19/08/2007

 
 
ليبيا وما بعد قضية الممرضات البلغاريات
 
ياسر الزعاترة : الوقت

 
أتابع منذ سنوات حكاية الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني، وذلك من خلال بعض أقرباء الطبيب الذين كانوا يمدونني بما تيسر لديهم من وثائق عن القضية بهدف الكتابة عنها، وقد فعلت مراراً في السنوات الماضية، لاسيما أن التركيز الغربي كان منصباً في معظم الأحوال على الممرضات من دون الإتيان على ذكر الطبيب، قبل أن يتغير الوضع في العامين الأخيرين.
 
قرأت عشرات الأوراق بشأن القضية وتقارير كثيرة من وفود مختلفة كانت تتابع تفاصيلها، والنتيجة التي كانت تبدو لي واضحة للعيان هي أن الممرضات والطبيب لم يكونوا مجرمين، حتى لو وقع من طرفهم بعض التقصير والإهمال، لاسيما حين جرى تفسير الجريمة بالعمالة لجهاز الموساد الإسرائيلي، الأمر الذي لم يكن مقنعاً بالطبع، ليس فقط لأن الاعترافات قد أخذت تحت التعذيب الذي نعرف تمام المعرفة أن نتيجته هي الاعتراف بما يريده المعذّبون (بتشديد الذال وكسرها)، كما في أكثر الحالات المشابهة، ولكن أيضاً لأن الموساد الذي لم يحقن أطفال الفلسطينيين الذين كانوا يحاربونه بالأيدز، لن يفعل ذلك مع أطفال ليبيا، من دون أن يكون في ذلك مدحاً للإسرائيليين الذين ارتكبوا من الفظائع ما يفوق الوصف.
 
هنا جرى الحديث عن شخص بريطاني اسمه جون، بوصفه العنصر الغائب في القضية، وبالطبع في سياق تفسير عبثية الحبكة الجرمية، وفي العموم فقد جرى إقناع أهالي الأطفال المكلومين بتورط الطبيب والممرضات، لاسيما أن ذلك هو المسار الوحيد المتاح أمامهم. وحين جرى سحب قصة الموساد من التداول بسبب تداعياتها السياسية لم يعد أمام النظام سوى بث تفسير آخر يتحدث عن شركات دفعت للممرضات والطبيب من أجل تجريب عقار على أجساد الأطفال، الأمر الذي لم يكن مقنعاً أيضاً، ليس فقط لأن من أخذوا من القوم اعترافاً برواية الموساد، كان بوسعهم سحب اعتراف مشابه بالرواية الأخرى، وهي أسهل من دون شك، لأن الجرم هنا في حالة تجريب الدواء لحساب الشركة يبقى احتمالياً وليست مؤكداً كما في حالة الموساد.أما الأهم فهو سؤال لماذا لم نعرف اسم الشركة ولا اسم دولتها، ولماذا لم تتابع القضية، ثم لماذا تترك تلك الشركة دول إفريقيا الأسهل منالاً بالأيدز وتختار ليبيا ؟
 
أسئلة كثيرة لا أحد يجيب عليها، وكنا نتعب مع أصدقائنا الليبيين عند الحديث عنها، وهي اللعبة التي استمرت إلى أن شهد شاهد من أهلها باختلاق النظام للقضية. كان صاحب الاعتراف هو سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي ووريثه المتوقع في السلطة، إذ اعترف الرجل بأن النظام هو الذي اختلق القضية من دون أن يفصّل في كيفية الاختلاق، وبالطبع لأن التفصيل سيضع البلاد أمام استحقاقات قانونية في الأروقة الدولية، وقد بدأت التداعيات بالفعل عندما أعلن الطبيب الفلسطيني أنه سيقاضي القذافي على ما جرى في القضية برمتها، ومن أجل كشف تفاصيلها، لاسيما أن كثيرين يرون أنه هو المتورط فيها حين كان يجري أبحاثاً على عقار للأيدز سيقدمه للأفارقة.
 
الطبيب الفلسطيني تحدث أيضاً عن المستشفى الذي كان جهاز التعقيم فيه لا يعمل إلا لماماً، كما تحدث عن تعذيبه شخصياً، إلى جانب الممرضات اللواتي تعرضن للاغتصاب، وكل ذلك إلى الآن لصحف أجنبية مثل الديلي تلغراف والغارديان البريطانيتين والنيوزويك الأميركية.
 
هذا من الزاوية المتعلقة بالقضية وتفاصيلها، لكن الأهم هو الزاوية السياسية، وحيث شكلت القضية فصلاً أخيراً من فصول إعادة تأهيل النظام الليبي ليدخل العالم الجديد متحرراً من إرثه القديم، وقد كلفت العملية، عملية إعادة التأهيل مليارات الدولارات التي دفعت كتعويضات لضحايا لوكربي والطائرة الفرنسية ومقهى لابيل بألمانيا، فضلاً عن تعويضات الأطفال المصابين بالأيدز، والتي يرجح أن النظام نفسه هو الذي دفعها أو دفع أكثرها.
 
التعويضات المالية المباشرة لم تكن كل شيء، فقد تخلى النظام عن مشروعه النووي، وأعاد النظر في ممارسته السياسية في كثير من القضايا العربية والإقليمية والدولية على نحو ما طالب السادة الكبار، الأمر الذي فتح البلاد برمتها أمام القادمين الأجانب إلى المنجم الليبي المثير لشهية الكبار في ظل انفجار أسعار النفط والغاز، وبالطبع بدءًا بأميركا وبريطانيا وصولاً إلى ألمانيا وفرنسا، وهذه الأخيرة جاء زعيمها الجديد (ساركوزي) ليأخذ حصته من المنجم كما فعل الآخرون. وهنا على وجه التحديد ثار الكثير من اللغط بشأن صفقة الأسلحة الفرنسية لليبيا، فضلاً عن المشروع النووي السلمي، وهذه جميعاً هي من لون الابتزاز لا أكثر ولا أقل.
 
هكذا تنتهي القضية ويدخل النظام الليبي عالمه الجديد، لكنها نهاية معقولة على أية حال، فالتعويض كان مناسباً للأطفال وذويهم، ومعه ما تيسر من علاج متقدم، أما الممرضات والطبيب فسيحصلون بدورهم على بعض المال من بيع قصصهم لوسائل الإعلام ودور النشر، مع أن الطبيب يستحق تعويضاً آخر كي يتنازل عن حقوقه المعنوية.
 
الأهم من ذلك كله هو ما سيترتب على هذه القضية من تداعيات على الداخل الليبي، وهو ما تفتحه تصريحات سيف الإسلام الأخيرة والتي سبقتها، وكلها تتحدث عن انفراج قادم يستحقه الشعب الليبي في ظل فورة أسعار النفط، أكان في ظل العقيد أم في ظل وريثه القادم، مع أن الأمل هو أن يبدأ الانفراج منذ الآن، ليس فقط على صعيد السياسة والحريات، بل أيضاً على صعيد المستوى المعيشي الذي ينبغي أن يرتفع كثيراً، وبالطبع انسجاماً مع ثروات البلد الضخمة.
 
* كاتب فلسطيني
 
عن صحيفة الوقت
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com