
حلقة ذكر جزائرية
وحيرة ليبية و انحياز في تغطية العدوان من العربية
توفيق رباحي
بدأت قناة
العربية بخلل ما في التعاطي مع الاعتداءات الاسرائيلية علي لبنان عندما سعت في
البدء للظهور محايدة تناسقا مع موقفها في النزاع العربي الاسرائيلي مثل حيادها في
الصراع بنيكاراغوا.
اخر معالم هذا الخلل تجلي في الحرب الشعواء التي تمارسها عصابة اسرائيل ضد لبنان.
فبينما حاولت الادارة بدبي الظهور محايدة محتكمة للعقل (مقابل الدهماء والعاطفة)،
لم يبذل المراسلون ما يكفي من الجهد ليكون خطابهم متناغما مع المذيعين في
الاستوديو وتوجيهات الادارة.
والواقع ان
المراسلين لبنانيين لا يمكن الانتظار منهم ان يكونوا محايدين وبلدهم يحترق وشعبهم
يُقتل ويشرّد، بغض النظر عن المعتدي، وبغض النظر عن اسباب الاعتداء التي اصبحت
ثانوية بعد كل الذي حدث ويحدث.
لا اعرف هل موقف
العربية المبدئي هو الذي شجع علي الموقف السعودي الرسمي المخجل (بلغ من الخجل ما
لم يستطع معه مسؤول بعينه تحمله فنسبوه الي مصدر مسؤول ) الذي تساوي مع الموقف
الامريكي لو اُضيفت له عبارة من حق اسرائيل الدفاع عن نفسها ، ام ان هذا الموقف
الرسمي هو الذي اوحي بموقف العربية التي تريد ان تسوقنا زمرا وبسرعة فائقة الي
التحرر والليبرالية، ولا نجد الا القول بالشوية علينا.. نحن اعراب مساكين نخاف
التحرر لان الحرية تربكنا والسرعة تدوخنا .
لكن بشاعة ما
ارتكبت وترتكب اسرائيل لم تترك فرصة لاحد، فاضطرت العربية الي بدء ميلان نحو
تغطية خالية من العقل والحكمة (بمفهوم الليبراليين العرب) حتي بلغت ذروة اللاحياد
عندما سأل احد مذيعيها مراسله في حيفا منتصف نهار امس الاثنين وكم هو عدد
الضحايا.. عفوا القتلي الاسرائيليين؟.
واذا كان خلل
العربية في تغطية الاعتداء علي لبنان اقل وضوحا (ربما بسبب المثلث العاطفي ـ
المصلحي دبي الرياض ـ بيروت)، فهو في غزة اوضح بكثير.
الجرائم
الاسرائيلية هناك تتطلب الحياد، من وجهة نظر القناة السعودية، وربما هو ما يدعو
الادارة الي توجيه مذيعيها بالاستوديو للحديث عن كذا فلسطيني قُتلوا او قضوا او
لقوا حتفهم في قصف اسرائيلي، وكذلك ابعاد الخطاب الانتصاري عن عمليات الفصائل
الفلسطينية. لكن ما ان تُعطي الكلمة للمراسلين في غزة او الضفة الغربية حتي تعود
الامور والكلمات الي سليقتها، طبيعتها، صدقها فتعود الي الاذان عبارات شهيد و
شهداء و استشهدوا و عملية فدائية و عمليات نوعية الخ.
لن اتحدث عن تخبط
او قلة تنسيق بين الادارة في دبي وفريق المراسلين في الاراضي الفلسطينية، بل اقول
ان محاولة منع هؤلاء المراسلين من استعمال الخطاب المذكور آنفا هو، ببساطة،
محاولة لسلخهم عن وسطهم الطبيعي وعزلهم عن اناسهم الذين يحملون من المآسي والشعور
بالظلم الذي تئن به الجبال. وهذا النوع من الخطاب هو اقل الواجب ازاء ضحايا هذا
العهر الاسرائيلي الذي لم يجد رادعا، بغض النظر عن الابعاد الروحية والدينية
للشهادة والاستشهاد، وبغض النظر عمّن هو الشهيد ومن هو القتيل.
اقل الواجب ازاء اطفال ونساء وعجزة يموتون في عزلة تامة رغم ان كل العالم
يتفرج عليهم ويسمع اخبارهم. اليوم نستطيع القول بدون تردد ان العربية منحازة في
تغطية العدوان الاسرائيلي علي لبنان.
حال العربية في
الحرج احسن كثيرا من حال اعلام العقيد معمر القذافي تتقدمه الفضائية الليبية،
التي يخيّل اليك وانت تشاهدها، انك تتفرج علي محطة تبث من عهد ما قبل سايكس بيكو.
ومصدر الحرج لدي الفضائية الليبية ان الذي يقود المقاومة في لبنان هو حزب الله
بزعامة حسن نصر الله. وبين ليبيا والشيعة قصة طويلة عنوانها موسي الصدر. الشيعة
يتهمون النظام الليبي بالمسؤولية في اختفائه، فيرد الاعلام الليبي بحملة من
الشتائم والاهانات الشخصية لقادة التنظيمات الشيعية. والامور حاليا في درجة
القطيعة.
والنتيجة هذه
الايام ان الليبية محتارة بين تمجيد المقاومة او التغاضي عنها، لان التمجيد يعني
الاشادة بحزب الله، والتغاضي يعني التغابي.
بقي ان اشير الي
انني لا انتظر ان تخرج مظاهرة واحدة في ليبيا تأييدا للمقاومة اللبنانية، ولو
احترق لبنان وخرج الناس متظاهرين في كل ارجاء المعمورة.
في كل الحروب
يلتزم المتقاتلون بحد ادني من الحياء يفرض تفادي قصف المدنيين، الصحافيين، طواقم
الاغاثة الخ. لكن سبعة صحافيين وعاملين معهم اصيبوا في يومين، وقناة تلفزيون
المنار واذاعة النور وقنوات تلفزية اخري تشكل الاستثناء وغير معنية بهذا الامر في
حرب اسرائيل علي لبنان.
السبب هو ان
المعتدَي عليهم لبنانيون او فلسطينيون يقفون في الكفة الاضعف من الميزان. والسبب
الاخر ان الاقنية الاكثر استهدافا هي ملك لحزب الله، هذه المنظمة الارهابية التي
ترفض ان تترك ملائكة الجيش الاسرائيلي البريء تنام، مرتاحة علي الحدود وفي مزارع
شبعا. لكن السبب الاهم ان العدو في الجهة المقابلة اسمه اسرائيل. وهذا العدو غير
معني بالبنود الدولية والمعاهدات الخاصة بالاطراف غير الضالعة مباشرة في القتال.
لماذا يهتم
المجرمون بقرارات ولوائح عمرها عقود من الزمن؟ ألم يسبق لهم قصف طواقم الاسعاف
والصحافيين والقوات الدولية في غزة والضفة الغربية وقانا؟ ألم يقصفوا مبني
الاذاعة والتلفزيون الفلسطينيين قبل اليوم وتعامل العالم مع الامر كأنه لم يكن؟
لا جديد. كل يؤدي ما عليه: المجرمون يقصفون، و مراسلون بلا حدود تندد
وتستنكر بحياء، والحياة مستمرة.
ماذا حدث حتي
ينسي التلفزيون الجزائري دعوة الرئيس بوتفليقة مساء الاربعاء بلندن الي قمة عربية
تناقش جرائم اسرائيل في لبنان، ويعود اليها متأخرا نحو 24 ساعة (بعد عودة الرئيس
الي البلاد)، وينظم لها حلقة ذكر في سهرة الخميس بحضور ضيوف (لا طعم لهم) في
الاستوديو واخرين عبر الهاتف؟ لا احد يملك الجواب الا
الذين استولوا علي التلفزيون ليضعوه في خدمة الرئيس وحده فوفّقوا في الاستيلاء
واخفقوا في الخدمة.
