
ليبيا بين الأمس واليوم
أين تتجه ليبيا القذافي
؟
بقلم:
احمد عمرابي
عندما وصل القذافي إلى السلطة قبل 38
عاماً على خلفية العصر الناصري في الوطن العربي كان شعار «القومية العربية»
ملائماً لسلطة ثورية عربية. لكن هذا الشعار تبخر بعد أن دخل الوطن العربي عصراً
تعتبر فيه الولايات المتحدة قوة حليفة وإسرائيل دولة صديقة. ولذا فإن ليبيا
القذافي أحدث مثال عربي للتأقلم مع هذا العصر.
في عام 1969 أعلن القذافي «سقوط اليمين
واليسار» كناية عن المد الثوري العربي في ذلك الزمان. كان اليمين متجسداً في
اندحار عدد من الأنظمة التقليدية التي هوت، كنظام الباشاوات الإقطاعيين في مصر
ونظام آل السنوسي في ليبيا الذي أطاح به القذافي. لكن العقيد كان أيضاً ينظر
بريبة عدوانية مكشوفة إلى الجماعات البعثية والشيوعية وغيرها من التنظيمات
اليسارية.
ليس المقصود تحديداً انتقاد رؤية
العقيد للتيار اليساري العربي، إنما المقصود هو ما عمد إليه القائد الليبي من خلط
بين الفكر الإيديولوجي والعمل التكتيكي، بين دوره كزعيم ثوري ودوره كرجل دولة
يتعامل مع القوى الأخرى في ساحة الصراع الدولي.
في ذلك الحين ـ أي طوال عقدي السبعينات
والثمانينات ـ كانت تطغى على الساحة الدولية الحرب الباردة بين المعسكرين
الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة، والاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي، وعوضاً
عن استثمار هذا الصراع بين قوتين عظميين من منظور دولة عالمثالثية تتبنى نهجاً
استقلالياً على الصعيدين الإقليمي والدولي ـ كما فعلت مصر الناصرية ـ فإن العقيد
القذافي اختار المجاهرة بالعداء للقوتين معاً.
عبدالناصر كان كالقذافي يكن عداء
أيديولوجياً للشيوعية كمذهب سياسي وللشيوعيين المحليين كتنظيمات، لكنه مع ذلك لم
يكن يتعامل مع الاتحاد السوفييتي على أساس قاعدة الخلاف الأيديولوجي وإنما على
أساس مبدأ التكتيك المرحلي الذي يمكن أن يجمع بين الطرفين ضد طرف ثالث.
العقيد القذافي أدرك هذا الفارق بعد
فوات الأوان. فبعد أن اشتدت الضغوط والضربات الأميركية ضد ليبيا خلال عقد
الثمانينات خاصة في عهد الرئيس رونالد ريجان اكتشف العقيد خلال النصف الثاني من
العقد أنه مضطر إلى تقارب مع الاتحاد السوفييتي ليس فقط على أساس تصالح عابر
وإنما على أساس تحالف استراتيجي كامل.
فقد طلبت ليبيا القذافي رسمياً
الانضمام إلى عضوية «حلف وارسو» التنظيم العسكري المظلي للدول الأعضاء في المعسكر
الاشتراكي، لكن عند اتخاذ هذه الخطوة الليبية المصيرية كان الاتحاد السوفييتي ـ
ومعه المعسكر الاشتراكي ـ في عهد ميخائيل غورباتشوف على وشك الانهيار، هذا
الانهيار التاريخي لأعظم قوة دولية حليفة للعرب سبقه دخول العالم العربي عصر كامب
ديفيد وتلاه دخول فلسطين عصر أوسلو. وبتفعيل هذه المتغيرات الجسيمة الثلاثة على
الصعيدين الدولي والإقليمي أصبحت ليبيا الثورية معزولة تماما.
وهكذا فإن الانعزال الليبي الذي نراه
اليوم هو في الحقيقة جزء لا يتجزأ من الانكسار العربي العام في عصر الهيمنة
الأميركية الإسرائيلية.
عن صحيفة البيان - السبت 12 مايو
2007
|