13/08/2007

جون أفريك الفرنسية: موسى كوسة.... ذراع القـذافي المميـتة

ترجمة د. عبد الله حامد الأوجلي، المهجر

(المقالة بقلم فرانسوا سودان ونشرت بعدد المجلة بتاريخ 29 /7 /2007) خاص بأخبار ليبيا


 

موسى كوسة.. رجل الظل في الجماهيرية

موسى كوسة، رجل المفاوضات الرئيسي في قضية الممرضات البلغاريات هو في نفس الوقت رئيس جهاز الاستخبارات الخاصة، يجسد في الواقع خلال عشرين سنة الوجه المظلم للنظام الليبي. يقول رئيس قوات الأمم المتحدة السابق في رواندا الجنرال الكندي روميو دالير "لقد صافحت يد الشيطان" كان ذلك في تعليق له عندما خرج من مقابلة مع زعيم قبائل الهوتو التي ارتكبت مجازر التطهير العرقي في رواندا، وقد يكون السيد كلود جيا، سكرتير عام قصر الإليزي الرئاسي في باريس علق بنفس الانطباع، مع فارق الأهمية، في سنة 2005 عندما قابل لأول مرة رئيس المخابرات الليبية في مكتبه، كلود جيا كان في ذلك الحين مديرا لمكتب وزير الداخلية السيد نكولا ساركوزي (رئيس فرنسا الحالي).
 
ولكن الإنسان يتعود على كل شيء في هذا العالم المرير!
 
منذ ذلك اللقاء الأول، توالت مقابلات موسى كوسة وكلود جيا وتحادثا في العديد من المواضيع معا، في باريس أولا ثم لاحقا في طرابلس، وخلصوا أخيرا لحل قضية الممرضات البلغاريات. القول بأنهم أصبحوا من الأصدقاء قد يكون مبالغا فيه نوعا ما ولكن بالتأكيد يوجد الآن علاقات "عمل" ما بين هذا الفرنسي وذلك الليبي، علاقة عمل قد توصف أيضا بالثقة المتبادلة إلى حد ما، مشابهة تماما لعلاقة موسى كوسة مع المخابرات الأمريكية (السي. آي. أي.) وكذلك البريطانية (الإم. آي. 5).
 
يتعود الإنسان كذلك على كل شيء في عالم شبكات المخابرات المتوازية!
 

 

موسى كوسة رجل المفاوضات والدبلوماسي مع أمير الكويت

 
موسى كوسة (57 سنة) ليس مكلفا بملف الممرضات البلغاريات فقط، فمنذ خمس أو ست سنوات يقع في قلب المعمعة وما صاحبها من مفاوضات ومحاورات وإحباطات وكذلك التخليات في مسلسل رجوع ليبيا إلى صف الأمم التي ينصح بالاختلاط بها...
 
بعدما كان يجسد الوجه الظالم لنظام حكم القذافي خلال عقدين من الزمن، أصبح هذا الطرابلسي رمز الانفتاح اليوم، ولم يتمكن من ذلك إلا بحكم وضعه (إليكترونا) حرا طليقا لا يقدم حساب لأحد سوى لـ"القائد".. ونجح في إحداث التحول المطلوب.....
 
برفقة عبد الله السنوسي، مسؤول الأمن الداخلي وبشير صالح القذافي، مدير مكتب العقيد القذافي، يتمتع موسى كوسة بموقع أحد الرجال "المفاتيح" في الحاشية (من خارج العائلة) الخاصة بمعمر القذافي، فهو من عائلة متواضعة تحصل على بعثة دراسية ونال درجة الماجستير من جامعة ميتشيغان الأمريكية (بسنة 1978)، وانطلقت سيرته الحرفية في المخابرات الخاصة كمسوؤل عن أمن السفارات الليبية في أوروبا الشمالية، وتحت هذه الصفة شرع في مطاردة "الكلاب الضالة" - أي المعارضين في المنفى - وقتل من هؤلاء عدة أفراد (حوالي دستة) ما بين 1979 1982.
 