بمفهوم اعلامي
خالص، دعوة الرئيس لقمة عربية طارئة خبر رئيسي. لكن، بما ان التلفزيون الجزائري
اعتاد اهمال الجانب المهني البحت لصالح العمل الدعائي الترويجي للرئيس، وقع في
خطيئة تفويت الخبر الاهم في تغطية زيارة بوتفليقة الي لندن التي غطي ادق تفاصيلها
وبث لا ادري كم من خطاب للرئيس.
من هنا، فاغلب
الظن ان حلقة الذكر في سهرة الخميس هي نوع من الاستدراك، خاصة وان التلفزيون بث
في الليلة السابقة برنامجا سياسيا عن نفس الموضوع، فلم يكن هناك داع مقنع لاعادة
الكرّة.
والواضح ان الهدف من حلقة الذكر هو، علاوة علي الاستدراك، القول ان الدعوة دعوتنا
وليست لرئيس اخر، ذلك ان قنوات اخري ووكالات انباء نقلت دعوة مماثلة للرئيس
اليمني علي عبد الله صالح.
قد لا نعرف ابدا
حقيقة الخبر الذي تحدث عن اصابة قائد كتائب القسّام، محمد ضيف، بشلل نصفي نجم عن
قصف اسرائيلي استهدف مبني كان يعقد فيه اجتماعا لرجاله فجر احد ايام الاسبوع
الماضي. لكن العقل يعجز عن الفصل بين الشريط
الذي بثته قناة الجزيرة عن كتائب القسّام الاسبوع قبل الماضي، والقصف الذي استهدف
ضيف، وهو المطلوب الاول لاسرائيل من ملايين الفلسطينيين.
عندما كنت اشاهد
ذلك الشريط قلت في قرارة نفسي ببساطة العربي اليائس الذي لا حول ولا قوة له والله
هؤلاء الناس مجانين.. بث هذا الشريط ينطوي علي مخاطرتين، واحدة سياسية والاخري
أمنية .
شريط كهذا بتلك المكاشفة يعني ان جماعة القسّام فقدوا شيئا من بصيرتهم، لانه
(الشريط) يقدّم لاسرائيل خدمة، صغرت ام كبرت. وشريط كهذا في هذه الظروف المتوترة
هو استفزاز ودعوة لاكثر من شيء، دعوة اسرائيل لان تقول للعالم انظروا كيف يعدّ
هؤلاء الارهابيون لقتل مدنيينا الابرياء في المستوطنات، وفي المقابل دعوتها لان
تأخذ ما امكن من المعلومات بتحليل الشريط ودراسة مضمونه.
هناك من سيأتي للقول ان من حق الفصائل الفلسطينية الافتخار امام انصارها
والمتعاطفين معها، من جهة، وارهاب عدوها بتبيان ما لديها من قوة وجاهزية قتالية،
من جهة ثانية. لكن هذا الكلام لا يصمد في السياق
الحالي المتمثل في انحياز سافر من كل العالم، عربي وغير عربي، الي اسرائيل بشكل
او بآخر.
اسرائيل لا تحتاج
الي حجة لتعميم جرائمها والاستمرار فيها، هذا اكيد، لكنها تحتاج الي اكثر من حجة
لادامة صورة الضحية التي تسوّقها للاخرين فتتمادي في تغليط العالم وابتزازه.
والشريط هدية مجانية لمسؤولي الدعاية في مخابرات
اسرائيل. تماما كما لو اخذ مقاتلو وقياديو حزب الله استراحة هذه الايام واستضافوا
طاقما تلفزيونيا يصوّر ما لديهم من عدّة ويشرح للناس كيفية تصنيعها واستعمالاتها.
علي اي، يا هذا، عدو مثل اسرائيل اوجعه بفعل افضل من ان ترهبه بألف صورة
ومليون قول.
كاتب من اسرة القدس
العربي
toufik@alquds.co.uk
|
libyaalmostakbal@yahoo.com