18/12/2007
 

خيمة العقيد!

الياس خوري: «إيلاف»


 
بدت الحملة الصحافية الفرنسية علي زيارة القذافي الي باريس خارج الموضوع. فالموضوع لم يكن الخيمة التي نصبها العقيد الليبي، ولا زيارته السريعة الي متحف اللوفر، حيث توقف امام لوحة الموناليزا، ولا مسألة حقوق الانسان التي اشار اليها الرئيس الفرنسي، ولا الممرضات البلغاريات، ولا حنجلة وزير الخارجية الفرنسي ورقصه السياسي علي ايقاع الأزمة اللبنانية. المسألة كانت صفقة المليارات.
 
نصب العقيد خيمته بماله، وكفي. اما كل الزوبعة الاعلامية، فليست الا محاولة اخيرة لانقاذ صورة فرنسا، التي لم تعد تعني شيئا بالنسبة للوريث اليميني للحزب الديغولي، الذي لا يريد سوي امركة بلاده، والخروج من التراث الديغولي في شكل نهائي.
 
والطريف ان امركة فرنسا تتم من خلال العرب، صفقة قطرية تلتها صفقة ليبية، والآتي اعظم. اي ان الزيت، هكذا يسمي الامريكيون النفط، يلعب هنا دور تزييت الوضع وتليينه، بحيث تتم العملية بأقل الاوجاع، ويتابع العرب مسيرتهم المظفرة في خدمة امريكا، من مجاهدي افغانستان خلال الحرب الباردة، والمال السعودي الذي تدفق لاسقاط الالحاد السوفييتي، الي المال الليبي الذي يرمم امركة اوروبا ويدعم جنوح الساركوزية الي اليمين الرأسمالي المتوحش.
 
ومع ذلك هناك من يقول ان العرب خرجوا من خريطة العالم، متناسيا ان للنظام العربي طريقته الخاصة في دخول العالم من ثقب الخيمة، وهذا بيت القصيد.
 
تفرجت علي المسرحية الليبية بأسي، فالكوميديا كانت ثقيلة الوطأة بحيث انها لم تستطع ان تدفعني الي الابتسام. فجأة عادت بي الذاكرة الي افواج المثقفين العرب الذين تدفقوا الي طرابلس من اجل مناقشة الكتاب الأخضر.
 
 
يومها، في ثمانينيات القرن الماضي، وبيروت تئن تحت القصف والحروب والاجتياحات، كان جامعيون وجامعيات يركبون الطائرات، حاملين في ايديهم كتابا صغيرا اخضر اللون، ومتوجهين الي طرابلس من اجل مناقشته.
 
وكنت اعجب من صغر عقولهم، يومها كان لون الكتاب اهم من الكتاب، اذ جاء الكتاب الأخضر علي غرار الكتاب الأحمر، الذي اطلق الثورة الثقافية في الصين. وفهمت ان المثقفين والمثقفات، يحاولون صوغ نظرية ثورية جديدة انطلاقا من الخصوصية العربية، ولم يخطر في بالي ان المسألة كانت اكثر بساطة.
 
وكنت اتساءل لماذا هذا الانبهار الثقافي بالكتاب الأخضر، الذي هو عبارة عن مجموعة افكار ساذجة، لا تستحق مجهود قرائتها. ثم فهمت ان الكتاب باب من ابواب المال والجاه والي آخره.
 
وهنا لا بد من تسجيل نقطة لصالح مبدع الكتاب، اذ انه فرض شرطا ثقافيا علي توزيع المال. قد تقولون ان الكتاب نفسه لا يستحق ان يوضع في خانة الثقافة، وهذا صحيح ربما، لكنه كتاب، وهذا افضل من ان يطلب من المثقف تقبيل الايدي، مثلما كان ولا يزال يحصل في اماكن اخري.
 
ورغم انني لا اريد ان انسي مفرمة الكتب الشهيرة في طرابلس، حيث كان يتم استيراد كميات من الكتب من اجل دعم الناشرين العرب، لكن بدلا من بيعها في السوق، تذهب الي المفرمة . فان حكاية الكتاب الصغير، تبدو لي طريفة ومعبرة عن واقع البهدلة الثقافية التي اصابت العرب بعد هزيمة المشروع القومي في حزيران ( يونيو) 1967.
 
ويبدو ان الكتاب الأخضر نجح في ان يمتلك اشعاعا عالميا، والدليل هو مشاركة بعض المثقفين الاوروبيين في المؤتمرات المخصصة له، وصولا الي دخول روجيه غارودي في الاسلام، والحفاوة الرسمية والثقافية العربية التي قوبلت بها مواقفه.
 
