28/07/2007
 

عيون وآذان (الدم المستورد)
جهاد الخازن -  الحياة

 

أولاً هذه المعلومات:
كان مستشارو الحكومة لشؤون الطب يعرفون خطر الإصابة بالإيدز من الدم المستورد منذ أوائل 1983، إلا انهم قرروا عدم وقف استيراد الدم خوفاً من انخفاض المتوافر منه. وأظهرت وثائق تعود للجنة السلامة في الطب انها كانت تعرف ان المرضى الذين يتلقون باستمرار مركّزات تخثير الدم يواجهون خطر الإصابة بالإيدز. كذلك كانوا يعرفون ان الخطر يزيد إذا استوردت عناصر لمنتجات الدم من مناطق يكثر فيها الشاذون والذين يتعاطون المخدرات...
 
ما سبق ليس عن ليبيا والممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني الذين أفرج عنهم قبل يومين، وإنما هو ترجمتي من خبر كان مانشيت الصفحة الأولى في جريدة «الغارديان» اللندنية في 25 أيار (مايو) الماضي عن إصابة ألوف البريطانيين بالتهاب الكبد والإيدز من جراء الدم الملوث، وموت مئات منهم في المستشفيات البريطانية، في فضيحة طبية لم يتهم أحد بأنه وراءها عمداً.
 
عدت إلى خبر «الغارديان» وأنا أقرأ عن الإفراج بعد ثماني سنوات، في جحيم سجون ليبيا، عن خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني اتهموا بتعمد إصابة أطفال ليبيين، بمرض الإيدز وحكم عليهم بالإعدام مرتين.
 
كثيرون من الذين يبيعون دمهم مصابون بالإيدز أو مدمنون على المخدرات، وبحاجة إلى المال، وقد وقعت إصابات مماثلة في كل بلد تقريباً، من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان إلى أفريقيا جنوب الصحراء.
 
فقط في ليبيا اتهمت الممرضات والطبيب بمؤامرة، على رغم ان بعض الإصابات ثابت قبل وصولهم إلى ليبيا، وقال العقيد القذافي ان وراء المؤامرة وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) والموساد لزعزعة الاستقرار الليبي.
 
أتوقف قبل ان يسبقني الكلام لأسجل بعض الخلفية، ففي 15/12/2003، وبعد يوم واحد من إخراج صدام حسين من جحره واعتقاله، أعلن الأخ العقيد، ان ليبيا ستتخلى عن برنامجها النووي في مقابل رفع العقوبات الدولية عنها المفروضة منذ 1982 (هي العقوبات الوحيدة التي أيدتُها على امتداد عملي الصحافي لأنها منعت ليبيا من استيراد أسلحة لا تجيد استعمالها فتخسر حرباً ضد شرطة تشاد).
 
القذافي لم يكن يملك برنامجاً نووياً حقيقياً، وأنابيب الألومينيوم كانت من دون المحركات التي تدور بسرعة هائلة لتخصيب اليورانيوم، ومع ذلك فالحكومتان الأميركية والبريطانية مضتا معه في الخدعة لتقولا ان سياستها نجحت في جعل العقيد يحسن أخلاقه وتصرفاته، وكان ان رُفعت العقوبات واستأنفت الولايات المتحدة علاقاتها الديبلوماسية مع نظام القذافي، وزاره توني بلير وغيره في سباق على عقود النفط.
 
القذافي استغل إصابة الأطفال الليبيين لابتزاز العالم، وقد كانت الممرضات والطبيب أبرياء مئة في المئة، ومع ذلك فالنظام الليبي لم يفرج عنهم إلا بعد دفع ثمن مرتفع لإطلاق الرهائن.
 
وفي حين نشكر جميعاً السيدة الفرنسية الأولى سيسيليا ساركوزي لمساهمتها الشخصية في إطلاق الممرضات والطبيب واصطحابهم في طائرة رئاسية فرنسية إلى بلغاريا، فإننا لا نفهم ان يذعن العالم المتحضر للابتزاز.
 
الاتحاد الأوروبي وعد بمساعدة المستشفيات الليبية والبنية الطبية التحتية، وبإقامة علاقات طبيعية مع ليبيا.
 
بلغاريا تنازلت عن ديون لها على ليبيا تعود إلى أيام الحرب الباردة، أي انها ديون سلاح، وتبعتها سلوفاكيا وكرواتيا وتشيكيا، ووفرت ليبيا على نفسها 400 مليون دولار ستذهب إلى المصابين، فقد أُعلن انها ستدفع مليون دولار لكل مصاب بعدما كانت تطالب بعشرة ملايين يورو لكل منهم، تدفعها بلغاريا أو العالم كله.
 
أُعلن قرار قضائي بإعادة محاكمة عبدالباسط المقرحي الذي دين سنة 2001 وحكم عليه بالسجن المؤبد عن دوره في سقوط طائرة الركاب الأميركية (رحلة بان آم 103) فوق لوكربي في اسكتلندا ما تسبب في موت 270 شخصاً في الطائرة وعلى الأرض. ولا أقول ان الإفراج وإعادة المحاكمة مترابطان، إلا ان التوقيت غريب. وبالمناسبة، فالقذافي لم يدفع بعد القسط الأخير من التعويضات لأهالي ضحايا الطائرة.
 
المهم الآن ان الممرضات والطبيب نجوا من العدالة على الطريقة الليبية، والمطلوب ان تتوقف الدول الغربية عن الكذب على نفسها وعلينا، فهناك مئات السجناء السياسيين في ليبيا، وهم يتعرضون للتعذيب، لذلك لا يجوز إطلاقاً إعادة أي مواطنين ليبيين إلى بلادهم حتى لو كانوا من الجماعة الإسلامية المقاتلة التي أدينها إدانة كاملة، لأنهم سيعذبون ويقتلون. وقد منعت محكمة بريطانية فعلاً إعادة سجينين إلى ليبيا خشية التعذيب الذي تصرّ على ممارسته هناك منظمات حقوق الإنسان كافة، مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان.
 
الأخ العقيد غريب الأطوار، ولن أقول أكثر، والدول الغربية انتهازية في تعاملها معه. ولا أرجو للقذافي وهو صاحب ثاني أطول مدة في الحكم بعد كاسترو، سوى ان يتقاعد فيرتاح ويريح، ويترك ابنه سيف الإسلام، أو ابنته عائشة، أو من يشاء، ليخلفه، فأي حكم بعده سيكون نحو الأفضل.
 
عن صحيفة الحياة اللندية - 26 يوليو 2007

 

libyaalmostakbal@yahoo.com