14/12/2006

 
 

ليببا: النهر الصناعي "الفظيع"!

جورج الراسي
 
بعض الأخبار الواردة من ليبيا تقول ان العقيد معمر القذافي قائد ثورة الفاتح قد أعلن تبرؤه من مشروع "النهر الصناعي العظيم"، ونفض يديه منه. معنى ذلك ان الشكوك الكبيرة التي كانت تحيط بهذا المشروع لم تكن دخاناً بلا نار. وقد أريد لهذا الانجاز ان يكون عملاقاً بكل المقاييس. فمساحة حوض المياه الجوفية التي أريد استغلالها في مناطق كفرة والسرير وتازربو تبلغ 250 ألف كلم مربع وقدّر مخزون المياه فيها بمقدار تدفق مياه نهر النيل لمدة 200 عام. وتبلغ مساحة حوض جبل الحساونة في جنوب غربي الجماهيرية نحو 720 ألف كلم مربع. ويُعتقد ان مخزون المياه هناك لا يقل عما هو في الحوض الأول. وكان يتوقع أن يبلغ المجموع الكلّي للآبار الجوفية عند انتهاء المشروع 800 بئر، منها 340 في حقل السرير، و130 في حقل تازربو و130 في حقل الكفرة، و200 في حقل الحساونة ووادي الشاطئ. أما الطول الاجمالي للأنابيب المستعملة فيبلغ 4200 كلم. وكان من المفترض ان تصل السعة الاجمالية لخزانات الاستيعاب الى 300 مليون متر مكعب من المياه أما كمية الاسمنت التي استخدمت في صناعة أنابيب نقل المياه فهي تكفي لتعبيد طريق مسفلتة بين ليبيا والهند. واذا أضفنا اليها الاسمنت اللازم لصناعة أنابيب كل مراحل المشروع فهي تكفي لبناء طريق خرسانية بين ليبيا واستراليا.
 
وكانت المرحلة الأولى من المشروع تقضي بضخ المياه من حقلي السرير وتازربو في الجنوب الى خزاني المياه الضخمين في بنغازي وسرت. وتمّ توقيع عقد تنفيذ المرحلة الأولى في 6 تشرين الثاني 1983، على أن يسمح المشروع بعد اتمامه بنقل المياه عبر الأنابيب مسافة يزيد طولها على أربعة آلاف كلم، يُضخ فيها يومياً ستة ملايين متر مكعب من المياه. وانطوت المرحلة الأولى على حفر 120 بئراً جوفياً في منطقة تازربو، تضخ منها المياه مسافة 286 كلم الى منطقة السرير حيث حُفرت 126 بئراً، على أن تصل كمية المياه التي يتم تخزينها في السرير الى 340 ألف متر مكعب. ومن هناك يمتد خط أنابيب مسافة 381 كلم لتصب المياه في خزان التجميع في اجدابيا وقدرته 4 ملايين متر مكعب. ومن اجدابيا يمكن تحويل المياه الى كل من بنغازي وسرت حيث خزانا التجميع النهائيان اللذان يتّسعان لنحو 11.5 مليون متر مكعب من المياه، مع العلم ان بنغازي تبعد عن اجدابيا مسافة 110 كلم، وتبعد سرت عن اجدابيا نحو 399 كلم.
وكان من المتوقع ان يتدفق في المرحلة الأولى مليونا متر مكعب من المياه يومياً من تازربو والسرير الى بنغازي وسرت، على أن تتدفق كمية مماثلة بعد نهاية المرحلة الثانية، مما يسمح بنقل المياه من منطقة جبل الحساونة الى سهل الحفارة وسرت. أما المرحلة الثالثة فكان يُفترض فيها ان تعمل على زيادة ضخ مياه حقل الكفرة بمعدل 1.5 مليون متر مكعب يومياً، في حين تستهدف المرحلة الرابعة نقل المياه من أجدابيا الى منطقة طبرق، بينما ترمي المرحلة الخامسة والأخيرة الى ربط منظومة المرحلة الأولى بالثانية من سرت الى طرابلس. وكانت السلطات الليبية قد أرست عطاءات تنفيذ المرحلة الثانية في آذار 1990.
 
