
الصحافة الأدبية في ليبيا: تاريخ حافل من النجاح والإخفاق
محمود محمد الناكوع *

صحافة العقدين الأخيرين تحوم في آفاق غائمة من الرومانسية والخيال
البعيد عن الواقع
الاستعمار الإيطالي بقبضته الوحشية حبس صوت الصحافة .. فغاب الصوت
المعبر عن رأي الشعب
كتاب من مجلدين، كل مجلد أكثر من خمسمائة صفحة من الحجم المتوسط،
ويتضمن جهدا كبيرا، (الصحافة الأدبية في ليبياہہ) اطروحة دكتوراه نال
صاحبها الدكتور الطيب علي سالم الشريف مرتبة الشرف الأولي عن بحثه
الذي غطي فترة زمنية امتدت نحو نصف قرن من الزمان، وبالتحديد من
نهاية الحرب العالمية الثانية الي نهاية العقد الثامن من القرن
العشرين، وهي فترة طويلة، وملأي بالأحداث السياسية والتطورات
الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وكلها تؤثر بشكل ما في مسار
الصحافة، وما تنشره من مادة أدبية : شعرا وقصة ومقالة وغير ذلك من
ألوان الأدب.
الأستاذ علي مصطفي المصراتي الأديب والمؤرخ والصحافي الليبي المخضرم
كتب مقدمة لهذا الكتاب عبر فيها وبجمل قصيرة عن مؤهلات الباحث او
الدارس وعن شروط نجاح البحث فقال (لا ابداع بدون موهبة، ولا تاريخ
بلا وثائق، ولا علم بدون دأب وعشق ومواصلة، ولا انصاف بدون تجرد
وموضوعية) الأستاذ علي ـ امد الله في عمره حتي ينجز ما بين يديه من
اعمال، وخاصة كتابه عن الزعيم الوطني بشير السعداوي ـ كان قد الف
كتابا مشهورا عن الصحافة الليبية وتاريخها عنوانه (الصحافة الليبية
في نصف قرن) وهو احد المصادر المهمة التي اعتمد عليها الدكتور الشريف.
وعبر الاستاذ علي بمرارة عن جهل او تجاهل بعض المؤرخين العرب
المعاصرين لمسار الابداع في ليبيا (لقد ظلم تاريخ الثقافة ومسار
الابداع في ليبيا من بعض المؤرخين العرب المعاصرين الذين يقفزون قفزا
متعدين هذا البلد الرائع والوطن العربي المسلم يكتبون عن كل الاقطار
والعصور الا ليبيا من الناحية الثقافية والصحافية اما جهلا وعدم
اطلاع ومعرفة، واما اهمالا وعدم مبالاة. فترة كانت ليبيا تعرف عندهم
مجرد (صندوق من الرمال) هكذا في اوصافهم بعضهم يراها بعد تفجر الثروة
النفطية، وتدفق البترول مجرد آبار بترول وبراميل وفناطيز للغاز.. اما
اهل السلب والاغتراف فشيء آخر، ويا ضيعة التاريخ الثقافي والأدبي بين
الجهالة والضحالة او الابتزاز والاهمال).
الكتاب يذكرنا في الفصل الأول بان اول صحيفة بالمفهوم الحديث للصحافة
كانت صحيفة (طرابلس الغرب)، وكان تاريخ صدورها عام 1866، ثم تلتها
صحيفة (الترقي) عام 1897.
وظلت حال الصحافة في ضعف شديد بسبب تخلف الدولة العثمانية التي كانت
تهيمن علي ليبيا، وايضا بسبب استبداد سلاطينها الي عام 1908 وهو ما
يسمي بعام الحريات، وهو العام الذي صدر فيه الدستور العثماني.. وسمح
فيه باصدار الصحف في مختلف انحاء الوطن العربي دون تقييدها بشروط
قسرية وحظيت ليبيا عندئذ بصدور عشر صحف ومنها (العصر الجديد الكشاف.
