03/08/2007

رسالة «الخليفة» سيف الإسلام
 
علي الرز: جريدة "الراي" الكويتية

 
لم تكن شفافية سيف الاسلام القذافي الذي يجري تحضيره لخلافة والده العقيد معمر القذافي في حكم ليبيا غريبة على النظام الليبي، فهو قال اشياء لو قيل عُشرها في اي بلد متقدم لانهارت الطبقة السياسية بأكملها فيه.
 
قال ان قضية الممرضات الليبيات مركبة، معتبرا انها كانت «صفقة جيدة لليبيا في علاقتها مع الغرب»... وما هي هذه الصفقة؟ يوضح:«هذا الملف تم تضخيمه من قبلنا، نحن الليبيين اختلقنا هذه القصة، فقد وجدوا بلغاريات وطبيبا فلسطينيا وهذا يعني صلة ما بإسرائيل والموساد والمخابرات الغربية وهناك مؤامرة... لقد ألفوا قصة واجبروا البلغاريات على الإقرار بشيء ما ومن ثم صارت لدينا رواية ولدينا مؤامرة وأصبح لدينا هذا الملف المعقد الذي استغرقنا نحو ثمانية أعوام. لكن في اللحظة التي جلسنا فيها معا وقررنا حل القضية قمنا بحلها في يومين».
 
واذا كانت القصة مفبركة من النظام لابتزاز الغرب فكيف احتج المسؤولون الليبيون على قرار بلغاريا الاعفاء عن الممرضات؟ يجيب سيف الاسلام: «كان واضحا منذ البداية أن البلغار سيعفون عن الممرضات والطبيب. وعندما قلنا ان المسؤولين الليبيين مندهشون، أنا أعتقد أنني دهشت... لأنهم يعلمون أنهم سيحصلون على العفو».
 
هكذا بكل بساطة يشرح خليفة والده كيف تورطت دولة في فبركة اتهامات غير حقيقية من اجل صفقة سياسية مع الغرب، من دون ان يضع في حساباته للحظة واحدة اثر تصريحاته هذه على مصداقية الجماهيرية التي تعاطف انصارها في الداخل والخارج معها في قضية حقن الاطفال بإبر الايدز.
 
واذا كانت هذه «الشفافية» غير مستغربة من نظام دفع تعويضات لاسر ضحايا لوكربي و«يو تي اي»، فان المستغرب هو موقف الدول الغربية التي مهما حاول رموزها نفي الصفقة الا ان كل المؤشرات تشير الى وجودها بعد عملية «بلطجة» قام بها النظام نفسه.
 
الخطورة في الأمر ان قضية الممرضات البلغار وتصريحات سيف الاسلام والصفقة التي عقدت كلها امور اعادت العلاقات الغربية - العربية الى المربع الاول بعدما اعتقد كثيرون ان نوعا من حصانة اخلاقية دولية فرض على بعض الانظمة كفيل بعصمها عن المضي في انتهاكاتها لحقوق الانسان... لكن ما جرى في الايام القليلة الماضية كان بحق سابقة يجدر التخوف منها لا التوقف عندها فحسب.
 
كلام سيف الاسلام رسالة عربية ايضا الى الذين يراهنون على ثبات الموقف الدولي من هذه القضية او تلك. فاذا كانت الثروات والعقود الجوية والبحرية والنفطية من العوامل الاساسية التي حركت المرونة الاميركية تجاه نظام طرابلس بعد ترتيب التعويضات وحصر التحقيقات في مجموعة صغيرة فان «البلطجة» زائد الاغراءات الاقتصادية المستقبلية كانت السبب في الزيارات الرفيعة المستوى التي قام بها قادة اوروبيون الى ليبيا واسسوا من خلالها لاتفاقات في خيمة تحت مظلة النظام.
 
قبل عقدين من الزمن، كان الرهينة الاجنبي يخطف في بيروت ويظهر في دمشق. وكانت دمشق في عين العاصفة والعقوبات بسبب قضية نزار الهنداوي ومحاولته تفجير طائرة اسرائيلية بعد تفخيخ صديقته. يومها اجرت الدوائر الغربية «حسبة» تمكنت من خلالها من مكافأة دمشق على جهودها مقابل وقف خطف الرهائن في لبنان، واستكملت المكافأة بنفوذ كامل في لبنان بعد الموقف الذي اتخذته سورية من غزو صدام حسين للكويت.
 
يختلف الاسلوب والنتيجة واحدة، فحجز الممرضات رهائن مع تركيب تهم لهن اثمر نتائج سياسية واقتصادية جيدة مع الغرب بعد سنوات الحصار والتضييق، وخطف الرهائن في لبنان سابقا و«تحريرهم» في دمشق اثمر نتائج مماثلة... ولا يمكن هنا فصل التعامل مع قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان حاليا على انها «مجموعة رهائن مفترضة» عن هذا السياق، خصوصا بعد المرونة غير المسبوقة التي ابدتها اطراف اوروبية معينة مع دمشق اثر الهجوم الذي اودى بعدد من عناصر الكتيبة الاسبانية
 
يختلف الاسلوب والنتيجة واحدة. لا عزاء للمفكرين والسياسيين الذين طالبوا باعدام الممرضات البلغار بحجة التعاطف مع ليبيا، ولا لخطباء المساجد والعلماء الذين اعتبروا حقن الاطفال بدم ملوث بالايدز «حملة صليبية» عالمية تستدعي ردا «جهاديا»... ومع ذلك فلا عزاء ايضا للحالمين بمعادلة «القوة والقيم»، فالجميع وعلى رأسهم الولايات المتحدة استخدموا القوة وداسوا على القيم.
 
انتظروا فقط الاتفاقات التي ستوقع بين ليبيا واوروبا، واستمتعوا باحصاء الصفقات الخاصة والعامة على انقاض سنوات قضاها ابرياء في سجن، وراقبوا انتشار العدوى في مناطق عربية اخرى بعدما اثبت النموذج الليبي نجاحا باهرا في استخدام الرهائن الاجانب سلاحا ضد الضغوطات الناجمة عن استخدامه للشعب الليبي رهينة.
 
نقلا عن جريدة "الراي" الكويتية

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com