06/08/2007

الحق على البلغار
 
إيمان يحيى: صحيفة الوقت البحرانية

 
"الحق على الطليان".. عبارة دالة. يستخدمها إخواننا الشوام لإنهاء الحديث عندما يحتدم بين طرفين عن مسؤولية أحدهما عن شيء ما، فلا يجدون حلاً سوى إلقاء التبعة على طرف ثالث غير موجود. "الحق على الطليان" أصبحت مبدأ راسخاً من أسس "التفكير العربي" عند الوقوف أمام أي مأزق أو معضلة.
 
يقول المثل العربي القديم "لا تلومن إلا نفسك"، لكننا صرنا في عصرنا الحديث نلوم الآخرين. نرمي المسؤولية عليهم وننسل بعيداً سالمين. لا نواجه واقعنا القديم، ولا نبحث عن مخرج لأزمته. تذكرت كل ذلك وأنا أتابع قصة الإيدز والممرضات البلغاريات. تذكرت أيضاً كيف أن البعض حاول أن يعلق وزر هزيمة 1967 على مشجب جندي اللاسلكي الغلبان في مقر القيادة العامة للقوات المصرية، الذي تلقى إشارة من ‘’عجلون’’ بالأردن من الفريق رئيس أركان القوات العربية عبدالمنعم رياض عن إقلاع موجات الطائرات الإسرائيلية من المطارات متوجهة إلى مصر. كانت الإشارة اللاسلكية قد وصلت قبل الهجوم بدقائق، ولسوء حظ الجندي كانت الشفرة قد تغيرت منذ الصباح، فلم يستطع أن يفهم النداء المتكرر القادم من عجلون.. "عِنب.. عِنب.. عِنب..". ترك البعض الأسباب الحقيقية التي أدت إلى نكسة ,6719 وبدؤوا في إلقاء المسؤولية على جندي اللاسلكي المسكين، وكأنه لو استطاع أن يفرق بين "العنب " و"التين"، لكنا قد استطعنا الفكاك من الهزيمة. تركوا الانهيار الذي وصل إليه الجيش المصري تحت قيادة عسكرية غير مؤهلة. تناسوا أن الهزيمة هي الابن الشرعي لأخطاء نظام سياسي بأكمله، استطاع الاستعمار أن يستدرجه إلى فخ حرب يونيو/ حزيران.
 
المنطق نفسه، هو الذي جعل البعض يتهمون الثائر المصري "أحمد عرابي" أنه سبب الاحتلال البريطاني لمصر، بل وصمه بعض بني جلدته بالخيانة. لم ينتبهوا إلى مسلسل التدخل الأجنبي في الشؤون المصرية منذ عهد الخديوي سعيد، ولم ينظروا على الديون المتثاقلة الأجنبية وإلى اضطرار "إسماعيل" إلى بيع أسهم قناة السويس المصرية. الأنكى من ذلك أنهم نسوا أن "مصر" تقع في الطريق إلى "الهند" درة التاج البريطاني وكبرى المستعمرات البريطانية. لم تكن "الثورة العرابية" العام 1881 هي التي أتت بالاحتلال، ولكن البعض فضل أن يجعلها كبش الفداء، وبدلاً من أن يكون "الحق على الطليان" شعاره، كان "الحق على عرابي" هي العبارة التي أراحت ضميره.
 
تذكرت كل ذلك، وأنا أتابع البعض يصيح ‘’الحق على البلغار’’. أكثر من أربعمئة طفل أصابهم مرض نقص المناعة المكتسبة "الإيدز"، بسبب الفساد والإهمال والتسيب الذي أصاب النظام الصحي والطبي في ليبيا. قد يكون ذلك بسبب فساد نظام التعقيم في المستشفيات أو عدم التأكد من صلاحية الدم المنقول في عمليات نقل الدم، خصوصاً مع وجود أعداد كبيرة من المهاجرين الأفارقة الذين وصلوا الجماهيرية من بلادهم الموبوءة بالإيدز بعد أن فتحت ليبيا أبوابها للعمالة الإفريقية تبعاً لتوجهاتها السياسية الحديثة. كان واضحاً للعيان ولأي خبير في الحقل الصحي أنه لا يمكن لأربعة ممرضات وطبيب أن يقدموا على حقن هذا العدد الكبير من الأطفال بالفيروس عن عمد، إلا إذا كانوا من فصيلة "دراكولا" مصاص الدماء الشهير. حتى لو كانوا من المجانين الذين أصابتهم لوثة عقلية جماعية، فمن أين كانوا سيحصلون على الفيروس ليحقنوه وهم ليسوا مصابين بهذا المرض ؟.. ما هو الدافع ؟.
 
فضل المسؤولون في ليبيا أن يلجأوا إلى دفن الرؤوس في الرمال وأن يزيحوا المسؤولية على البلغار. وكما أخبرتنا الصحف ووسائل الإعلام بعد أن تم الإفراج عن البلغار، كان الطريق إلى ذلك عبر التعذيب والضغط البدني والنفسي داخل السجون وعندما اضطروا إلى التراجع عن أحكام القضاء الليبي، وجدوا الحل في العثور على اتفاقية لتبادل المجرمين مع بلغاريا، ومرة أخرى تم إلقاء "الأزمة" على البلغار. الطريف أن الطبيب الفلسطيني المتهم بحقن الإيدز للأطفال، لم يجد أحدا يدافع عنه سوى البلغار الذين أعطوه الجنسية البلغارية أثناء سجنه، فتم ترحيله إلى بلغاريا. أما الأطرف والأكثر إثارة هو طلب الخارجية الليبية من جامعة الدول العربية أن تقوم الدول العربية بقطع علاقاتها مع بلغاريا لإفراجها عن الممرضات والطبيب.. صحيح "الحق على البلغا".
 
عن صحيفة الوقت البحرانية

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com