|
|
|
الدلالات السياسية لخطاب سيف الإسلام القذافيد. يوسف نور عوضدعني في البداية ابدأ بعرض للأحوال السياسية في بعض بلدان العالم العربي لنتعرف علي نوعية العقل الذي يتحكم في هذه المنطقة.ونبدأ بالسودان الذي يخضع منذ عام ألف وتسعمئة وتسعة وثمانين لحكم الإنقاذ وهو حكم أعلن مبادئ إسلامية لم يستطع أن يضعها موضع التنفيذ علي مدي أكثر من سبعة عشر عاما وانتهي الأمر بنظامين للحكم أحدهما في جنوب السودان ـ لا يعتمد علي المبادئ الإسلامية ـ والآخر في الشمال يقول إنه يعتمد علي تلك المبادئ وهو قول يجافيه الواقع الماثل. وذلك وضع في مجمله ينذر بتفكيك البلاد وتحويلها إلي كانتونات سياسية تعتمد علي العرق واللون والثقافة.وإذا ذهبنا شمالا إلي مصر وجدنا نظاما آخر يزعم أنه ديمقراطي يحكم بواسطة حزب يسمي نفسه الحزب الوطني الديمقراطي وهو حزب يرفض أن يكون في البلاد منافس له وخاصة من جماعة الأخوان المسلمين، ويستخدم كل السبل القمعية وغير القانونية من أجل تثبيت دعائم النخبة المستنفذة بل وتهيئة البلاد إلي حكم وراثي ترفضه غالبية أفراد الشعب ولكنها لا تستطيع أن تتوحد في موقف يبطل ما يجري علي أرض الواقع في مصر من ممارسات غير قانونية.وأما في لبنان وعلي الرغم من الصورة الحديثة للبلد فإن هذه الصورة تخفي في واقعها نظاما قبليا وطائفيا متخلفا بحيث لا تكون المظاهر الحديثة إلا واجهة تغطي واقعا متخلفا وكما قال الأستاذ سليم الحص في إحدي محاضراته فإن المظاهر الديمقراطية في لبنان لا هدف لها سوي شرعنة واقع سياسي متخلف.وفي العراق هناك واقع آخر لأنه علي الرغم من أن تلك البلاد ترزح تحت ظروف الاحتلال فإن الحقيقة الماثلة هي التي كشف الاحتلال الغطاء عنها، ذلك أن العراق الذي كان يبشر بميلاد دولة حديثة لم يكن في حقيقته سوي مجتمع يعتمد علي الانتماء الطائفي والعرقي بحيث لم يعد الكثيرون يرون في الدولة الحديثة أكثر من محاصصة طائفية، وليت أن الناس كانوا يعلمون بالأسس التي يقوم عليها انتماؤهم الطائفي فقد استمعت إلي كثير من العراقيين يقولون إنهم لم يكونوا يعرفون هذا الانتماء حتي بلغوا العشرين من العمر.أما في سورية فهناك واقع آخر إذ أن البلاد ما زالت تخضع لحكم حزب واحد تقوم أسسه علي مبادئ تلاشت في الواقع العربي ويمثل مرحلة تجاوزها الزمن ولكنها تكرس حكم النخبة التي لا تبدو علي استعداد لان تتبع صيغة معايشة مع الآخرين وهي تستغل واقع التراجع العربي لتظهر أنها الوحيدة التي تقف في صف المقاومة وذلك زعم يحتاج إلي كثير من التأكيد في الواقع العملي.وأما ليبيا فإن وضعها غريب حقا ذلك أن هذا البلد منذ وقوع الانقلاب في عام تسعة وستين ـ وهو الانقلاب الذي أطاح بالملكية ـ يخضع لحكم رجل واحد أقنع قطاعات كبيرة من أفراد شعبه بأنه صاحب نظرية جديدة في الحكم ضمنها الكتاب الأخضر، وهذه النظرية تلغي فكرة الجمهورية لان مفهوم الجمهورية يعود إلي الدولة، واستبدل هذه الفكرة بمفهوم الجماهيرية التي تعيد الأمور إلي الشعب من الناحية النظرية، اما الزعيم فلم يعد رئيسا للدولة بل أصبح مجرد قائد وهذا الوضع الجديد يجعل الانقلاب عليه صعبا جدا لأنه يملك ولا يحكم مع أن الحقيقة هي أنه لا يستطيع أحد في ليبيا أن يتخذ قرارا دون موافقة الزعيم الذي أثبت أنه زعيم براغماتي يمشي دائما خلف التيارات والاتجاهات التي تحقق مصلحة الحكم وليس بالضرورة تحقق مصلحة ليبيا ويبدو ذلك واضحا في موقفه من قضية لوكربي وقضية الممرضات وغيرها. ولكن نظام الحكم في ليبيا يخضع كغيره من أنظمة الحكم العربية إلي كثير من النقد، ذلك أن البعض لا يرون في مواقف القذافي المتبدلة حنكة سياسية تستهدف التعايش مع العالم القوي بل هي في حقيقتها تفريط في كثير من الحقوق.