لا شك أن الكثيرين
تساءلوا، وربما تعجبوا من هذا التعامل الفرنسي " الخاص" مع
ليبيا عندما سمحوا، ثم سهـّلوا لها الحصول على التعاون في
مجال النووي. وقد زادت علامات التعجب أكثر فأكثر بعد حوار
ابن العقيد لصحيفة "لوموند" الفرنسية عن صفقة التعاون
العسكري بعد إطلاق سراح الممرضات البلغاريات الى درجت دفعت
الى التساءل: ما هي حقيقة الصفقة بين الطرفين ؟!.. ولماذا
بقيت قضية عبد الله السنوسي رئيس جهاز المخابرات الليبية في
طي الكتمان و هو المحكوم عليه غيابيا بالسجن مدى الحياة من
طرف القضاء الفرنسي ؟!
لقد أدين عبد الله
السنوسي رئيس جهاز المخابرات الليبية في سنة 1989 في قضية
حادثة الطائرة (DC-10d'UTA) التي كانت تقوم برحلة بين عاصمة
الكونغو برازفيل وباريس عبر العاصمة التشادية نجامينا و هلك
فيها 170 شخصا وطاقم الطائرة، وحكم القضاء الفرنسي على عبد
الله السنوسي و5 أشخاص غيابيا بالسجن مدى الحياة بصفتهم
المتهمين في الحادث و من يومها و طرابلس تطالب بتبرئة
مسؤوليها وتوقيف الملاحقة القانونية ضدهم بعد أن صدر في حقهم
مذكرة توقيف دولية من العدالة الفرنسية.
وذكرت مصادر
فرنسية أن قضية عبد الله السنوسي رئيس المخابرات الليبية
أخذت حيزا مهما في صفقة الممرضات البلغاريات والطبيب
الفلسطيني، وأشارت هذه المصادر أن عبد الله السنوسي كان ضمن
الوفد الليبي الذي قاد المفاوضات مع كلود لوغان الأمين العام
لقصر الإيليزي الذي تنقل برفقة سيسيليا زوجة الرئيس الفرنسي
ساركوزي.
ومما زاد في حيرة
المراقبين أنه من المستحيل أن يتم تجاهل قضية عبد الله
السنوسي، فقد غيبت من التناول الإعلامي، مع أنها قضية حساسة
في موضوع العلاقات الفرنسية-الليبية.
أما طرابلس فقد
إلتزمت الصمت الكامل إزاء الموضوع، مع العلم أن عبد الله
السنوسي صدرت بحقه مذكرة توقيف دولية من العدالة الفرنسية
مما يعني أنه يستحيل عليه الخروج من ليبيا .. فماذا كان رأي
فرنسا في الموضوع ؟!.. وهو تساءل يبدو مشروعا ومنطقيا لكل من
يتابع هذه القضية منذ سنوات في ظل الصمت المطبق من الطرفين.
في وجهة نظر كتبها
في صحيفة "بريد براست"، تطرق الصحفي الفرنسي جون غوسنال
المختص في الشؤون العسكرية الى الحوار الذي أجراه سيف
الإسلام مع جريدة "لوموند" والذي أشار فيه الى إبرام عدة
إتفاقيات بين طرابلس و باريس في المجال العسكري في صفقة سرية
مقابل إطلاق سراح الممرضات البلغاريات و الطبيب الفلسطيني،
وأشارالصحفي الى أن هناك تلاعبا بالألفاظ فسيف الإسلام لا
يقول :"أنه تم إبرام إتفاقا بين الطرفين تلتزم من خلاله
فرنسا بتسليم دبابات عسكرية لطرابلس "و إنما يقول: "سنشتري"
من دون إضافة ..في حين الرئيس ساركوزي نفى أن يكون قدم يورو
واحدا في القضية فقط قدم شكره لدولة قطر على مساعدتها في حل
هذه القضية الإنسانية.. ويذهب الصحفي بعيدا عندما يقول أن في
جعبة ليبيا الكثير من المطالب بإتجاه فرنسا فالعقيد القذافي
وبتوصية من أحد المستشارين الفرنسيين الذي إكتشف تلاعبات
خطيرة في صفقة مع رجل أعمال لبناني قام بإلغاء صفقة تحديث و
تجديد طائرات الميراج F15الذي تمت المصدقة عليها في نهاية
2006 مقابل 170 مليون يورو مما أدى بالشركات الفرنسية
المعنية(Dassault,Snecma/Safran Thales)الى التنقل الى
طرابلس في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.ويخلص الصحفي الى أن
سيف الإسلام يشير ضمنيا الى قضية عبد الله السنوسي المحكوم
عليه غيابيا في 1999 من طرف القضاء الفرنسي من خلال تطرقه
الى وعود بريطانيا بدراسة حالة رجل المخابرات الليبي عبد
الباسط المقراحي المسجون في أسكتلندا في قضية طائرة لوكوربي
ويتساءل الصحفي: ماهو الوعد الذي قدمته فرنسا لطرابلس ؟! ..
و كيف فهمه الطرف الليبي ؟!
العفو الرئاسي ..ممكن ؟!!
القضاء الفرنسي
وجه تهما عديدة لعبد الله السنوسي منها إعطاء الأمر بإسقاط
الطائرة وتزويد المنفذين بالمتفجرات وحكم عليه القاضي المختص
في قضايا الإرهاب في محكمة باريس بروغيار غيابيا بعد 10
سنوات من حدوث القضية بالسجن مدى الحياة. وبما أن قانون
القضاء الفرنسي لايعتبر أحكام القضايا التي تصدر غيابيا
كأحكام نهائية فمنطقيا وتقنيا لا يمكن للرئيس ساركوزي أن
يصدر عفوا رئاسيا في قضية السنوسي وبقية المتهمين الخمسة
الذين صدرت في حقهم مذكرات توقيف دولية والتي تبقى سارية
المفعول الى غاية 2019. و يستبعد أن تكون فرنسا قررت إعادة
النظر في المسألة حسب ما صرح به غيوم دونوا سان مارك رئيس
جمعية ضحايا حادثة الطائرة DC 10.
سيناريو سيف الإسلام القذافي:
في حواره مع صحيفة
"لوموند" أشار سيف الإسلام القذافي الى سيناريو إعادة محاكمة
عبد الباسط علي المقراحي المسجون في أسكتلندا في قضية
لوكوربي (حادثة الطائرة التي وقعت في سنة 1988 وذهب ضحيتها
270 شخصا) وربما أن طرابلس تفكر في هذا السيناريو لإنقاذ رأس
مسؤول مخابراتها من مخالب العدالة الفرنسية وذلك بمحاكمة
المتهمين و الحكم عليهم ثم إصدار عفو عنهم أو بإصدار حكم
البراءة وإطلاق سراحهم لا سيما أن طرابلس تحججت بعدم وجود
أدلة تدين مواطينها بالسجن مدى الحياة بمعنى إحتمال صدور حكم
مخفف يكون قابلا للعفو الرئاسي من طرف الرئيس الفرنسي
ساركوزي.
وفي حالة إختيار
هذا الطريق كحل وإقدام الرئيس ساركوزي على الخطوة
الديبلوماسية بإتجاه إصدار عفو رئاسي في حق المواطننين
اللبيين فإن ذلك سيفتح عليه باب الإنتقادات والمعارضة على
مصرعيه.
عن موقع وطن
(يغرد خارج السرب)
|