كان كابوسا مروعا
استمر أكثر من سنة في منطقة حولّي وما جاورها بمدينة الكويت.
رجل يغتصب الأطفال ويهرب من دون أن يخلف بصمة وراءه. عشرات
الأطفال ـ قيل ثمانية عشر وقيل أكثر ـ روعهم ذلك المجرم الذي
أطلق عليه الناس اسم «وحش حولّي». هاجت الصحافة الكويتية
والبرلمان موجهين أصابع التقصير نحو رجال الأمن لعدم القبض
على المجرم طيلة هذه المدة. طفولة تمارس براءتها انتهكت في
لحظة نزوة حيوانية، آثار تجاوزت الحمض النووي وبقايا الحيوان
المنوي بقيت غائرة في نفوس الأطفال. شعرت بقشعريرة وبرودة
تجتاحني، وأنا أتخيل حالة الأطفال الذين تعرضوا لأبشع اعتداء
يتعرض له الصغار وما يتركه ذلك العدوان الغادر من ندبات في
أعماقهم. الشرطة الكويتية تعتقل رجلا تشير التقارير
والتحقيقات الأمنية حتى الآن الى أنه المسؤول عن تلك الفظائع
في حق البراءة.
تزامن الخبر مع
إطلاق سراح ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني من سجون ليبية
قبعوا فيها ثماني سنوات عجاف. الطبيب الفلسطيني «تبلغَرْ»
ومنحته الحكومة البلغارية جنسيتها ليناله العفو مع زميلاته
ويتوجه معهن لبلغاريا. كان العالم كله - بمن في ذلك السلطة
الفلسطينية وشكليات حقوق الإنسان العربية - قد تخلى عن ذلك
الطبيب المنحوس.
تساءل أحدهم:
أيعقل أن يتآمر فلسطيني وبلغاريات من ملائكة الرحمة لحقن
مئات الأطفال الليبيين بفيروس الإيدز ؟ وما هي المصلحة التي
يرجوها هؤلاء لارتكاب مثل هذه الفعلة الشنيعة؟ وكيف يمكن أن
يتوافق هوى إنسان فلسطيني «مريض» مع ثماني ممرضات بلغاريات
على ارتكاب هذه الشنائع ؟
قال آخر: لقد ثبت
ارتكابهم لهذا الجرم في حق الأبرياء من الأطفال، ولقد أثبت
القضاء الليبي ذلك.
فيرد عليه الأول:
حدث العاقل بما لا يعقل، فإن صدق فلا عقل له. حسنا، فلماذا
إذن أطلق سراحهم ؟ فالجريمة مروعة، والنتيجة كارثية على مئات
من الأسر، مئات من الأطفال سلبت منهم الحياة الطبيعية من دون
ذنب اقترفوه، وعائلات عانت وذاقت الأمرين بمعايشة فلذات
أكبادها التي أقحم في أجسادها الغضة فيروس الإيدز القاتل مع
ما يرافق ذلك من عزلة للأطفال وأهلهم وسلبهم حياتهم الطبيعية
التي لن تستمر في الغالب طويلا. أين هم الضحايا من كل ما
جرى؟ وما رأي الضحية في الجاني؟ وما رأي الطفولة في التعويض
المادي وحجمه ؟
الحكومة الليبية
مدانة إن هي قبلت بالتعويض - مثلما صرحت - لأن ما جرى لا
تعوضه أموال الدنيا، وهي مدانة إن كانت الجريمة مفبركة.
فرنسا، ممثلة
بالرئيس نيكولا ساركوزي وحرمه المصون السيدة سيسيليا دخلا
على الخط، ساركوزي يريد أن يبدو نشطا في دبلوماسية فرنسا
الجديدة التي حاز رئاستها قبل أسابيع، ومدام ساركوزي تبحث عن
دور «إنساني» يتعلق بالطفولة أو إنقاذ من اتهم ظلما بأنه
اعتدى على قدسيتها وإخراجه من السجن.
كيف يستقيم هذا:
إما أن الطبيب وصويحباته مجرمون، وبالتالي فلا يجوز التوسط
لهم، أو أنهم أبرياء ومن ثم فالأحرى معاقبة من ظلمهم. لكنها
السياسة قاتلها الله. لا وزن للطفولة ولا مكان للقيم فيها.
البلغار أعلنوا
مرارا وتكرارا أن مواطنيهم ـ بمن فيهم مواطنهم الطبيب الجديد
ـ ابرياء كالذئب من دم ابن يعقوب. والحكومة الليبية تقول ان
الأوروبيين دفعوا التعويضات لأهالي الأطفال الضحايا.
والأوروبيون يقولون انهم لم يدفعوا «قرشا».. وضاعت الطاسة.
ويبقى الطرف الأهم
في هذه الفظائع صامتا، أو مجبرا على الصمت. ألغاز كثيرة
محيرة ستدفن مع الصغار، وستموت في دهاليز السياسة
وخباياها... ولا عزاء للطفولة !!
عن صحيفة
الشرق الأوسط - 28 يوليو 2007
|