ابوقشة المرصاد تعميم حريات) اضافة الي عودة الرقيب، وغطت موضوعاتها
القضايا السياسية والأدبية والاجتماعية، وشارك بالكتابة فيها عرب
واتراك الي جانب الكتاب الليبيين.
ثم جاءت مرحلة الاستعمار الايطالي 1911 فتوقفت جميع تلك الصحف، وحلت
محلها مجموعة من صحف الاستعمار الايطالي الي عام 1919 حينما تم
التوصل الي اتفاق هدنة (سواني بنيادم) في طرابلس، وتلاه اتفاق
(الرجمة) في بنغازي، وبمقتضي هذين الاتفاقين استعاد الشعب انفاسه
نسبيا، ونشطت الحركة التعليمية والصحافية، وصدرت مجموعة من الصحف
منها (اللواء الطرابلسي الرقيب الوطن البلاغ).
وبعد قرابة ثلاث سنوات انتكست الاوضاع في البلاد اثر تولي الحزب
الفاشستي الحكم في ايطاليا عام 1922 فمنع الفاشيون الصحف الوطنية،
ولم يتركوا الا عددا قليلا منها ليكون لسان حالهم وانشأوا صحفا جديدة
لخدمة اهدافهم مثل مجلة (ليبيا المصورة) وهكذا سجل تاريخ الصحافة في
ليبيا غياب الصوت المعبر عن رأي الشعب بفعل القبضة الوحشية للاستعمار
الإيطالي التي استمرت حتي هزيمة ايطاليا في الحرب العالمية الثانية
وانسحابها من ليبيا عام 1943.
بدايات الصحافة الأدبية
واثر هزيمة ايطاليا وسيطرة بريطانيا علي الساحل الليبي دخلت البلاد
مرحلة اطلق عليها مرحلة الادارة البريطانية، باستثناء جنوب البلاد
(فزان) التي كانت من نصيب الادارة الفرنسية. في هذه المرحلة تنفس
الشعب شيئا معتبرا من نسمات الحرية، وسمح بانشاء الأحزاب السياسية
لأول مرة في ليبيا بصورة علنية، وصدرت مجموعة من الصحف منها (طرابلس
الغرب برقة الجديدة الوطن شعلة الحرية) وقد عبرت كل من الوطن الناطقة
باسم جمعية عمر المختار، و شعلة الحرية الناطقة باسم المؤتمرالوطني
عن مطالب الشعب في الاستقلال وتوحيد البلاد والارتباط بالمحيط العربي
واكدت الوطن ، و شعلة الحرية علي مطلب الوحدة الوطنية بصورة قوية
وواضحة.
مرحلة الكفاح السلمي
وكانت تلك المرحلة 1943 ـ 1951 هي مرحلة الكفاح السلمي من اجل
الاستقلال، وهي مرحلة تضافرت عدة اسباب دولية لتدفع نحو تحقيق
الاستقلال، وقد نفخت الصحافة الروح في الحركة الثقافية والأدبية،
وبلغ عدد الدوريات الصادرة في العقد الرابع من القرن العشرين نحو خمس
وعشرين دورية، منها الصحف والمجلات، وتكونت في ذلك العقد اكثر من
عشرة احزاب سياسية ـ الكتاب لم يشر الي ظاهرة الأحزاب ـ وهي التي قاد
زعماؤها النضال السياسي الذي توج بالاستقلال عام 1951 بقيادة الامير
ادريس السنوسي والذي بويع ملكا لأول دولة ليبية.
