لا تستطيع السلطات
الليبية سوى إثارة بعض الغبار بعد إقدامها على خطوة إطلاق
الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني، وذلك بغية
إقناع نفسها أولاً أنها لم تخطئ في حق هؤلاء المساكين السيئي
الحظ. هؤلاء احتجزوا طويلاً، عن حق أو غير حق، في قضية
التسبب في إصابة أطفال ليبيين في بنغازي بمرض فقدان المناعة
المكتسبة (الإيدز).
ربما كان احتجاز
الممرضات والطبيب نحو ثماني سنوات، بمثابة تغطية لفشل النظام
الطبي في البلد والحالة المزرية في المستشفيات الليبية، لكن
ذلك يجب ألا يحول دون الاعتراف بأن ما حصل كان خطوة سياسية
أخرى في الطريق الصحيح. إنها خطوة أقدم عليها العقيد معمر
القذافي في توقيت محدد، أي بعد خلافة ساركوزي لشيراك، بهدف
استثمار عملية إطلاق الممرضات والطبيب في عملية استعادة بلده
وضعه الطبيعي في إطار المنظومتين الأوروبية والدولية.
الواضح، أقله إلى
الآن، أنه نجح في ذلك إلى حد كبير. ولأنه نجح في ذلك، لا بدّ
للنظام الليبي من الذهاب إلى النهاية في منطقه والاحتجاج
بأشد ما يستطيع على عدم سجن السلطات البلغارية الممرضات
والطبيب الذين دينوا في ليبيا. لا مفر، إذاً، من متابعة
ليبيا لمنطقها إلى النهاية، أقله من أجل تبرير تصرفها
واضطرارها إلى سجن الممرضات والطبيب طوال هذا الوقت من دون
حجج مقنعة بأن في استطاعة ممرضات وطبيب فلسطيني الإقدام على
حقن أطفال ليبيين بجرثومة الإيدز عن سابق تصوّر وتصميم!
المهم الآن أن
القضية انتهت نتيجة صفقة عقدتها ليبيا مع الاتحاد الأوروبي.
كان لا بدّ لهذه القضية أن تنتهي بالتي هي أحسن. استعادت
الممرضات والطبيب الحرية وحصل أهالي الأطفال المصابين على
تعويضات...واستطاع معمّر القذافي إغلاق أحد آخر الملفات التي
كانت تحول دون تطبيع للعلاقات بين الجماهيرية من جهة وأوروبا
من جهة أخرى. وبدا واضحاً بعد زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي
للجماهيرية بعد ساعات من إطلاق الطبيب والممرضات أن صفحة
تنتمي إلى الماضي طويت، وأن النظام الليبي على استعداد
للتعاطي مع العالم كما هو وليس كما كان يرسمه بعضهم في
مخيلته. إنه العالم بحسناته وسيئاته والقوى التي تتحكم به،
خصوصاً في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة وخروج الغرب،
على رأسه الولايات المتحدة منتصراً في هذه المواجهة.
كان يمكن لليبيا
كنظام أن تكون إحدى ضحايا انتهاء الحرب الباردة، على غرار ما
حل بصدام حسين ونظامه العائلي ـ البعثي. فقد شاء سوء الطالع
أن تقع كارثة لوكربي في أكتوبر من العام 1988، أي قبل نحو
سنة من انهيار جدار برلين الذي كان مؤشراً إلى بداية انهيار
الاتحاد السوفياتي وظهور قطب عالمي وحيد هو الولايات
المتحدة. فوجئت ليبيا، بغض النظر عما إذا كانت بالفعل وراء
العمل الإرهابي الذي استهدف طائرة ركاب أميركية فُجرت في
الجو فوق بلدة لوكربي الاسكتلندية بشراسة الحملة التي
استهدفتها وبحصر المسؤولية بها. كان مطلوباً إخضاعها و«وضع
النظام في قفص» على حد مسؤول أميركي كبير تحدث عن المسألة في
جلسة خاصة. منذ ذلك التاريخ، ومنذ فرض الحصار عليها، بدأت
القيادة الليبية تستوعب معنى التحولات التي يشهدها العالم
وأن هامش المناورة الذي كان متاحاً في الماضي لم يعد قائماً.
فهمت ذلك متأخراً. ولكن كما يقول المثل الفرنسي، من الأفضل
أن يحصل أمر ما متأخراً من ألا يحصل أبداً، كما الحال مع
صدّام. والحقيقة أن من الظلم إجراء مقارنة بين القذافي
وصدام، بين البرغماتية والتحجر، بين القدرة على استشفاف ما
يدور في العالم والعجز عن استيعاب مبدأ أساسي في السياسة هو
موازين القوى القائمة إقليمياً ودولياً. تلك كانت الخطيئة
الكبرى لصدام الذي ظن، قبل سبعة عشر عاماً بالتمام والكمال
لدى ارتكابه جريمة احتلال الكويت في العام 1990، أن في
استطاعته امتلاك هامش للمناورة واللعب على التناقضات بين
الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وتوظيفها في مصلحته
ومصلحة نظامه.