وفي هذا الجو وبينما ظلت ليبيا تستعد للاحتفال بالذكري الثامنة والثلاثين للفاتح من سبتمبر فاجأنا سيف الإسلام القذافي بمقابلة تلفزيونية قلب فيها كل ما ادعته الحكومة الليبية بشأن الممرضات البلغاريات رأسا علي عقب، وجاءت تصريحات سيف الإسلام في الوقت الذي كانت تنتظر فيه اسر الضحايا التعويضات التي قالت الحكومة الليبية أن بلغاريا ستدفعها تضامنا مع دول الاتحاد الأوروبي ولكن مجرد نشر التصريحات يعني أن بلغاريا ستكون في حل من أي التزام، ولا يعرف بالطبع ما إذا كانت الحكومة الليبية ستواصل التزامها بدفع التعويضات للمتضررين ،والمسألة لا تقف عند هذا الحد لأن سيف الإسلام وضع بتصريحاته الموقف الليبي بأسره أمام تساؤلات، إذ كيف ظلت الحكومة الليبية ساكتة علي اتهامات غير صحيحة علي مدي ثماني سنوات دون أن تظهر الحقيقة وهو ما يثير شكوكا حول صدقيه النظام الليبي من جهة وتصريحات سيف الإسلام القذافي من جهة أخري، لأنه إذا كان ما ظل يقوله النظام الليبي صحيحا فإن تصريحات سيف الإسلام تصبح ذات أغراض سياسية وإذا كان ماقاله سيف الإسلام صحيحا فإن ما قاله يضع النظام الليبي كله في مأزق ويؤكد أن كل التقلبات التي حدثت في مواقفه السياسية ذات توجهات ذرائعية لا علاقة لها بمصلحة الشعب.ولكن مواقف سيف الإسلام القذافي لم تقف عند تحديد موقفه في قضية الممرضات بل ذهب إلي ابعد من ذلك في تصريحاته الأخيرة التي نقد فيها نظام الحكم في ليبيا من زوايا جوهرية، فهو نقد خلف وجهات نظر متباينة، فمن ناحية قال البعض إذا كان ما قاله سيف الإسلام صحيحا فلماذا يقتصر عليه، ولا يسمح لغيره بتوجيه نقد لنظام الحكم؟ فهل ما يقوله سيف الإسلام هو لمجرد إظهاره في دور المصلح أو المخلص الذي سيواصل المسيرة بعد الأب، وهو إصلاح يريد الكثيرون حدوثه في ليبيا، ولكنهم يريدونه في إطار إصلاح حقيقي وليس من خلال ما تبرمجه الحكومة، ولكن قبل أن نسترسل في هذا الموقف نتوقف عندما قاله سيف الإسلام تحديدا.أولا يري البعض أن سيف الإسلام وضع الخطوط العريضة للإصلاح الدستوري وهو الأول منذ أن تسلم والده السلطة قبل ثمانية وثلاثين عاما. وهذا الإصلاح لن يقصر الرأي علي اللجان الشعبية بل سيمدد الأمر إلي سائر شرائح المجتمع ويفهم من ذلك المعارضة ولكنه يضع مع ذلك بعض الخطوط الحمراء التي يري أنها ضرورية من أجل تبني الدستور الجديد. وهذه الخطوط الحمراء تتمثل أولا في الإسلام والمحافظة علي الشريعة وهو هدف لا ينطبق بحال من الأحوال علي ما يجري في ليبيا لأنها لا تحكم بواسطة الشريعة الإسلامية وأما الخط الثاني فهو المحافظة علي الوضع الامني في البلاد، والخط الثالث هو المحافظة علي التراب الليبي والخط الرابع هو عدم المساس بشخصية الزعيم معمر القذافي، ويريد سيف الإسلام من الجميع أن يعتمدوا تلك الخطوط كمداخل حقيقية لإصلاح يريد أن يكون هو رائده وبالتالي الخليفة الذي يمكن أن يورث السلطة.وإذا نظرنا إلي ما قاله سيف الإسلام لم نجد فرقا بينه وما يجري في ليبيا في الوقت الحاضر، ذلك أن المحافظة علي الأمن لا تعني أكثر من الالتزام بعدم الخروج علي نظام الحكم، واما عدم المساس بشخصية العقيد فيعني عدم توجيه النقد لأفكاره وبالتالي الإبقاء علي الواقع القائم علي الرغم من ثبوت الأخطاء التي قام عليها نظام الحكم وتراجعه أمام القوي الكبري من منطلق العقلانية. وأما الدعوة إلي الحوار بين مختلف فصائل المجتمع فلا يبدو أنها مقبولة عند زعماء المعارضة الذين أكدوا في مؤتمرهم عام ألفين وستة في لندن إن العقبة الوحيدة التي تقف في طريق الوئام الوطني هي معمر القذافي نفسه ولا تريد المعارضة أن تدخل في حوار مع العقيد معمر القذافي.
ونستطيع أن نقول في ضوء ذلك إن العالم
العربي ما زال يمارس السياسة بأساليب عفا عليها الزمن، ذلك أنه حين يريد هذا
العالم أن يغير واقعه فهو لا يحتاج إلي المصلحين الفرديين أو الوارثين ولا يريد
اجتهادات وأفكار فجة لأن نظم الحكم الرشيدة لا تحتاج إلي ذلك فهي موجودة في
العالم وتمارسها ديمقراطيات كبري وبالتالي فنحن لا نريد مصلحين لهم أجندتهم
السرية بل نحتاج إلي رجال يطبقون نظام الدولة الحديثة كما هي معروفة في بريطانيا
والولايات المتحدة وعندها لن نحتاج لأمثال سيف الإسلام القذافي كي يبشرونا بواقع
كانوا هم السبب في وجوده ولا سبيل إلي إبداله إذا لم يتخلوا عن الطريق ويفسحوه
لمسيرة جديدة. أحد في ليبيا أن يتخذ قرارا دون موافقة الزعيم أحد.
|