في سنة 1980 تمت ترقية "كوسة" في الرتبة: عين أمينا للمكتب الشعبي للجماهيرية في لندن (أي سفير) ولكن لم يدم طويلا في هذا المنصب، ففي يوم 12 يونيو من نفس السنة، قام بتصريح علني بدون أن يرمش له جفن، يقول فيه بأن اللجان الثورية مصممة على الاستمرار في حملة التصفيات الجسدية لأعضاء المعارضة على الأراضي البريطانية.... وكان ذلك أمام مبنى السفارة الليبية في ميدان سانت جيمس في لندن... بعد التصريح بأربعة أيام تم طرده من بريطانيا.
 
عند عودته لطرابلس، ظهر الرجل من هذا التاريخ كأحد القواد "الجذريين" للجان الثورية الأكثر شراسة حيث تابع حملة تصفية "أعداء الثورة".
 
الأب الروحي للمجموعة المتطرفة من اللجان الثورية كان الرائد عبد السلام اجلود، وهو في ذلك الوقت الرجل الثاني في النظام (الغير رسمي) ومعه أحمد قذاف الدم وسعيد راشد وعبد السلام الزادمة ومجموعة أخرى.... موسى كوسة أصبح عضوا رئيسيا في اللجنة الخاصة التي أنيط بها مهام التخطيط والأمر بالتنفيذ لعمليات القتل.
 
في سنة 1984، يلتحق موسى كوسة بجهاز الأمن الخارجي، أو (المثابة) التي كان يديرها العقيد يونس بالقاسم، وتم تكليفه بالتنسيق ما بين حركات التحرير في كافة أرجاء العالم خصوصا في أفريقيا، قادة هذه الحركات كانوا ضيوفا دائمين في طرابلس، حيث نجد المعارضين التشاديين والماليين والزائريين والكونغوليين والجنوب أفريقيين ومن جمهورية أفريقيا الوسطى، وكلهم تعرفوا بموسى كوسة الذي لم يكن أبدا مترددا في الإصرار على هؤلاء بأن يقدموا الدليل الحاسم الملموس للتصديق على مزاعمهم... وأحيانا كان يصر على عمليات عسكرية (إرهابية) في أوطانهم قبل أن يقدم لهم الدعم المالي المطلوب.
 
وعلى رغم كون سيرته ابتداء لصيقة بـ "اللجان الثورية" تقربه من شلة عبد السلام اجلود أكثر مما كانت تقربه من شلة "المعتدلين" الذين كان يمثلهم عبد الله السنوسي في حينه، إلا أن موسى كوسة استطاع أن ينجو بجلده عندما أصابت "لعنة" القذافي رفيقه القديم عبد السلام اجلود، فهذا الرجل المنعزل لا يعترف برئيس سوى "القائد"، نضيف إلى ذلك الدهاء الذي كان يتمتع به حيث أنه بادر إلى إقامة علاقات حميمة مع "على بوشعراية" وهو "شقيق ؟" السيدة صفية زوجة العقيد الذي كان بدوره يتمتع بنفوذ كبير بموقعه كمسؤول عن العمليات في قسم الاستخبارات الخارجية.
 
في شهر ديسبمر 1988، ثم في شهر سبتمبر 1989، ورد اسم موسى كوسة عدة مرات في أحداث فظيعة (تفجير طائرة اللوكربي والطائرة الفرنسية اليو. تي. آي.) ولم تتوفر أدلة على ذلك حتى تاريخ اليوم... ولكن في مذكرات جورج تينينت (الرئيس السابق للاستخبارات الأمريكية) التي صدرت أخيرا نجد أن رئيس السي. آي. أي. السابق لم يتردد في التصريح بأن موسى كوسة وفقا لمصادره، كان هو الشخص الذي قام بالتخطيط لعملية تفجير الطائرة البانام فوق لوكربي، من جهة أخرى في فرنسا، قام قاضي التحقيق الخاص جان لوي بريغيير بإصدار مذكرة جلب وإحضار دولية ضده لاتهامه بالمشاركة المفترضة في عملية تفجير الطائرة الفرنسية اليو. تي. أي..... طبعا هذه الشبهات شكلت حملا ثقيلا عليه مما أجبره على توخي الحيطة والحذر لعدة سنوات، ولكنها أيضا أسهمت في ترقيته وصعوده.
 
