21/12/2006

 
 
عيون وآذان (صفقة أسكت معها ... نهائياً)
 
عن صحيفة الحياة اللندنية -21 ديسمبر 2006
 
جهاد الخازن

 
أعرض على العقيد معمر القذافي عبر صفحات «الحياة» صفقة: إذا أصدر عفواً عن الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني في قضية أطفال الايدز الليبيين، فسأتوقف نهائياً عن انتقاد النظام الليبي او ذكر اسم الأخ العقيد بخير أو شر في ما أكتب.
 
كنتُ دافعت بحماسة عن ليبيا والعقيد القذافي، خصوصاً في وجه الحملات الأميركية عليه منذ المواجهة مع رونالد ريغان، وبرأت النظام من انفجار ملهى «لا بل»، ودعوت ان يكون العرب جميعاً بعيدين من سقوط الطائرة الأميركية فوق لوكربي، وثبتت التهمة في النهاية على العقيد مع أعمال ارهاب أخرى، أبرزها محاولة اغتيال الملك عبدالله بن عبدالعزيز عندما كان ولياً للعهد.
 
دافعت عن ليبيا عشر سنوات أو 15 سنة من دون ان أحاول الاتصال بأحد فيها، وتوقفت مع ثبوت الارهاب على النظام من دون ان أهاجم أو أنتقد، ثم فتحت النار (رمزياً طبعاً) عندما تغيّر العقيد، وزعم ان أميركا تغيّرت وانتقلت الى خندقه، ولم تمضِ سنة أو سنتان حتى كانت المؤامرة على وليّ العهد السعودي في حينه.
 
التهمة الأكثر استعمالاً ضد أي صحافي عربي ينتقد هي انه مدفوع من هذا الطرف أو ذاك أو مدفوع له، يعني انه قبض مالاً ثمن الهجوم. وخشية ان أتهم بأنني أهاجم ليبيا بتحريض من السعودية، فقد انتظرت أسابيع بعد تسوية أزمة محاولة الاغتيال وبعد عودة العلاقات الديبلوماسية وتبادل السفراء (واضح ان قلب الملك عبدالله أطيب من قلبي) وهاجمت الأخ العقيد شخصياً، ونصحت القادة العرب ان يروا ما يفعل، ثم لا يفعلوا مثله، ليضمنوا النجاح.
 
طبعاً الأخ العقيد يقدم للراغب أسباباً يومية لانتقاد أسلوبه في الحكم، غير انني أعترف بأن هجومي ذاك كان سببه الأساس ألا يحمّل المملكة العربية السعودية، أو أي مسؤول فيها، المسؤولية عن انتقادي الذي زاد بعد تسوية الأزمة.
 
زاوية اليوم ستكون آخر مرة أذكر فيها الأخ العقيد، أو النظام الليبي طالما هو في الحكم، اذا أفرج عن الممرضات والطبيب، فهم أبرياء بقدر ما ان المؤسسات الصحية والقضائية الليبية التي اتهمتهم مذنبة.
 
الحكم بإعدام المتهمين الستة هو الجريمة بحق الأطفال الليبيين، والفاجعة مضاعفة عندما يهتف أهالي الأطفال الضحايا في المحكمة معتقدين ان العدالة أخذت مجراها، فما حدث هو ان الأبرياء دينوا فيما نجا النظام الذي قتل أطفال ليبيا بسوء ادارته الصحية، كسوء ادارته كل أمر آخر منذ 1969.
 
كان يفترض ان يحسم الأمر بتقرير طبي حاسم، فبعد اعتقال الممرضات والطبيب في أوائل 1999 استدعت الحكومة الليبية لوك مونتانييه من معهد باستور في باريس، وفيتوريو كوليتزي من جامعة نور فيرغاتا في روما، وكلاهما مرجع عالمي في الايدز. وأعلن تقرير الطبيبين «ان إصابات كثيرة حدثت قبل وصول الممرضات والطبيب. وهناك نقص في النظافة، ونقص في منع انتشار العدوى، ونقص في نظام حماية المرضى من الدم الملوث...».
 
هذا الكلام إدانة للنظام لا المتهمين، وكنتُ قرأت في جريدة «التايمز» رسالة كتبها علماء بريطانيون برئاسة اللورد مارتن ريس، رئيس الجمعية الملكية، تدعو السلطات العالمية الى «ممارسة ضغط على الرئيس القذافي لمنع ما سيكون جريمة قضائية».
 
الجريمة ارتكبت، ولكن لا تزال امام الممرضات والطبيب فرصة، فلا أحد في العالم يصدق مزاعم الأخ العقيد ان الموساد او الاستخبارات المركزية الأميركية هي التي أصابت الأطفال الليبيين بالايدز عمداً. وأجهزة الاستخبارات لا تحتاج الى ايقاع ضرر بليبيا، فمعمر القذافي يعمل بساعديه للإضرار ببلاده، وهو من الغرابة (لن أستعمل كلمة أخرى أشدّ) ان يطلب ثلاثة بلايين دولار، والإفراج عن عبدالباسط المقراحي، المدان في جريمة لوكربي، مقابل عدم قتل الممرضات والطبيب. بكلام آخر، النظام الليبي يقتل أطفاله جهلاً، ثم ينقل التهمة الى الأبرياء، ويحاول ابتزاز بلغاريا والعالم ليقبض ثمناً للجريمة. فالثورة حتى لو كانت طاهرة، و«ثورة الفاتح من سبتمبر» ليست كذلك، لا تمنع ان يكون في ليبيا، ككل بلد، جنس محرّم ومخدرات تنشر الايدز.
 
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ودول العالم كله طالبت بالافراج عن الممرضات والطبيب، ويبقى ان نرى هل تغلّب الدول القادرة في النهاية مصالحها النفطية على حق الحياة، أو تهدد معمر القذافي فيخاف ويرعوي، كما فعل عندما تخلى عن برنامج نووي غير موجود حتى لا يلقى مصير صدام حسين.
 
العالم كله دان الحكم الجائر على الممرضات والطبيب، ولكن أترك التهديد بعقوبات، أو الاغراء بدولارات، لأطراف قادرة. فليس عندي ما أقدّم للأخ العقيد لشراء أرواح الممرضات الخمس والطبيب سوى صفقة أسكت معها عن ذكر ليبيا والنظام والعقيد نهائياً، وبما لا يحتاج معه أي طرف ليبي للاتصال بي ومحاولة عقد صفقات مشبوهة، كما حدث في السنتين الأخيرتين، وهو ما سأعود الى تفاصيله في المستقبل، إذا لم يقبل معمر القذافي معاهدة السلام التي أعرضها عليه.
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com