسة والسياسيين وما فعلوه في العالم العربي (الوطن الكبير الذي حلمنا به موحدا قويا عصفت به الأعاصير وطيرته اشلاء ومزقا. نهش الأخ اخاه وطعن الشقيق شقيقه في الظهر والخاصرة. تناحر زعماؤه وتنافروا، واخذ بعضهم بخناق بعض وتركوا جيوش الأعداء تحتل أرض الوطن وتخلوا عن مقاومة العدو المغتصب، ولم يفطنوا الي خطط الغزو المكتسح حتي صار حقيقة لا خيالا، آه ايها الوطن الكبير الغالي! ذبحك ابناؤك من الوريد الي الوريد ووقفوا يتفرجون علي نجيعك يسيل علي ترابك المقدس وهم لاهون. قاتلكم الله يا ملوك الطوائف ولعنكم كما لعنكم الناس والتاريخ.. ولم يعد ثمة ما يقال). وفي صفحات الكتاب التي تجاوزت خمسمئة صفحة الكثير من المعلومات والأسماء والتغيرات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها ليبيا وعاشها جيل علي خشيم وهو من مواليد 1936 مصراته...يقول في احدي الصفحات الأخيرة من كتابه: (حياتي ليست خاصة بي، فهي حياة جيل بكامله كان نبتة في رمال الصحراء القاحلة تتلهف الي قطرة ندي تحييها وترنو الي سحابة عابرة علها تنزل عليها قطرات تدفع بها الي النماء. هذا الجيل نحت طريقه بالأهداب في جبال الصوان السوداء، وجعل من عيونه جسرا تعبر عليه الأجيال القادمة الي مستقبل افضل وأفق ارحب واحلي واجمل. جيلي عاش بالأمل وتغذي علي الحلم وسار ببصيص من نور الرجاء.. ولا يزال. واذا كنت قد تعثرت كثيرا فالعذر ان الطريق لم تكن امامي ممهدة مبسوطة. واذا كنت قد اخطأت كثيرا فما ذاك الا لقلة الخبرة وانعدام الهادي في أغلب الأحيان.اخيرا هل قال علي
خشيم كل ما حدث؟ وهل لخصت انا في هذه العجالة كل ما في الكتاب ؟ لا هذه ولا
تلك... انما هي اضافات لعلها تفتح آفاقا للتواصل بين عشاق القراءة والكتابة في
عالم صغرته وقربته صناديق الحاسوب.
|