|
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
لا شك أن دخول الأموال في السياسة مهم في حلّ كثير من الأزمات، فلا أحد منا يستطيع إنكار تأثير المساعدات المالية في القضية الفلسطينية ولا في قضايا الرهائن المدنيين، بيد أن الحديث في مثل هذه القضايا يعتبر من المحظورات التي يتّكتم عليها السياسيون بل ويغطون عليها كما يقال «بالقفل وبالمفتاح».إنها الوضعية التي تسببت في ظهور تلك الألغاز الغريبة التي أحاطت بقضية المّمرضات البلغاريات والسؤال الذي حّير الصحافة والرأي العام كان حول مصدر الأموال أو الـ 460 مليون دولار التي دُفعت كفدية لأهالي الأطفال الذين أصيبوا بعدوى الإيدز. بعيداً عن القنوات الرسمية التي أضحت حتى هي لا تتفق على رواية واحدة، ذهبت أبحث عن الجواب الشافي، تتّبعتُ كل التقارير وحيثيات القضية وقابلت عدة شخصيات.. لكني أعترف أن ما كشفته لي إحدى الشخصيات الناشطة في مجال حقوق الإنسان والتي تتّبعت عن كثب كواليس القضية، أقنعني لحّد ما، حيث يبدو أقرب للحقيقة.أحداث القضية بدأت تتسارع منذ سبتمبر2005 حين بدأ الزعيم الليبي معمر القذافي يطالب أوروبا بتعويضات مالية مقابل إطلاق سراح المّمرضات. طلبُ القذافي كان يخدم غرضين فمن ناحية كان بمثابة الضوء الأخضر لتطبيع العلاقات مع الدول الغربية وهو ما بدأ يسعى إليه بعد أحداث حرب الخليج ومن ناحية أخرى ضروري لتبرير تغير موقفه وإرضاء للرأي العام الليبي الذي كان لا بد من مراعاة تأثره بهذه القضية المؤلمة. لكن هذه المسألة كانت تطرح مشكلة لأوروبا ليس فقط لأن المبلغ المطلوب مرتفع ولكن أيضاً لأن قبول أوروبا بدفع هذا المبلغ يعني إثبات التهمة على المّمرضات وهو الشيء الذي ترفضه المجموعة الأوروبية من الأول. تكاثفت الجهود الأوروبية لتجاوز هذا الحاجز الدبلوماسي وهو ما نتج عنه ظهور «صندوق بنغازي» الذي أنشئ رسمياً لمساعدة ضحايا هذه المأساة لكنه في الواقع كان الأداة القانونية والغطاء الشرعي الذي وجد لحلّ مسألة التمويل. وهنا مربط الفرس: فالمفروض أن الصندوق هو الذي مّولَ التعويضات التي قدمت لأهالي الأطفال لكن المجموعة الأوروبية تنفي ذلك. وكان الرئيس الفرنسي سركوزي ومارك بريني رئيس هذا الصندوق قد صرحا مراراً وتكراراً أن اللجنة الأوروبية لم تعط سنتيماً زيادة أكثر مما اتفق عليه المرة الأولى على «طاولة المفاوضات»، أما ليبيا فهي تؤكد أن الأوروبيين هم الذين دفعوا والحقيقة تبدو أنها بين الاثنين.فصندوق «بنغازي» الذي ساهمت فيه الدول الأوربية لم يجمع سوى 129 مليون يور، لكن تدخل سركوزي في القضية ساهم في تفعيل الأمور، حيث دخل في سباق مع الزمن لجمع المساهمات المالية والتي وجد جزءا منها عند أمير دولة قطر الذي طّور علاقات جيدة بالرئيس سركوزي، لا سيما بعد صفقة طائرات «الايرباص» وقد وجد الجزء الآخر عند ليبيا نفسها عبر صندوق مؤسسة القذافي الخيرية التي يديرها نجله سيف الإسلام والتي قبلت تقديم جزء من التعويضات مبدئياً مقابل رّدها. وكان القذافي حريصاً على دور ابنه في القضية وتقديمه للأسرة الدولية كتمهيد لدوره في المستقبل. لكن الشوط الثاني من المفاوضات الماراثونية لسركوزي وزوجته سمحا بإيجاد الحلّ النهائي. فأوروبا التي لا تريد دفع سنتيم زيادة اتفقت مع ليبيا ألا ترد المبلغ الذي قدمه صندوق مؤسسة القذافي الخيرية، مقابل هذا تمسح دول أوروبا الشرقية لا سيما بلغاريا الديون القديمة التي على ليبيا من أيام القطب الشيوعي، كما أن فرنسا ساهمت مقابل تنازل ليبيا عن التعويضات بقبولها استثنائيا توقيع بروتوكول التعاون النووي مع ليبيا وهو ما كان غير وارد سابقاً. هذه النقطة بالذات أثارت كثيرا من التساؤلات عن مغامرة فرنسا بمنح ليبيا التي كانت قبل وقت قصير في قائمة الدول الإرهابية مفاتيح الصناعة النووية، خاصة أن الكل يعلم أن ليبيا بلد غني بمصادر الطاقة وليست بحاجة للصناعة النووية وأن التبرير الذي قدم عن استغلالها لهذه الصناعة من أجل أغراض سلمية ليس إلا حجج واهية.والواقع أن هذا الحلّ الذي وجد في الآخر بدا وكأنه يرضي الجميع، فليبيا ضمنت خروجها تماماً من لائحة «الدول المارقة» وفي مقابل هذا تسجل دخولها الجديد في المشروع الأورومتوسطي الذي يقترحه سركوزي على دول المغرب العربي ولا يهم إن كانت هي في الآخر من دفع الجزء الأكبر من هذه التعويضات. وأوروبا تفوز بشراكة جديدة مع دولة غنية بالطاقة، أما الرابح الكبير في هذه القضية فتبقى فرنسا التي ضمنت علاقات مميزة مع بلد غني بالثروات الطبيعية وبفرص استثمار هائلة، وهذا بعد سنوات عجاف شهدها الفرنسيون في المنطقة.ربما الأطرف في هذه القضية التي تبقى للأسف مأساة حقيقية بالنسبة لعائلات الأطفال المصابين، هو دور زوجة الرئيس الفرنسي التي يبدو أنها أصبحت تنافس «كوشنير» وزير الخارجية في مهمته. ويقال ان سيسيليا استعملت الدبلوماسية «الاجتماعية، النفسية»، فزيادة على الشيك الذي حملته في حقيبتها الى ليبيا من زعيم عربي، استعملت مع الزعيم الليبي أسلوب «الزنّ» تماماً كما تفعل بعض النساء عندما يردن الحصول على شيء، فكانت تتصل به يومياً أثناء إقامتها في ليبيا مرة إلى مرتين وكانت تصّرح لمستشاريها بدون كلل «لن أتوقف عن ملاحقته». وبين دبلوماسية الشّيك ودبلوماسية زوجة الرئيس تبقى المصالح الاقتصادية والسياسية المتبادلة فوق كل اعتبار.
elkounissa@yahoo.fr
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
التعليــقــــات
|
||||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||