في شهر نوفمبر 1994، قام القذافي بتعيينه رئيسا لجهاز الأمن الخارجي، وهو نفس المنصب الذي يشغله إلى الآن. والمنصب منصب حساسية وثقة، يضاف إلى ذلك ماضي موسى كوسة المحمل بالسوابق الثقيلة ، وهو مما جعل منه الشخص المناسب للقيام بالتفاوض في سبيل إنجاز التحول الليبي الذي بدأت ملامحه في الظهور، الرجل الآن ذو ثقل من حيث النفوذ كثقل سيرته المرتبطة بالقائد وكان ذلك هو السبب في اختياره، فهو المخلص بين المخلصين ووقائع تفانيه السابقة تشهد له في صالح مصداقيته وإخلاصه.
 
ابتداء من سنة 1999، عقدت عدة اجتمعات سرية خلصت فيما بعد إلى تسوية قضية لوكربي وتخلي ليبيا عن برنامجها الخاص بأسلحة الدمار الشامل، الاجتمعات كان في لندن ثم في جنيف ثم في براغ، ما بين كوسة وعملاء السي. آي. أي. الأمريكية والإم. آي. أي. البريطانية، خلالها قابل مارتن إنديك" وهو الدبلوماسي الأمريكي المتخصص بشمال أفريقيا والشرق الأوسط أثناء رئاسة كلينتون ثم وليام بيرنز خليفته في عهد جورج بوش..... كوسة الذي يتحدث الإنجليزية بطلاقة أنيق الملبس وأحيانا يظهر جانبا جذابا من الناحية الاجتماعية... هو أيضا الرئيس السابق لفرق التصفيات الثورية، أصبح تدريجيا محاورا مقبولا به.
 
كان هو نفسه المضيف الذي قاد فريق العملاء الأمريكيين والبرطانيين خلال زيارتهم إلى ليبيا في ديسمبر 2003 بمهمة تقييم ومن ثم تدمير مخزون الأسلحة الكيماوية والبكتيرية وكذلك وحدات الطرد المركزي التي دفع القذافي فيها ثمنا باهضا... وهو نفس الرجل الذي سيقوم "بالوشاية" لوكالة الاستخبارات الأمريكية، بناء على أمر من "القائد" بقائمة كاملة للموردين والوسطاء في عملية بناء الترسانة الليبية.
 
وتماما مثل ما حدث في عمليات اقتناص وتصفية "الكلاب الضالة" حسب ما هو معلوم لم يظهر موسى كوسة أية مشاعر ضمير أو شعور بذنب... وإذا كان الرجل تصرف كواجهة وشارك بكثافة في عملية تحرير الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني.. فإنه لم يكن ليتردد في إفشال المفاوضات إذا ما صدر له الأمر بذلك عندما يعن ذلك لــــ "الأمير".....
 
قدرة موسى كوسة على التأقلم وتمكنه من استشعار رغبات العقيد ثم تنفيذها، حسب ما يقال، تفوق التصور... وبدون شك يكمن هنا السر في بقاءه واستمراريته..كما يقول العديد من زملائه الأوربيين والأمريكيين.... وبالتالي ليس عجيبا أن لا يتردد السيد كلود جيا في مصافحته بل حتى اصطحابه ذات يوم في سنة 2005 لزيارة السيد نيكولا ساركوزي للحديث عن رهائن بنغازي (الممرضات)....
 
عن موقع أخبار ليبيا

 

libyaalmostakbal@yahoo.com