في مرحلة الاستقلال بدأت الحركة السياسية تواجه صعوبات ادت الي حل
الأحزاب السياسية اثر اول انتخابات نيابية، والغيت بعض الصحف الوطنية
والحزبية ومنها : شعلة الحرية الوطن الدفاع المرصاد، وشكل ذلك بداية
نكسة سياسية، لكن تلك النكسة السياسية لم تؤثر علي النشاط الأدبي،
خاصة عندما اتسعت مساحة العمل الصحافي في عقد الستينات مع زيادة
انتاج النفط، بل ان الأعمال الأدبية بشكل خاص عرفت ازدهارا ونموا
كبيرا في ذلك الوقت، وبرزت في ذلك العقد اسماء مجموعة من الشعراء
منهم : علي الرقيعي، ديوانه الأول الحنين الضامي 1957، وديوانه اشواق
صغيرة 1966.. حسن محمد صالح، ديوانه بعد الحرب 1963، خالد زغبية من
دواوينه: السور الكبير 1964، اغنية الميلاد 1966 راشد الزبير
السنوسي، من دواوينه : قيثارة الخلود 1963، النغم الحائر 1967، أنفاس
الربيع 1968 وغيرهم كثير (يراجع ايضا: الشعر الليبي في القرن العشرين
الهرامة/ جحيدر).
وما يقال عن الشعر يمكن ان يقال عن القصة والمقالة الأدبية حيث حفلت
الصحف الليبية والمجلات الصادرة في الستينات بالكثير من الأعمال
الأدبية الرائدة مثل اعمال احمد ابرهيم الفقيه، يوسف الشريف، كامل
المقهور، عبد الله القويري بشير الهاشمي خليفة التكبالي وغيرهم. وبلغ
عدد الصحف والمجلات التي صدرت في الستينات اكثر من عشرين، وكان هامش
الحرية خاصة في المجال الأدبي واسعا، ولم يكن هناك ما يخشاه المبدع
فظهرت اعمال ادبية كثيرة تتعامل مع الواقع وتنتقده وابرز صاحب البحث
مدي غزارة المادة الأدبية في صحافة تلك السنوات، ويخص مجلة (الرواد)
بالتميز في مادتها الادبية وتنوعها (الرواد كما تبدو من متابعة
اعدادها ـ سبعون عددا ـ فاقت جميع ما صدر في ليبيا من مجلات: ادبية،
ثقافية، مناظرة، حتي نهاية فترة الستينات، حيث كانت غنية بموادها
الأدبية الثقافية المنوعة، وان كان جل اهتمامها منصبا علي النواحي
الأدبية الخالصة، اذ لا تكاد تخرج موضوعاتها عن مجال الأدب، وما يدور
حوله من شعر وقصة ودراسات، ونقد، وتراجم، وثقافة فنية، فلسفية.
واستطاعت ان تمد جسورا واضحة بين الأدب العربي والآداب الأجنبية
الغربية والشرقية عموما من خلال اهتمامها بترجمة تلك الآداب الي
العربية ص 182 ـ 184 المجلد الأول )استمر صدور مجلة الرواد ما بين
1964 ـ 1972. في المجلد الثاني أكد الباحث مرة اخري علي اهمية مرحلة
الخمسينات والستينات، وعلي نضج الاعمال الأدبية فيها ووصف (انتقال
الصحافة الي طور جديد اكثر حرية وانفتاحا علي العالم، في عقدي
الخمسينات والستينات، حظيت المقالة الأدبية باهتمام زائد، اذ تم نشر
كم كبير منها، تناول جوانب ادبية متعددة، بالوصف والتحليل واظهار
المزايا، وتعرية المثالب، كما عمل علي تفتيح مسالك جديدة.. ومن
الملاحظ ان تقدم المقالة في كافة اتجاهاتها مرتبط بتقدم الصحافة، ففي
هذه المرحلة التي تجاوزت فيها الصحافة طور البدايات، امكن الوقوف في
يسر وسهولة، علي كثير من المقالات الأدبية، ذات المستوي الجيد، منذ
اوائل العقد السادس ص 634 المجلد الثاني).
