
هل حانت لحظة القصاص من الجانى في قضية
نقل عدوى فيروس الإيدز عمدا إلى مئات من الأطفال الليبيين أم أن الضغوط السياسية
مازالت لها اليد العليا فى تحديد نهاية المحاكمة فى الجريمة البشعة التى
لايتصورها عقل والتى ارتكبت بحق أطفال أبرياء لاحول لهم ولاقوة ؟ .. هذا ما
يتساءل عنه أقارب الضحايا بعد صدور حكم جديد بإعدام المتهمين الستة في القضية.
محيط - جهان مصطفى
وكانت محكمة طرابلس قد أيدت فى التاسع
عشر من ديسمبر الحكم الذي أصدرته محكمة بنغازى فى عام 2004 بشأن إعدام المتورطين
فى تلك القضية وهم خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطينى، إلا أنه مازال أمام
المتهمين فرصة استئناف الحكم وبالتالى استمرار المحاكمة سنوات وسنوات.
وقال القاضي الذي حكم في القضية محمود
الهويسة :" باسم الشعب وبعد الاطلاع على الوثائق والاستماع إلى دفاع المحامين من
الجانبين قررت المحكمة الحكم بإعدام المتهمين.إنهم نشروا المرض الذي تسبب في قتل
أكثر من شخص".
وفور
صدور الحكم ، أعرب أقارب الأطفال المصابين عن سعادتهم بالحكم وطالبوا الزعيم
الليبى معمر القذافى بتنفيذ قرار القضاء وعدم الاستجابة لأية ضغوط دولية.
ورفع أقارب الضحايا صورا لأطفال مصابين
بالإيدز أو توفوا نتيجة هذا الفيروس ، وكتب على صورة أحد الأطفال "لماذا أنا؟"
و"لست للبيع" و"هل سأتمكن من العيش طويلا؟" ، بينما أعلن عثمان بيزنطي المحامي
الرئيسى عن المتهمين أنهم سوف يستأنفون الحكم أمام المحكمة العليا ، قائلا :"
سندرس الحكم لمحاولة اكتشاف وجود أخطاء أو عدم فهم للحقائق".
وتباينت ردود الأفعال على حكم الإعدام
، فقد أعلن وزير الخارجية الليبي عبد الرحمن شلقم أن بلاده لن تنحني أمام الضغوط
الدولية ، قائلا :"لا أحد يتدخل في القانون في ليبيا لا الزعيم الليبي معمر
القذافي ولا غيره".
وأضاف قائلا :"يجب أن نعلم أن الجميع يتحدث عن الممرضات ويتجاهل أكثر من 426 طفلا
مات منهم أكثر من خمسين " .
وأشار شلقم إلى أن القضاء الليبي قضاء
نزيه ومستقل، ويجب أن يفهم العالم أن مصير الأطفال محتوم ولا فرصة للتقاضي لهم ،
لكن أمام الست ممرضات فرصة للتقاضي ، قائلا في الوقت ذاته :" ماذا نستفيد إذا
وضعنا ستة أجانب في السجن؟".
ومن جانبه ، قال وزير العدل الليبي علي
عمر الحسناوي إن المتهمين ستتاح لهم فرصة استئناف الأحكام الصادرة عليهم بالإعدام
أمام المحكمة العليا الليبية ، مؤكدا أن المحكمة العليا لها مطلق الحرية في تعديل
تخفيف وإلغاء الحكم.
وفي المقابل ، قوبل الحكم بردود أفعال
غربية غاضبة ، وناشد رئيس البرلمان البلغاري جورجي بيرينسكي السلطات الليبية عدم
تنفيذ حكم الإعدام ، وقال إن حكم الإعدام ضد المتهمين الستة يجب ألا ينفذ.
كما وصف وزير الخارجية البلغاري
ايفاليو كالفين الحكم بأنه مخيب للآمال بشدة، وأن المحكمة الليبية لم تأخذ في
الاعتبار كل الأدلة على براءة الممرضات.
وفي السياق ذاته ، أبدى فرانكو فراتيني
مفوض الاتحاد الأوروبي لشئون العدالة والأمن صدمته وخيبة أمله تجاه الأحكام .