أدرك معمر القذافي
في مرحلة معينة أن هذا الهامش لم يعد موجوداً وتصرف بمرونة
في عالم على استعداد ليتذكر السيئات الليبية من نوع دعم
عصابة من المرتزقة لأحمد جبريل فقط، في حين سيتناسى كل ما له
علاقة بالتصدي باكراً للتطرف الديني بكل أشكاله، في وقت كانت
أميركا تدعم الإسلاميين المتطرفين، أو دعم حركات التحرير في
أفريقيا في مواجهة الاستعمار أو أنظمة التمييز العنصري، وذلك
بشهادة نلسون مانديلا نفسه. وقد حرص رجل في حجم مانديلا طوال
فترة الحصار الذي تعرضت إليه الجماهيرية على بذل ما يستطيع
لمساعدتها في حين تنكر لها كثيرون من العرب الذين كانوا إلى
ما قبل فترة قصيرة يتلقون مساعدات منها.
المهم الآن أن
تكرس عملية إطلاق الممرضات والطبيب طلاقاً مع ممارسات معينة
في الماضي. كل من ساعد ليبيا في التوصل إلى الصفقة إنما
يراهن على أن الجماهيرية بانتهاجها سياسة عقلانية يمكن أن
تشكل عامل استقرار في شمال أفريقيا وعلى الصعيدين العربي
والأفريقي. ويبدو هذا الرهان الذي شاركت فيه دولة قطر بلعبها
دوراً ذا طابع إنساني سهّل عملية إطلاق الممرضات والطبيب في
محلّه. إنه ينمّ عن رغبة في جعل ليبيا تعود إلى الأسرة
الدولية تمارس في إطارها الدور الذي يفترض بأي دولة ذات موقع
استراتيجي حسّاس أن تمارسه خدمة لمحيطها العربي والأفريقي
أوّلاً. توّج مجيء الرئيس الفرنسي إلى ليبيا والاتفاقات التي
وقعت في أثناء الزيارة، خصوصاً ذلك الذي يمكّن الجماهيرية من
الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض السلمية، سلسلة من
الخطوات التي بدأت بالإعلان في العام 2003 عن التخلي عن
أسلحة الدمار الشامل. تبع ذلك التحول الأساسي الذي صب في
خدمة البلد اقتناع بأن السلاح لا يفيد الدول الصغيرة في شيء،
مهما كان متطوراً. على العكس من ذلك، إنه عبء عليها في حال
لم يكن هذا السلاح مدرجاً في إطار منظومة دفاعية معينة ذات
طابع إقليمي أو دولي. هذا ما أدركته ليبيا أخيراً، وهذا ما
يجعلها مهتمة بالحصول على التكنولوجيا النووية الفرنسية
لاستخدامها في الأغراض السلمية أكثر من اهتمامها بالتزود
بعدد كبير من طائرات «رافال» المتطورة. وقد يحصل ذلك لاحقاً
ولكن في إطار صفقة محدودة تناسب حاجات ليبيا.
جاء ساركوزي، قبله
جاء توني بلير وكان لا يزال رئيساً للوزراء في بريطانيا، كما
جاء رومانو برودي رئيس الوزراء الإيطالي، كذلك جاء إلى
الجماهيرية عدد كبير من كبار المسؤولين من مختلف أنحاء
العالم. كل هذه الإشارات لها مغزى خصوصاً أنها تلت حصول
الأوروبيين على الضوء الأخضر الأميركي في ما يخص التعامل مع
ليبيا بعدما أعادت واشنطن العلاقات مع طرابلس وقررت إرسال
سفير إليها قريباً. الأهم من ذلك أن شركات النفط الأميركية
عادت إلى ليبيا وهذا يعني الكثير، إذ يظهر أن الإدارة
الأميركية بدأت تعتبر التحول السياسي في ليبيا أمراً جدياً،
وأن النهج الجديد للعقيد القذافي بات سياسة ثابتة. ماذا يبقى
إذاً؟ يبقى أن تكون هناك ترجمة على الصعيد الداخلي للانفتاح
على العالم ولانفتاح العالم على ليبيا. ذلك يكون بإصلاحات
حقيقية على غير صعيد تجعل من ليبيا دولة طبيعية وعصرية، دولة
مؤسسات بكل معنى الكلمة بعيداً عن الشعارات التي لا تبني
مستشفى لائقاً. هذا هو التحدي الجديد أمام ليبيا التي لا
تمتلك ثروة نفطية هائلة فحسب، بل في استطاعتها أن تكون بلداً
سياحياً أيضاً، إضافة إلى أن لديها ثروة إنسانية مهمة قابلة
للتطوير متى توافرت المؤسسات التعليمية التي تتمتع بمستوى
معيّن...
إلى الآن، يبدو أن
الإصلاحات التي يقودها المهندس سيف الإسلام القذافي تتقدم،
ولكن بوتيرة يغلب عليها البطء. هل من الحكمة اعتماد البطء
تفادياً لخضات في البلد؟ الأكيد أن السرعة تعني تهوراً، لكن
البطء الشديد لا يناسب ما يشهده العالم من تطورات على غير
صعيد، خصوصاً في مجال الثورة التكنولوجية. الانفتاح على
العالم تم بنجاح. متى الانفتاح الداخلي الذي ينتظره الليبيون
بفارغ الصبر مع الإصلاحات السياسية والاقتصادية؟
كاتب وصحافي
لبناني مقيم في لندن
(الرأي
الكويتية)
|