وعند الانتقال الي مرحلة السبعينات يلاحظ القارئ حماس الباحث
بالاشادة بتطور الصحافة في العهد الجديد، عهد الثورة، (بانتهاء مرحلة
العهد الملكي وقيام الثورة في ليبيا). مع نهاية عقد الستينات، تدخل
الصحافة طورا جديدا، لعله ازهي اطوارها واحسنه : اذ تمر بتجربة خصبة،
بكر، لم تخضها من قبل، كان لها شأن كبير في التعبير عنها، واخراجها
الي الوجود، والتعريف بها في الداخل والخارج. ص 100 المجلد الأول)
لكنه عندما نظر بشيء من الدراسة الموضوعية الي المادة الأدبية التي
نشرت خلال نحو عقدين من عمر الثورة وصل الي نتيجة واضحة (ظل الأدب
يحوم في آفاق غائمة، هي الي الرومانسية والخيال، اقرب منها الي
الواقع المعاش، وصار الواحد يسمع القصيدة، والقصة القصيرة، والمقالة،
فلا يعرف حدودا لأفكار الكاتب، ولا يجد لكثير من الألوان الأدبية،
والثقافية المنشورة في الصحافة، مكانا تستقر فيه بين الأنواع الأدبية
المتعارف عليها كما امست الجرائد، والمجلات تنشر الوصف العابر،
والتعبير العامي، والأساليب الشعبية الفضفاضة، والرتابة المملة في
مختلف فروع الأدب، وبالجملة اصبح الغموض، والسطحية، يلفان الأدب،
والنقد الأدبي معا...وقد لوحظ، مؤخرا ذلك التغيير علي الأدب، وهذا
الهبوط في المستوي الفني، في الصحافة الأدبية نفسها، والحقيقة انها
ظاهرة سلبية تحتاج الي وقفة جادة من الأدباء والمفكرين لتأكيد اهمية
الصحافة الأدبية ص 104ـ 105 المجلد الاول).
أسباب تردي الصحافة الأدبية
حاول الباحث ان يجد تفسيرا لتردي الصحافة الأدبية في العهد الثوري،
فاورد تفسيرا تبريريا (مرحلة التحول الثوري، لا تأتي بين يوم وليلة،
بل تحتاج الي سنوات طــــــوال، حتي تتوطد اركانها، وتترسخ اسسها،
وتنضج ثمرتها فتؤتي اكلها....ـ ثم يقرر ان تلك المرحلة قد طالت ـ
والحق ان مرحلة النضج، التي يطمح اليها الشعب الليبي في عهد
الثــورة، تأخرت كثيرا ص 103 المجلد الأول).
رغم كل الصعوبات التي يمكن ان يواجهها اي باحث في مادة هكذا موضوع،
ورغم حساسية الزمن السياسي الذي كتب فيه البحث فان غزارة المادة
وتنوعها شعرا وقصة ومقالة ونقدا وتفريعات اخري: فان الكتاب يعتبر
انجازا مهما وممتعا وقد كتبت هذه المراجعة القصيرة لهذا العمل كقارئ
وليس كناقد، ولعلني بذلك اساهم بالتعريف بالنشاط الثقافي الأدبي
ببلادي ـ رغم غربتي التي استمرت حتي الآن ثمانية وعشرين عاما وتظل
روابط الفكر والأدب والتاريخ التي تشدنا الي الوطن اقوي من كل
الظــــــروف السياسية العابثة والعابرة، كــــما يظل التواصل عبر
قيم الحب والجمال الذي نجده في القصيدة او المقالة وغيرهما من فنون
التعبير بلسما لكثير من الاوجاع والآلام.
ايها الوطن
عندما نفر منك
نكتشف انك فينا
تحاصرنا بالزيتون، والبرتقال
بالأزرق المسجي
علي سواحلنا..
نفر منك
فتسكن في عيوننا
نهيم في القطارات
فيسقط ضجيجها
في قاع صمتنا
وتفر انت الي اذهاننا
نتوسد همومنا الصغيرة
ونهرب منك الي النوم
فتفضحنا أحلامنا
نصحو هربا منك
فنجدك زعترا جبليا، في فطورنا..
من قصيدة (نفر منك اليك اغاني حنظلة الحجري)
(المجلدالأول ص 281 )
* كاتب ليبي مقيم في بريطانيا
الكتاب من منشورات : مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية
سلسلة الدراسات الأدبية (4) الطبعة الأولي 2000.
|