ويرى مراقبون أن الزعيم الليبى أصبح فى
موقف لايحسد عليه بعد صدور حكم ثان بإعدام المتهمين بنقل فيروس الإيدز لمئات
الأطفال ، لأن أقارب الضحايا لن يقبلوا تلك المرة أية مبررات لعدم تنفيذ الحكم ،
خاصة بعد رفض بلغاريا دفع تعويضات قيمتها عشرة ملايين يورو لأسرة كل طفل من
المصابين.
وهو المبلغ الذي قدرته الحكومة الليبية
فى السابق للموافقة على تخفيف حكم الإعدام ، بالإضافة إلى فشل المفاوضات بين
بلغاريا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وليبيا بشأن إنشاء صندوق مشترك
لتوفير المساعدات المالية وغيرها من المساعدات للأطفال المرضى وأسرهم .
إن أقارب الضحايا تلمسوا بعض العذر
لموقف القذافى عندما صدر حكم الإعدام الأول لأنه كان يتعرض حينئذ لضغوط دولية
لاحصر لها وكان يتعرض لتهديدات أمريكية بتكرار سيناريو صدام حسين معه ، إلا أنه
الآن تحسنت العلاقات بين ليبيا والغرب واتضح جليا فشل سياسة جورج بوش في العراق
وأفغانستان ، وبالتالى فإن العقيد معمر القذافى مطالب بتنفيذ التزامه الأدبي تجاه
مئات الأطفال الأبرياء من مواطنيه وتنفيذ تعهداته التى جاءت فى عدد من التصريحات
له والتى شدد خلالها على ضرورة محاسبة الجناة، قائلا ما نصه : " كل واحد من الغرب
يأتي يقول : أطلق سراح الممرضات الغربيات .. يعني لما أطفالنا يموتون لا يهم
والله ما يطلع حد منهم ".
وبالإضافة
إلى ما سبق فإن أى تدخل في شئون القضاء من شأنه التشكيك في مسيرة الإصلاحات
السياسية التى بدأتها ليبيا فى الفترة الأخيرة وهو أمر لايخدم صورة القذافى
داخليا فقط وإنما فى الغرب أيضا عندما تظهر قضية لايكون طرفها أى من رعاياه ، بل
يسعى الغرب من خلالها لتحقيق مصالح محددة ، ولذا فإن القذافى مطالب باحترام
استقلال مؤسسات القضاء والقانون وأن يبعد جميع أجهزته عن المساس به أو التدخل في
شئونه حتى لايفتح الباب واسعا أمام التدخلات الخارجية فى المستقبل بحجة غياب
العدل.
إن الغرب - بحسب تلك الرؤية - لايهمه
إلا مصلحة الممرضات البلغاريات ويتناسى معاناة الضحايا وأسرهم ، وبالتالى فإن
تقديم أية تنازلات في تلك القضية سينظر إليه التاريخ باعتباره تواطؤ مع الجانى ضد
الضحية.
وفي مواجهة الرؤية السابقة ، يتوقع بعض
المراقبين تكرار سيناريو المحاكمة السابقة وعدم تنفيذ حكم الإعدام لأن ضغوط الغرب
مازالت لها الكلمة الفصل في تحديد نهاية المحاكمة ، ولأن القذافى غير مستعد
للتضحية برضا الغرب عنه في الفترة الأخيرة ، مقابل الاستجابة لمطالب ضحايا بات
مصيرهم محتوما ولن يخفف إعدام المتهمين من حجم مأساتهم في شيء.
تطورات القضية
تعتقل السلطات الليبية خمس ممرضات
بلغاريات وطبيب فلسطينى منذ عام 1999 بتهمة حقن 426 طفلا بفيروس الإيدز أثناء
عملهم في مستشفي بنغازي العام توفي منهم 52 طفلا حتى الآن .
وأصدرت محكمة بنغازى في السادس من مايو
2004 حكما بالإعدام رميا بالرصاص ضد المتهمين بعد محاكمة استمرت ستة أشهر .
واستأنف المتهمون الذين يدفعون
ببراءتهم الحكم أمام المحكمة العليا الليبية التي أمرت في 25 ديسمبر 2005 بإعادة
محاكمتهم أمام محكمة أدنى درجة ، ما فسره محامو الضحايا بأنه إلغاء لحكم الإعدام
.
