21/08/2007

قضية الممرضات البلغاريات: إنسانية.. قضائية أم سياسية ؟
ميشال توب (ناشر وكاتب فرنسي - رئيس جمعية «معاً ضد حكم الإعدام» الفرنسية)

التاريخ: يوم الثلاثاء 23 يوليو 2007. الساعة: السادسة صباحاً. الطائرة الخاصة برئاسة الجمهورية الفرنسية تقلع من مطار طرابلس وعلى متنها المفتشة الأوروبية المكلفة بالشؤون الخارجية السيدة بنيتا فريرو فلندر، السكرتير العام للإليزيه كلود غيون وزوجة الرئيس الفرنسي سيسيليا ساركوزي إلى جانب الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني.
 
كان ذلك الحدث، أخيراً، نهاية قضية طويلة جداً، بدأت في فبراير 1999، أي منذ أكثر من ثماني سنوات، حين ألقي القبض على مجموعة من الممرضات والأطباء الأجانب، ليطلق سراح معظمهم في ما بعد، باستثناء الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني.
 
فلنعد قليلا للوراء: أحداث القضية بدأت حين وُجّهت للممرضات الخمس والطبيب تهمة نقل عدوى الإيدز لـ450 طفلا في مستشفى الأطفال، الذي كانوا يعملون فيه في مدينة بنغازي. ورغم إصرار المتهمات على براءتهن، فقد أصدر ضدهن حكم الإعدام للمرة الأولى يوم 6 مايو 2004.
 
بعد خمس سنوات من الصمت، بدأ المجتمع الدولي يتحرك: في فرنسا خاصةً بفعل جهود محامين وناشطين في مجال حقوق الإنسان، يساندهم في ذلك البروفيسور المعروف لوك مونتاني الطبيب المكتشف لفيروس الإيدز، الذي وقف أمام العدالة الليبية يشرح كيف أن عملية انتقال العدوى لا يمكن أن تكون بفعل الممرضات، وإنما بسبب الوضعية المتدهورة للمستشفى. جهود جميع هؤلاء للضغط على المجتمع الدولي من أجل التحرك أدت في النهاية إلى فتح ملف القضية من جديد، وكان ذلك بداية الحلحلة حين أعلنت المحكمة العليا الليبية إعادة النظر في الحكم، علماً بأن الجهود الأوروبية لإيجاد حلّ لهذه القضية بدأت تبرز وتأخذ طابعا قويا بعد انضمام بلغاريا الرسمي للمجموعة الأوروبية سنة 2006. لكن وراء هذه القضية في الواقع قضيتين: هي أولاُ وقبل كل شيء مأساة إنسانية مضاعفة، فمن جهة إصابة 450 طفلا بريئا بفيروس الإيدز، نتيجة تدهور اوضاع بعض المرافق الصحية في ليبيا. وكان من الممكن إنقاذ حياة الخمسين الذين توفوا لولا تمسك ليبيا برفض التسوية الإنسانية للقضية، وكان المجتمع الدولي قد تدخل من أجل مساعدة الأطفال المصابين وتقديم الدعم الطبي. إيطاليا وفرنسا استقبلتا ابتداء من سنة 2006 أطفالا مصابين لاستكمال علاجهم في أكبر مستشفياتها. كما أن عملية بناء مستشفى عصري جديد مزودّ بأحدث الأجهزة في مدينة بنغازي قد تمت، بفضل الدعم المادي الذي قدمته دول المجموعة الأوروبية عن طريق صندوق بنغازي.
 
الوجه الثاني من هذه المأساة هو معاناة المتهمين في هذه القضية المؤلمة، وهم الممرضات والطبيب، بعد اتهامهم بأبشع جريمة يمكن أن توجه لفريق صحي. المتهمون عانوا أيضاً من عذابات جسدية ونفسية كبيرة، ومن طول مدة الحبس وظروفه القاسية للغاية، وقد تأكدت من ذلك شخصياً حيث كنت من بين الأشخاص الذين عاشوا حيثيات القضية عن قرب بما أني قابلتهم وزرت ذويهم في بلغاريا.
 
لا أحد منا بتلك السذاجة التي تجعلنا نكتفي بالاعتقاد أن هذه القضية هي إنسانية أو قضائية بحتة، بل هي أيضاً سياسية، وسياسية بالدرجة الأولى. هذا ما تبين لنا من خلال تتبعنا لحيثيات هذه القضية، وكنا أول منظمة إنسانية تقوم بحملة عالمية كبيرة من أجل حث الرأي العام بضرورة إيجاد حلّ لهذه القضية المأساوية، ودفع الزعماء الأوروبيين لإدراج هذه القضية في قمة أولوياتهم الدبلوماسية. وقد قابلت شخصياً الرئيس ساركوزي وزوجته أثناء الحملة الانتخابية واستطعت انتزاع وعود صريحة بالتدخل في هذه القضية. وقد لمست بنفسي حماس السيدة ساركوزي لهذه القضية، وسأتذكر دائماً مشهدها وهي تستقبل عائلات الممرضات والطبيب في باريس وتعدهم بحلّ قريب قائلة: «سوف أتولى بنفسي مهمة عودة أبنائكم حتى ولو استلزم الأمر أن أذهب إلى طرابلس بنفسي».
 
ولكن منذ البداية كان واضحاً أن القضية هي قضية مساومات سياسية ومفاوضات على أعلى المستويات. رئيس المخابرات البلغارية كان قد لخصّ الوضع حين صرح: «بأن مصير الممرضات والطبيب ليس إلا ذرة غبار في عين إعصار كبير تتشابك فيه مصالح ضخمة». وهذا ما يدفعنا للقول ان المتهمين في هذه القضية كانوا بمثابة «اكباش فداء» ورهائن عند ليبيا أولاً، ولكن أيضاً رهائن الجغرافيا السياسية الجديدة التي أرادت عودة هذا البلد للساحة الدولية وشطب اسمه من قائمة «الدول المارقة»، بل إن عودة العلاقات الدبلوماسية بين ليبيا والدول الغربية بدأت تلوح في الأفق فعلاًً بعد عقد عدة صفقات اقتصادية وعسكرية كبيرة دشنتها بريطانيا والولايات المتحدة وعززتها فرنسا أخيراً بصفقة بيع أسلحة ضخمة، وهو ما سمح بطي سنوات الحصار التي فرضت على ليبيا بعد ثبوت تورطها في حادثتي لوكربي وطائرة دسي 10.
 
عودة ليبيا للساحة الدولية كان من الممكن أن تكون أكثر مصداقية لو كان النظام الليبي يبدي حرصا أكبر على احترام الحريات السياسية وتحسين علاقاته الإقليمية وفي المنطقة. وربما أساءت كل هذه المساومات والصفقات العسكرية التي رافقت هذه القضية إلى صورة النظام الليبي أكثر مما خدمته، وهنا لا يسعنا إلا أن نراهن على المستقبل، متمنين أن تكون عودة ليبيا للساحة الدولية دافعا جديدا لتغيير الأوضاع وبداية لحقبة جديدة من العلاقات الدولية.
 
نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com