وتجدر الاشارة الى ان تنفيذ المرحلة الأولى تطلّب اقامة عدد من المرافق المهمة وتشغيلها، من ضمنها منظومة اتصالات بموجات اذاعية دقيقة، ونُظُم للاتصالات والمعلومات للتحكم في عمليات التشغيل والتدفق. كما أنشئت محطة رئيسية لتوليد الكهرباء في السرير تضم خمسة مولدات توربينية تعمل بالغاز والوقود وتبلغ طاقة كل منها 15 ميغا واط.
 
أما التكلفة النهائية للمشروع بمراحله الخمس فقد قدرت بنحو 25 بليون دولار، ورُصد لتنفيذ المرحلة الثانية وحدها نحو 5.3 بلايين دولار. وأوكلت مهمة التنفيذ الى مجموعة "دونغ آه" الاستشارية الكورية الجنوبية.
 
هذه هي أهم المعطيات التقنية التي تختصر مشروع "النهر الصناعي الكبير". فماذا عما آل اليه؟
 
يلاحظ أولاً ان تنفيذ المرحلة الثانية ابتداء من مطلع التسعينات تزامن مع فرض العقوبات الدولية على ليبيا، مما جعل احترام الآجال والالتزامات المالية أمراً مستحيلاً.
 
ويلاحظ ثانياً ان الكلفة الأولية التي رصدت لتنفيذ المراحل الخمس تجاوزها الواقع كثيرا منذ عام 1983 حين تم توقيع عقد تنفيذ المرحلة الأولى.
 
لكن الطامة الكبرى أخطر من هذه المعوقات بكثير. فقد تبين ان هذا المشروع ينطوي على كارثة بيئية حقيقية. فهو يستنزف ثروة مائية لا تتجدد، تكونت عبر مئات إلاف السنين، وهي في احواض جوفية تشترك فيها بعض الدول المجاورة. وحتى لو صحت أكثر التقديرات الهندسية تفاؤلاً بأن امدادات المياه العذبة من جوف الأرض سوف تكفي لمدة تراوح بين 50سنة وقرن كامل، فما الذي سيجري بعد ذلك، وقد مضى نحو ربع قرن على بدء العمل بالمشروع؟ ما سيجري ان المناطق المزروعة ستعود الى الصحراء لانعدام المياه، ولن يكون هنالك مياه جوفية يمكن استغلالها بشكل عقلاني ومحدود، لبضع مئات آلاف السنين المقبلة.
 
اضافة الى الكارثة البيئية فإن النهر الصناعي ينطوي على كارثة اقتصادية. فالمياه التي يتم تجميعها في بحيرات تتبخر بفعل حرارة الطقس، وتتحول الى غيوم تمطر في أوروبا على الأرجح وفق اتجاه الرياح! أما التكلفة الأصلية (25 مليار دولار)، التي يجب ضربها بعدة أضعاف اليوم، فقد كانت كافية لإزالة ملوحة البحر الأبيض المتوسط برمته.
وكان من الأوفر ألف مرة شراء المنتجات الزراعية من الخارج على انتاجها بأسعار باهظة لمدة زمنية قصيرة نسبياً، مع العلم ان حاجات سكان ليبيا محدودة (نحو أربعة ملايين و6 حسب آخر احصاء رسمي بمن في ذلك المهاجرون الأجانب الأفارقة بشكل خاص).
 
فكيف لا يتبرأ العقيد القذافي من كارثة كهذه، وحبذا لو سمح الوقت بانقاذ ما يمكن انقاذه لئلا يتحول النهر الصناعي العظيم الى نهر صناعي "فظيع"!.
 
عن صحيفة المستقبل اللبنانية
 

 
راجع مواضيع متعلقة بالموضوع:
 
حقائق عن مشروع النهر الصناعي بقلم : الحسين محمد الميسوم
 
مالجديد في أخبار "التوبو" العظيم ؟
 
قصيدة "النهر الصناعي" للشاعر: أبوشسيهان

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com