وفي أغسطس 2006 ، طالب ممثل الادعاء
العام في ليبيا عمر عبد الخالق بتثبيت حكم الإعدام الذي أصدرته محكمة بنغازى.
ويقول المحققون إن المتهمين قد تعمدوا
حقن الأطفال بدم ملوث بفيروس "إتش آي في" المسبب للإيدز خلال أبحاثهم لإيجاد شفاء
للمرض.
لكن الدفاع يقول إن الأطفال كانوا
مصابين بالإيدز قبل وصول المتهمين للعمل في مستشفى بمدينة بنغازي الليبية وإنهم
كانوا كبش فداء بسبب أساليب غير صحية كانت متبعة في المستشفى.
وأعرب عدد من الخبراء الدوليين في مرض
الإيدز عن انتقادهم الشديد للدليل الذي قدمته ليبيا على ضلوع المتهمين في حقن
الضحايا بدم ملوث بفيروس "اتش اي في HIV " المسبب لمرض الايدز.
جاء ذلك في مجلة نيتشر Nature
البريطانية حيث يقول هؤلاء الخبراء إن هناك دليلا قويا على أن الإصابة بهذا
الفيروس بدأت قبل عام أو أكثر من وصول المتهمين إلى ليبيا وإن كل الدلائل تشير
إلى أن الاهمال في إجراءات الأمان في المستشفى أدت إلى تفشي المرض.
ومن ضمن هؤلاء الخبراء ، الطبيب
الفرنسي لوك مونتجنير الذي كان أول من عزل فيروس الإيدز في المعمل، والذي ادعى أن
الاطفال المصابين بالإيدز كانوا ضحايا عمليات اهمال ونقص العناية في مستشفي
بنغازى .
وقد تحولت القضية على مدى سنوات إلى
مصدر للتوتر بين ليبيا والغرب حيث أيدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مطالب
بلغاريا بالإفراج عن الممرضات وإعادتهن إلى بلدهن ، وتراجعت السلطات الليبية تحت
ضغوط دولية وامريكية علي وجه الخصوص، واعادت المحاكمة ، وسط احتجاجات صاخبة لذوي
الاطفال الضحايا.
وطالبت الحكومة الليبية حينئذ بتعويضات
قيمتها عشرة ملايين يورو لأسرة كل طفل من المصابين مقابل تخفيف حكم الإعدام إلى
السجن مدى الحياة وهو مارفضته بلغاريا لأن التعويضات مبالغ فيها من وجهة نظرها
كما أن دفع أي تعويضات سيعني إقرارا بالمسؤولية ، وبعد وساطة الاتحاد الاوروبى
والولايات المتحدة ، وافقت ليبيا وبلغاريا على إنشاء صندوق مشترك لعلاج الاطفال
المصابين بالايدز ، إلا أن المفاوضات حول إنشاء الصندوق وصلت إلى طريق مسدود .
وفي المقابل ، انتقدت أسر الضحايا قرار
المحكمة العليا بإعادة محاكمة المتهمين وأكدوا أنه من شأنه أن يزيد من مأساتهم
ويطيل معاناتهم. وتظاهر المئات من أسر الضحايا وسط العاصمة طرابلس، احتجاجا على
إعلان المحكمة العليا نقضها للإعدام.
وهتفوا : "الإعدام الإعدام لا تفاوض
ولا سلام ...يا قاضي عيب عليك أمريكا تحكم فيك".
وفسر المراقبون قرار المحكمة العليا
بأنه جاء ضمن سلسلة تنازلات تدريجية قدمتها ليبيا بعد تخليها عن الخطاب الثوري ضد
كل ما يمت بصلة إلى الغرب وأمريكا، ومحاولتها التخلص من صورتها كدولة مارقة خارجة
عن الشرعية بحسب وجهة نظر واشنطن، وكان من ضمن التنازلات تخليها عن برنامجها
النووى عام 2003، وإعلانها المسئولية عن تفجيرات وقعت ضد أهداف فرنسية وبريطانية
وألمانية، وموافقتها على دفع تعويضات لعائلات ضحايا تلك التفجيرات .
|
libyaalmostakbal@yahoo.com