|

القمة... وصانع الأكاذيب الذي أدمن
تصديقها!
معاوية يس - الحياة -
29/03/07
شغلت نفسي بضعة أسابيع مطلع تسعينات
القرن الـ20، وكان البث التلفزيوني الفضائي في مستهل أمره، بمتابعة الفضائية
الليبية لأرصد خطابات «القائد الأممي» العقيد معمر القذافي. ليس ولهاً بمضمونها،
ولا حنيناً إلى عهود زعامات عاصرت القذافي في مقتبل حكمه. ولكنه كان تأملاً في
ظاهرة هذا الزعيم «الهوائي»، الذي تنقل التلفزة خطاباته «على الهواء» مباشرة على
مدى ساعات، يتحدث فيها عن كل شيء، ويعيد فيها رسم التاريخ كما يريد، وينتهي بـ
«طظ» في أميركا التي استسلم لها طائعاً مختاراً في نهاية المطاف.
كنت أشعر بأن «الزعيم» يعيش في غربة
حقيقية، وإن كان وسط شعبه دوماً يغرد بنظرياته خارج السرب، والنظريات لا توفر
للشعوب الجائعة خبزاً ولا قمحاً. وما أكثر نظريات «الأخ القائد» ونظراته
وغرائبياته. والأدهى منه مجموعات «الهتيفة» الملازمة له كالظل في كل خطاباته
«الجماهيرية»، فما ان يتوقف «القائد الأممي» ليبتلع ريقه، أو يجفف قطرات العرق من
وجهه المليء بالتجاعيد، حتى ينطلق هؤلاء في هتافات مسعورة معدة سلفاً لتمجيد
«القائد» وسياساته.
بدا لي أن غربة «الأخ العقيد» ناجمة عن
عزلة حقيقية كان ولا يزال يعيشها. فإذا نظر حوله لن يجد عاصمة مرتاحة إلى التعامل
معه. وحتى العواصم التي تفتح له مطاراتها وهي قلة، لا تثق فيه، ولها معه تجارب
مريرة موثقة تاريخياً، ومنحوتة في ذاكرة شعوبها. كيف كانت علاقته بنظام الرئيس
أنور السادات؟ وإلى أي مدى ذاعت شهرة منفذ السلوم الحدودي من كثرة ما «قذف»
بالمغتربين المصريين إلى الصحراء؟
لو ذهب «القائد الأممي» إلى المغرب
العربي الذي تمسح طويلاً بالانتماء اليه، فهو لن يجد استقبالاً يليق بزعيم أول
وآخر «جماهيرية» في العالم... في المغرب كان له تاريخ طويل من تمويل محاولات
الانقلاب والزعزعة. وكذلك في الجزائر وتونس، بل حتى في أفقر البلدان المغاربية،
وهي موريتانيا.
ولو اتجه القذافي شرقاً فهو لن يتعدى
القاهرة والخرطوم إلى أي عاصمة أخرى. فمن شدة ما سخر من قادة الدول الخليجية نما
حاجز سميك بينه وبين شعوب تلك الدول، علاوة على حكوماتها. من المؤكد انه كان يمكن
ان يكسر العزلة التي تخنقه لو قبل السفر إلى الرياض لحضور القمة الـ19، فهي
البلاد العربية الوحيدة التي عفت عن القذافي وعملائه. ولو أتى لاستقبلته أسوة
بزعماء الدول العربية التي شاركت في القمة.
فأما مصر، فتستقبله لأبعاد تتعلق
بديبلوماسيتها ودورها في المنطقة، ومراعاة لمصالح قرابة المليون من بنيها
العاملين في ليبيا. وأما السودان فيستقبله لأنه أحد أسباب الكارثة السياسية
والأمنية والاقتصادية التي ظل يعانيها ذلك البلد منذ عقود. تشهد له محاولاته
الفاشلة في تحقيق «الوحدة العربية» مع السودان، وغزوته الفاشلة للخرطوم في 1976
التي سالت بسببها دماء طاهرة زكية في شوارع مدن العاصمة المثلثة، وقراره
«الصبياني» استرداد مال أقرضه لحكومة الرئيس جعفر نميري - إثر إحدى غضباته عليها-
ما اضطر نميري إلى دعوة شعبه للتبرع لما سماه «مال الكرامة» لرد الدين الليبي.
حوادث مرت عليها سنوات طويلة، لكنها رسخت في الذاكرة الجماعية للشعوب التي تكون
الأمة السودانية.
وماذا لو ذهب القذافي إلى أفريقيا؟ فهي
القارة التي اعلن الانتماء اليها بعدما كفر بالعرب والعروبة، على رغم أنه يحمل
ضمن القابه الكثيرة لقب «أمين القومية العربية». ولماذا لا تستقبله افريقيا وهو
اضاف إلى ألقابه لقب «صاحب فكرة الاتحاد الافريقي»؟ حتى في تلك القارة الفقيرة لم
يجد القذافي يداً تنتشله من عزلته المخيفة. وصادفت مساعيه في أول وآخر جولة
«شعبية» له في القارة السمراء ليبايعوه إماماً للمسلمين بواراً شديداً.
ومن المؤسف أن القذافي على خصام مع
العرب والعروبة والقمة العربية، وهو «أمين القومية العربية»، لكنه «عسل على لبن»
مع «الشيطان الأكبر» أميركا التي لاحقته في ساحات المحاكم الدولية وأرسلت
طائراتها المقاتلة لتدك حصونه داخل عاصمة «جماهيريته»، فركع لها طائعاً ذليلاً،
وخائفاً مرتعداً.
وسلسلة «حوادث» القذافي ليست قائمة من
صنع خيال كاتب مريض - كما قد يقول زبانية إعلامه. هل ثمة من يُماري في شأن حادثة
لوكيربي؟ واغتيال الإذاعي محمد مصطفى رمضان؟ وقتل الشرطية البريطانية بيفون
فليتشر من داخل المكتب الشعبي الليبي (السفارة) في لندن؟ والاعتراف بامتلاك
برنامج لإنتاج أسلحة الدمار الشامل بعد نكران استمر طويلاً؟ واختفاء الإمام موسى
الصدر؟
إذاً... هل كانت قمة الرياض «قمة
الكذب» كما نعتها «القائد الأممي» أم أنه هو الذي احترف الكذب على نفسه حتى أضحى
يصدق أكاذيبه قبل أن يلقيها على مسامع الآخرين؟
وليسامح الله أستاذينا السودانيين
عبدالله زكريا والراحل بابكر كرار، فلقد أَسَرَاهُ بحديثهما عن «نظرية عالمية
ثالثة»، لا هي رأسمالية ولا هي اشتراكية، وضمناها له في «الكتاب الأخضر» الذي
ألَّفاه بإيعاز من «الأخ القائد» ولم يدريا أنهما أطلقا مارداً هائجاً لم يُضْفِ
عليه تعاقب السنين وتزايد تقطب الجبين حكمة تلجم هياجه وتعيده إلى قمقمه... مسكين
أنت أيها الشعب الليبي... وسعداء أنتم أيها العرب أن القذافي لا يحكمكم... وأكثر
سعادة أنتم أيها الزعماء العرب أن غياب «القائد الأممي» أعفاكم من محاضرة لستم في
حاجة إليها.
عن صحيفة الحياة اللندنية
- 29 مارس 2007
|
libyaalmostakbal@yahoo.com