لا اريد تعقيد المسألة، ولا اسعي الي توسيع الموضوع، من خلال الاستطراد الي حكاية غارودي او غيره. المسألة اسمها الخيمة. وانا لا اكن للخيمة سوي كل الاحترام، يكفي ان الخليل بن احمد الفراهيدي مؤسس علم العروض، استلهم منها الكلمات التي تحدد عناصر هذا العلم الرائع. لكن عندما شاهدت، علي شاشة التلفزيون، كيف نصبت الخيمة في باريس، احسست انني امام مشهد انثروبولوجي واكزوتيكي بامتياز. ورأيت السخرية علي وجوه الفرنسيين من المشهد برمته. سوف يقول ساركوزي ان الخيمة ازيلت في النهاية، والرجل عاد الي بلاده، اما المليارات فهي الموضوع.
 
انطلاقا من هذه المسألة يمكننا ان نري كيف انهار مستوي الاستعراض، نتيجة الدرس العراقي. بدلا من ان يأتي العقيد بالكتاب الأخضر، جاء بالخيمة، وبدلا من ان يجبر الرئيس الفرنسي علي مناقشة فلسفته، اكتفي بأن يستأذنه في نصب خيمة. وكانت تلك اغلي خيمة في التاريخ البشري!
 
كان المشهد برمته صورة مصغرة عن واقع العالم العربي، الذي صار اشبه بالمهزلة التي لا ندري كيف يمكن لها ان تنتهي، او اذا كان مسموحا لها ان تنتهي قبل ان تنتهي لعنة النفط.
 
رحم الله عبدالرحمن منيف الذي رأي النفط علي شكل مدن من الملح المسيجة بالسجون.
لكن العقيد، تخلي عن مشروع كتابة القصة القصيرة، بعدما خاف من المصير الذي لاقاه زميله الروائي العراقي صدام حسين، وتخلي عن الفلسفة التي لا تطعم خبزا، انصرف اليوم الي بناء خيمته في فرنسا. مبروك لفرنسا، وشكرا للعقيد الذي فضح سعر حقوق الانسان!
 
نقلا عن: موقع ايلاف
 

 


للتعليق على التقرير
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

تعليقات القراء:

 
ابن الوطن/ فرنسا وحقوق الانسان: مرة اخرى يبرهن الغرب على ان القيم النبيلة من حقوق انسان الى حرية التعبير عن الراى الى الديمقراطية ليست الا مفاهيم تباع وتشترى فى سوق النخاسة باثمان زهيدة من الدولارات كاى بضاعة اخرى ونسى الغرب وهم من يدرسون علينا صباحا مساء فى وسائل اعلامهم ان حياة مواطن لا  يعادلها مئات الملايين من الدولارات ولكن دماء الليبيين لاتساوى بالنسبة لهم شيئا مقابل ملايين العقيد.. مرة اخرى يخرج علينا رئيس دولة اوربية اخر بعد تونى بلير بريطانيا ليمد يده الى مجرم اقترف جرائم لا تحصى ولا تعد ليس ضد شعبه فقط ولكن ضد البشرية جمعاء بما فيهم اوربا من حادثة لوكربى الى اوتا الى ارلنده وبريطانيا نفسها ..استقبل ساركوزى العقيد استقبال الرؤساء وفرش له البساط الاحمر وهو يعلم جيدا ان هذا العقيد وطباعه الشريرة التى تغلب تطبعه . فهو شخص داس طوال نحو 4 عقود على حقوق الانسان وقتل وشرد الاف من الليبيين من اوطانهم وادخل الليبيين فى متاهات لا اول لها ولا اخر مثل لوكربى واوتا وحرب تشاد الى اثارة الفتنة والارهاب فى بقاع العالم المختلفة وغيرها من المصائب التى قيدت ظلما ضد الشعب الليبى وعوقب الشعب الليبى بحصار دام نحو 10 سنوات على جرائم ليس له فيها لاناقة ولاجمل وترك المجرم الحقيقى طليقا يفرح ويمرح بل كرم على جرائمه باستقباله استقبال العظماء. فاين هى قيم الغرب التى يتغنى بها صباحا مساء من حقوق انسان الى الديمقراطية الى اطلاق الحريات ام ان سياسة الكيل بمكيالين هى التى تحدد سياسة الغرب المزيف ويكافىء المجرمين على جرائمهم بقدر ما يقدمونه من اموال.

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة