03/08/2007

 

ليبيا وأطفال الإيدز: الحي أبقى من الميت"

بقلم: د. يحيى اليحياوي

 

في شهر يونيو من العام 1998, حقنت خمس ممرضات بلغاريات (بمساعدة وتواطؤ من طبيب فلسطيني زميل لهن) يعملن بإحدى مستشفيات مدينة بنغازي الليبية, حقنت مجموعة من الأطفال, تتراوح أعمارهم بين ثلاثة أشهر وسنتين ونصف, بدم ملوث بفيروس الإيدز, توفي بسببه العديد منهم (حوالي ستين طفلا لحد الساعة), فيما لا يزال البعض الآخر معلقا بين الأمل في العلاج, والرجاء في خلاص من السماء.
 
ليس من الأهمية في شيء التوقف من جديد عند الرواية الليبية, التي أكدت لها تقاريرها أن الحقن كان بسبق إصرار, ومن باب التعمد والقصد, ولا مناقشة مضمون التقارير المضادة, وضمنها تحديدا تقريري لوك مونتانيي وكومانديني, اللذان يرجعان مصدر العدوى للوضعية المتردية للمستشفى, وللإهمال الكبير الذي يطاول مرافقه الصحية الحساسة.
 
ليس مهما كل ذلك, مادامت المحكمة قد قضت بناء على ما توفر لديها من حجج ثبوتية, فأدانت المتهمين الستة بالقتل العمد, وحكمت عليهم جميعا بالإعدام رميا بالرصاص.
 
وأزعم, بهذه النقطة, نقطة إدانة المحكمة للمتهمين, أن الإدانة إياها إنما هي إدانة جنائية بامتياز, على الأقل من زاوية أن المدانين هم مواطني دولة ليس لها مع الجماهيرية الليبية ثأر قديم لم تندمل آثاره, أو نزاع حدود مشتد, أو تنافس اقتصادي مستعر, أو ما سوى ذلك. أي أنه ليس بين البلدين ما من شأنه إعمال احتمالية الابتزاز, أو الضغط والمساومة. أو لنقل تدقيقا, إنه ليس ثمة بين بلغاريا وليبيا من حسابات سياسية خفية, تؤثر على مجريات التحقيق, أو تعمد إلى تقييد رأي القضاة, أو تعمل على توجيههم بما قد يكون من شأنه إبعاد القضية عن مسارها الجنائي الخالص.
 
وهو بالتأكيد ما أدركته كافة مستويات التقاضي, سواء التي حكمت ابتدائيا, أو التي قضت بدرجة الاستئناف, أو التي (كما حال المحكمة العليا) أقرت الحكم نهائيا, وأوشكت على النحو به بناحية التنفيذ.
 
ليس ثمة إذن فيما نعتقد, من خلفية سياسية واضحة للأحكام الصادرة. لكن البعد السياسي كان, مقابل ذلك وعلى النقيض منه تماما, مصاحبا للأحكام إياها بالمضمر, ناظما لخيوطها وأطوارها على مستوى التداعيات, كما على مستوى الترتيبات.
 
والواقع أن الضغوط الهائلة التي مورست على ليبيا طيلة مراحل القضية, لم تكن ذات طبيعة قانونية صرفة, أو من باب المزايدة على قضائها (على الرغم من ادعاء الممرضات بأنهن اعترفن بالجريمة المنسوبة لهن تحت طائلة "الضرب والتعذيب"), بقدر ما كانت (من لدن بلغاريا, كما من لدن الاتحاد الأوروبي, كما من لدن الولايات المتحدة الأمريكية) ذات نبرة سياسية بدأت بالاستعطاف اللين, واستتبعت بالابتزاز المبطن, لتنتهي بالتهديد المضمر في اللغة المستعملة, لكن المباشر في الأدوات الملوح بها.
 
وأستطيع القول هنا دون مواربة, بأنه كائنة ما قد تكون مستويات المكابرة, الذي كان بإمكان ليبيا إبداءها إزاء الضغوطات والابتزازات المتزايدة, فإنها كانت ستتهاوى حتما بالمحصلة, على الأقل بالقياس إلى السياق الذي انفجرت فيه القضية وتطورت:
 
* فليبيا عانت ولعقود طويلة من الزمن, من حصار الغرب, ومن حصار ذوي القربى أيضا, وتراءى لها أن المكابرة والممانعة, فما بالك بالمقاومة, زمن القطب الأوحد, لم تعد ذات جدوى كبرى تذكر, بل قد يكون من شأن الإلحاح في سلك سبيلها, تشديد الحصار عليها بأشكال أخرى, قد تبلغ مستوى الخنق الاقتصادي, والمحاصرة السياسية, تماما كما كان عليه الحال بأعقاب حادثة لوكربي.
 
ليبيا أدركت إذن, في أعقاب تسوية لوكربي وتسليم الأمريكان ما توفر لديها من مشاريع تسلح "محذورة", أدركت أن الواقعية زمن القطب الأمريكي المتعالي, هي الطريق الأسلم سياسيا, والأنجع اقتصاديا, والأضمن, فضلا عن ذلك, للحيلولة دون أذى "النظام العالمي الجديد", ذي الاتجاه الواحد.
 
* وليبيا, ببراغماتية واضحة, و"فقه نفعي" بائن, أدركت أن خطب ود الغرب, هو من خطب ود مستثمريه وخبرائه ورجال أعماله, وأدركت أنه إن غضب عليها غضب عليها هؤلاء, وإن رضي عنها رضوا عنها أيضا, هي التي يتطلع اقتصادها للاستثمار الأجنبي, وللخبرات والمعارف الغربية, وللأسواق حيث لا سبيل لتصدير نفطها وغازها, إلا سبيل أسواقها و شركاتها ومستهلكيها.
 
والدليل على ذلك, أن من زار ليبيا بالسنوات والشهور الأخيرة, من رؤساء حكومات ووزراء خارجية غربيين, غالبا ما وعدوها ب"النعم القادمة", لكنهم لمحوا بالآن ذاته, إلى قضية الممرضات البلغاريات, باعتبارها المنفذ الأساس لبلوغ ذات النعم, حاضرا كما بالمستقبل.
 
* وليبيا, فضلا عن كل ما سبق, تأكدت بالتجربة القاطعة, بأنه من الوهم الصرف حقا معاودة المراهنة على "محيط عربي" متهاو, مستلب, تابع, غبنها طيلة حصار (حصار التسعينات) حتى كادت تختنق, ولم يعاضدها (اللهم إلا بالقول المحتشم), وهي تواجه الضغط والابتزاز في قضية "إيدز بنغازي".
 
وبقدر اقتناعنا بأن سياقات الماضي القريب, وسياق الحاضر وظروفه أيضا, هي التي تحكمت في "مرونة" الموقف الليبي (وإن على مضض, قياسا إلى قيادة تحتكم إلى مبادئ وقيم), فإنه لا يمكن إلا أن نعترف بالآن ذاته, بأن الموقف إياه كان محكوما, في شكله كما في مضمونه, بمأثورة شائعة (مأثورة "الحي أبقى من الميت") استرشدت بها مؤسسة القذافي في مفاوضتها للبلغار, كما في إقناع الليبيين ضحايا وجماهيرا, للقبول بالتعويض.
 
وأتصور أنه على أساس المأثورة إياها, تم اعتماد مبدأ "الدية", وتم الإيعاز للمجلس الأعلى للهيئات القضائية, بتحويل الإعدام إلى حكم مؤبد, بعدما تنازلت أسر ضحايا الأطفال (الموتى منهم كما الأحياء) عن الدعوى, مقابل مليون دولار لكل عائلة منكوبة.
 
لم يقتصر منطوق "الاتفاق" على الدية مقابل إطلاق سراح البلغاريات, بل طاولت التسوية إلغاء ديون بلغاريا على ليبيا (وهي بضع ملايين من الدولار), و"ضمانات لعلاج الأطفال, وتأهيل مستشفى بنغازي ومساعدات طبية, وضمان الشروط الليبية لتطبيع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي"...وبلغاريا عضو به كامل العضوية.
 
وإذا سلم المرء بأن ليبيا بغير حاجة إلى مساعدات طبية (فما بالك بإلغاء دين تافه), وهي التي تقدر احتياطاتها من العملة الصعبة بعشرات الملايير من الدولارات, فإنه سيسلم بأن جانب التطبيع مع أوروبا كان هو الثمن المقابل دون شك, ولنقل تحديدا هو الذي كان الترتيب له قائما منذ دخلت محاكمة الممرضات أطوارها النهائية, وعزم الرئيس الفرنسي وزوجته زيارة ليبيا, بعدما تبلغا أن فك أسر الممرضات قد بات في حكم المؤكد.
 
بالمقابل, فإذا كانت ليبيا قد اعتبرت أن لا رد لمصير أطفال ظلموا, ولا سبيل للاعتراض على مأساة آباء وأولياء, "كتبت عليهم قضاء وقدرا", فإنها قد اعتبرت بالآن ذاته, أن إعدام الممرضات (بظل تلويح الغرب بالعقاب الآتي) لن يفيد الأحياء في شيء, فما بالك بالموتى, بل سيلحق بهم أضرارا إضافية, بالإمكان الحؤول دونها, بإعمال لغة العقل والمصلحة. قيس الأمر إذن بمقياس البراغماتية, فتبين أن الربح المباشر في إطلاق سراح الممرضات أثقل بالميزان, قياسا لحجم الخسارة القائمة أو القادمة.
 
قد يحاول المرء التجرد من ذاتيته ومن عاطفته, ليتفهم خلفيات إطلاق ليبيا لسراح ممرضات, ارتكبن جرما شنيعا, وتمت إدانتهن وحكم عليهن بالقصاص الأقصى, لكنهن "حررن" لاعتبارات تجاوزت على طبيعة الجرم المرتكب, بظل حسابات لن يكون من شأنها تهوين ما وقع للأطفال, ولا التخفيف عما أصاب دويهم من آلام وعذابات.
 
كل ذلك قد يتفهمه المرء, أو يكابر في القبول به واستساغته, لكن الذي لا يستطيع ذات المرء استساغته, ولا ثنيه عن الغضب والانتفاض, إنما عفو الرئيس البلغاري على الممرضات الخمس (وعلى الفلسطيني "المجنس") بمجرد نزولهن من سلم الطائرة...هن اللواتي (وفق منطوق اتفاق قضائي ليبي/بلغاري بالعام 1984, ولربما بموجب الاتفاق الحالي أيضا) من المفروض أن يقضين ببلدهن, العقوبة المحكوم عليهن بها.
 
قد يقول قائل: إن العفو الرئاسي, لربما كان ضمن "حيثيات غير مدونة بالاتفاق". إذا كان الأمر كذلك, فما القول في "غضب" الليبيين, ومطالبتهم الدول الساهرة على الاتفاق, الضامنة له (والرئيس الفرنسي تحديدا) بالتدخل لدى بلغاريا لإيداعهن السجن؟ وما القول في مطالبة الليبيين للجامعة العربية, بقطع علاقاتها مع بلغاريا؟ بل ما القول في مطالبتهم مؤسسة الأنتربول الدولية, "إلقاء القبض" على الممرضات, وتسليمهن لليبيا؟

وقد يقول آخر: إن كل ما جرى تحت مسمى "الاتفاق" بين ليبيا وبلغاريا (والغرب عموما), إنما كان مكيدة محبوكة الخيوط نصبت لليبيا, لتطلق سراح البلغاريات, حتى إذا ما عدن "محررات" لبلدهن, تم العفو عليهن بمرسوم رئاسي غير قابل للطعن.
 
قد يكون بكل ما قيل, بعض من عناصر الحقيقة والصواب, سيما لو استحضر المرء فرضية أنه ما كان للرئيس البلغاري أن يعفو على الممرضات, لولا استشارة حلفائه بالاتحاد الأوروبي (وبالولايات المتحدة حتما), وبمقدمتهم الرئيس الفرنسي, "المهندس الأخير" لعملية الإفراج.
 
قد يجوز ذلك, وقد يجوز بعض منه. لكن المؤكد فيما نزعم, أن بلغاريا لم تستهن بالاتفاق المبرم فحسب, بل استهانت أيضا باتفاق قضائي أبرمته مع ليبيا أواسط ثمانينات القرن الماضي, ولربما تمت الإشارة إليه بحالة الممرضات قبل تسليمهن.
 
بهذا الجانب, أزعم أنه ما كان لبلغاريا أن تستهين بالقضاء الليبي, لو كانت تعلم أن لذات القضاء حرمة تذكر...
 
بالتالي, فلما هان عليها أمر الاستهانة برمزية القضاء وسمو مقامه, فقد هان عليها بتحصيل حاصل, أمر الاستهانة باتفاق حمل منذ اليوم الأول, خاصيات المعاملة بالمقايضة.
 
من الطبيعي, والحالة هاته, أن تكون الاستهانة هنا على قدر الإهانة...إهانة ليبيا شعبا وحكومة, ناهيك عن إهانة ضحايا الإيدز المباشرين, الموتى منهم كما الأحياء سواء بسواء.
 
عن موقع التجديد العربي

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com